منصة إعلامية متخصصة في نشر فضائح الإمارات وجرائمها

تحقيق: الإمارات واستراتيجية تفتيت وتقسيم اليمن

عملت دولة الإمارات على مدار سنوات من حربها الإجرامية في اليمن على الدفع بتفتيت البلاد وتقسيمها خدمة لأطماعها في التوسع والنفوذ ونهرب المقدرات والموارد فيه فضلا عن السيطرة على موانئه الاستراتيجية.

وهذه الأيام ومع إعلان أبو ظبي سحب قواتها وهي بأعداد قليلة من بعض مناطق اليمن، فإن أبو ظبي تدخل في مرحلة أشد خطورة على واقع ومستقبل اليمن من خلال ما تنشره من عشرات آلاف المرتزقة الأجانب والميليشيات في البلاد.

ويرى مراقبون أن الإمارات عملت على صياغة دوها الإجرامي في اليمن بما يضمن لها محاولة الإفلات من العقاب على تسببها بمقتل آلاف المدنيين طوال سنوات الحرب والدفع في الوقت نفسه لمؤامرات تفتيت اليمن وتحويله إلى جغرافياتٍ معزولة ومتحاربة، يديرها حلفاؤها المحليون.

وبحسب المراقبين لا يعني إعلان الإمارات خفض قواتها العسكرية في اليمن نهاية الوجود الإماراتي في اليمن، وإنما مرحلة جديدة، للتعاطي مع الواقع الذي أحدثته في اليمن، بعد أن حققت غاياتها من تدخلها العسكري المباشر.

وشهد الوجود العسكري الإماراتي منذ بدء الحرب الإجرامية في اليمن تغيرات عديدة، فرضتها استراتيجية أبو ظبي في تعاطيها مع أولوياتها في اليمن.

جاء التدخل الإماراتي تحت منظومة التحالف العربي الذي تقوده السعودية بزعم الدفاع عن السلطة الشرعية، كما تدّعي البروباغندا الإعلامية للتحالف.

لكن يلاحظ أن الإمارات حدّدت تدخلها العسكري في اليمن منذ البداية بالمناطق التي ضمنت لها إيجاد شركاء محليين موثوقين، إذ لم تكن معنيةً بالحرب التي تدور بين السلطة الشرعية وجماعة الحوثي في جبهات الشمال، إلا وفق تأثيرها على مصالحها في جنوب اليمن، لذا حصرت وجودها في جبهات الشمال بتمثيل رمزي، مقابل اعتمادها على القوات السودانية في خوض المعارك ضد جماعة الحوثي.

يشكل الوضع الحالي في جنوب اليمن، بتعقيداته وبناه السياسية والعسكرية المتعددة، مثالاً حياً على أهداف التدخل العسكري الإماراتي في اليمن، إذ نجحت الإمارات في إيجاد هياكل سياسية وعسكرية جنوبية موالية لها، خارج إطار السلطة الشرعية اليمنية ومناوئة لها.

فخلال سنوات الحرب في اليمن، تحولت الأحزمة الأمنية وقوات النخبة في جميع المناطق الجنوبية إلى قوة محلية ضاربة، تفرض أولويات الإمارات في جنوب اليمن، بما في ذلك صراعها مع السلطة الشرعية على السلطة والثروة.

كما عملت الإمارات على تجميع القوى الجنوبية الراديكالية المنادية بالاستقلال عن شمال اليمن في إطار المجلس الانتقالي الجنوبي، حيث وفرت له الدعم المالي والسياسي، وشرعنت وجوده سلطة مستقبلية في جنوب اليمن.

بذلك ضمنت الإمارات من خلال المجلس الانتقالي الجنوبي، والتشكيلات العسكرية الموالية لها، سيادتها على جنوب اليمن حالياً وفي المستقبل.

كما سعت الاستراتيجية الإماراتية لإحداث وضع مماثل في مناطق شمال اليمن، بما في ذلك محاولة اختراق المناطق المغلقة بالنسبة لها، وإيجاد شركاء محليين يمثلون أجنداتها، إلا أنها فشلت في ذلك.

فعلى الرغم من محاولة تقديمها المجاميع السلفية المنضوية في المقاومة اليمنية بأنها ذراعها العسكرية والسياسية في جبهات الشمال، لكنها لم تكن حليفاً موثوقاً بالنسبة لها، وذلك لاعترافها بسلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي ممثلاً للشرعية اليمنية.

بيد أن مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، لم يمكّن الإمارات من اختراق مناطق الشمال فقط، وإنما إدارة صراع القوى اليمنية لصالحها إذ ضمنت بتحالفها السياسي مع حزب المؤتمر الشعبي جناح صالح قوة سياسية واجتماعية في جميع مناطق الشمال، بالإضافة إلى قوة عسكرية متنامية ممثلةً بالقوات التي يقودها العميد طارق محمد عبد الله صالح.

وتراهن الإمارات على انتصارها في معارك الساحل الغربي، وجبهة الحديدة ضد جماعة الحوثي، ما يمكّنها من أن تصبح سلطة حاكمة في شمال اليمن في المستقبل.

وتظهر معيطات الواقع الميداني في اليمن أنه خلافاً لجبهات الشمال الأخرى، شكلت جبهة مدينة الحديدة أهمية استراتيجية بالنسبة للإمارات، وذلك لاستكمال سيطرتها الفعلية على الموانئ اليمنية الرئيسية، إذ منحها تقدم التشكيلات العسكرية الموالية لها بقيادة العميد طارق في تخوم مدينة الحديدة، أملاً كبيراً في تغيير معادلة الصراع في المدينة لصالحها.

إلا أن ما أنتجه اتفاق استوكهولم في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، من تعقيدات سياسية وعسكرية في المشهد اليمني بشكل عام، بما في ذلك تدويل الصراع في مدينة الحديدة، واستمرار رفض جماعة الحوثي الانسحاب من المدينة حتى الآن، جعل الإمارات تفكّر جدياً في تغيير شكل تدخلها في اليمن.

لم يكن إعلان الإمارات عن سحب قواتها العسكرية من اليمن، بسبب تبنّيها خطة للسلام كما صرح بعض قادتها، إذ لم تكن الدبلوماسية الإماراتية، على امتداد سنوات الحرب في اليمن، حريصةً على تحريك العملية السياسية في اليمن.

لم يأت سحب الإمارات قواتها العسكرية في سياق تفاهماتٍ مع السلطة الشرعية، كما تقتضي الأعراف الدبلوماسية، باعتبار أنها تدخلت في اليمن لإعادة الشرعية اليمنية للسلطة.

ومن جهةٍ ثانية، لم تتبن السعودية قائدة التحالف العربي الخط السياسي الذي أعلنته الإمارات، ما يوضح أنها ما زالت تتحرّك في اليمن وفق استراتيجيتها الخاصة، إذ يبدو أنها استنفذت غاياتها من تدخلها العسكري المباشر في اليمن.

فقد أوجدت الإمارات على امتداد الخريطة اليمنية شبكة معقدة من الحلفاء المحليين، وتشكيلات عسكرية موالية لها، تدير مصالحها في اليمن، وتخوض معاركها بالنيابة.

كما ضمنت الإمارات، بعد توافقها مع السعودية، بتعيين معين عبد الملك رئيساً لوزراء الحكومة اليمنية، نوعاً من السيطرة على الخطاب المناوئ لها داخل أجنحة السلطة الشرعية أو على الأقل تحجيمه ما يمكّنها من إدارة الملف اليمني في المرحلة المقبلة، من دون كلفة اقتصادية كبيرة أو خسائر بشرية.

ويوم أمس تم الكشف عن نقل القوات الإماراتية في عدن مئات من المجندين التابعين للمجلس الانتقالي للتدريب خارج اليمن. إذ تم نقل المجندين من اليمن عبر البحر ورحلات جوية من عدن، دون الكشف عن الجهات التي نقل إليها المجندون الذين سيخضعون لتدريب عسكري.

وكانت وكالة رويترز قد نقلت عن مسؤول إماراتي كبير قوله إنهم ليسوا قلقين من حدوث فراغ عسكري باليمن، معللا ذلك بتدريب أبو ظبي تسعين ألف جندي يمني.

وقال الباحث السياسي اليمني عبد الباقي شمسان إن ما قامت به الإمارات من نقل مئات المجندين للتدريب خارج اليوم يمثل جزءا من استراتيجيتها المتعلقة بالخروج الإعلامي لا العسكري من اليمن، حيث إن ما جرى مجرد إخراج لبعض القطاعات العسكرية الإماراتية، مع بقاء التمويل والنخب والأحزمة التابعة لها، في ظل غياب تام للسلطة الشرعية.

وأضاف أن الإمارات تمكنت من خلال هذه المليشيات والجماعات التابعة لها من إحكام السيطرة على جنوب اليمن، وأن إعلان انسحابها من اليمن سيفيدها في تخفيف الضغط الدولي عليها دون أن يفقدها ميزات الحضور والسيطرة والنفوذ الذي تمارسه من خلال جماعاتها ومليشياتها المسيطرة على الأرض.

من جهة أخرى قال الكاتب اليمني نبيل البكيري إن أبو ظبي دربت سابقا آلاف الأفراد، وما يجري الآن ربما استقطاب جديد لمئات العناصر التي كانت في السابق تعمل ضمن الجيش الوطني، وتم دمجها واستقطابها نتيجة للخلل الحاصل على مستوى الدولة وانقطاع وضعف رواتب الجيش.

بموازاة ذلك كشف تقرير لصحيفة “الغارديان” البريطانية أن الإمارات العربية ستسلم مواقعها في اليمن  إلى مرتزقة أجانب وميليشيات محلية موالية للإمارات، وغير خاضعة لسلطة الحكومة اليمنية الشرعية.

وذكرت الصحيفة إن هذا الانسحاب يمثل لحظة مهمة في الحرب الأهلية، التي دامت أربع سنوات.

ونقلت “الغارديان” مزاعم الإمارات، التي تفيد إن قواتها  المتبقية في اليمن ستركز على جهود مكافحة الإرهاب ضد تنظيم “الدولة” والقاعدة بدلا من ” الحوثيين”.

وكشف التقرير أن الإمارات ستواصل دعمها للحركة الانفصالية في اليمن، في حين حذر العديد من المحللين من أن الجمود الحالي في اليمن يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية.

ووصفت الصحيفة إن الانسحاب الإماراتي “يضعف القدرات العسكرية السعودية في اليمن، مما يزيد من الضغط على الرياض لمواصلة الحل السياسي بدلاً من العسكري للحرب”، مشيرة إلى أنه في الوقت الذي قد يقال فيه إن الانسحاب الإماراتي من اليمن ولو جزئياً قد يعد اعترافاً بالهزيمة  إلا أن المسؤولين الإماراتيين يصرون على أن إعادة الانتشار كانت خطوة مدروسة تعكس التقدم الدبلوماسي الذي تحرزه الأمم المتحدة في الحديدة.

وكان مسؤول إماراتي كبير كشف لوكالة الصحافة الفرنسية أن بلاده -العضو الرئيس بالتحالف الذي تقوده السعودية في حرب اليمن- تقوم بعملية سحب لقواتها من هناك ضمن خطة “إعادة انتشار” لأسباب “إستراتيجية وتكتيكية”.

ونقلت الوكالة عنه قوله في دبي إن الإمارات تعمل على الانتقال من “إستراتيجية عسكرية” إلى خطة تقوم على تحقيق “السلام أولا”.

ولاحقا ذكرت نيويورك تايمز أن الإمارات تسحب قواتها من اليمن بوتيرة سريعة بعد تيقنها من أن الحرب الطاحنة التي حولت البلاد إلى كارثة إنسانية لا يمكن كسبها.

ونقلت الصحيفة عن دبلوماسيين غربيين مطلعين على التفاصيل قولهم إن خفضا في عدد القوات الإماراتية قد حدث بالفعل، مدفوعا برغبة الخروج من حرب مكلفة للغاية حتى لو أغضب ذلك حلفاءهم السعوديين.

وأكدت أن الإماراتيين تجنبوا الإعلان عن خطوة الانسحاب علنا للتخفيف من انزعاج نظرائهم السعوديين، غير أن دبلوماسيين غربيين أشاروا إلى أن السعوديين شعروا بخيبة أمل كبيرة نتيجة القرار الإماراتي وأن كبار المسؤولين بالديوان الملكي حاولوا ثني المسؤولين الإماراتيين عن خطوة الانسحاب.

وقبل أيام كشفت مصادر موثوقة ل”إمارات ليكس” تفاصيل وحيثيات سيناريو انسحاب دولة الإمارات في اليمن وأن دولة أوروبية لعبت دورا محوريا في اتخاذ القرار وبدء تنفيذه.

وأوضحت المصادر أن  دولة اوروبية تريد المضي في صفقات ضخمة لبيع أسلحة للإمارات لكنها تتعرض لضغوط داخلية شديدة ما دفعها للتأثير على النظام الإماراتي لاتخاذ قرار الانسحاب من اليمن.

وبحسب المصادر فإن هذه الدولة وجهت نصائح للإمارات بضرورة سحب جنودها من اليمن خاصة أن عددهم بالمئات فقط مقابل إبقاء الاعتماد على المرتزقة الأجانب وميليشيات أبو ظبي المنتشرة في مناطق متفرقة من اليمن.

وأكدت المصادر أن خطة النظام الإماراتي هي إدارة حرب بالوكالة في اليمن عبر الميليشيات التابعة له والمرتزقة الأجانب بما يسمح لأبو ظبي بإدارة العمليات من خارج الصورة ويسمح باستمرار الإمدادات العسكرية وإبعاد الإمارات عن الواجهة.

يبقي أنه من المبكّر التكهن بارتدادات الانسحاب الإماراتي من اليمن على توازنات القوى المحلية، وخصوصاً حلفائها المحليين، وعلى ديناميكية الصراع المحلي، فإن الأكيد هنا أن الحرب في اليمن دخلت منعطفاً جديداً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.