منصة إعلامية متخصصة في نشر فضائح الإمارات وجرائمها

تحقيق: تقسيم اليمن.. مؤامرة إماراتية قديمة جديدة

اتسمت علاقات الجنوب اليمني بمناطق الشمال بالاضطراب على الدوام، إذ أن طموحات الانفصال التي ما تلبث أن تشتعل كلما بدا خفوتها، مرورًا بما قبل الربيع العربي ثم الإطاحة بنظام علي عبد الله صالح، ووصولًا للعبة الإماراتية الحالية في الجنوب عن طريق ذراعها الرئيس “المجلس الإنتقالي الجنوبي”.

وربما لم يكن القائد العسكري “منير محمود أحمد المشالي”، أو “أبو اليمامة اليافعي” كما يُعرف باسمه الحركي، معروفا على نطاق واسع للكثير من اليمنيين قبل تلك اللحظة التي قُتل فيها، بصحبة 46 جنديا آخرين، في هجوم غامض بالصواريخ والطائرات بدون طيار نفّذه الحوثيون في الأول من أغسطس/آب الماضي واستهدف حفل تخريج للعسكريين في عدن كان “اليافعي” حاضرا فيه بصفته القائد الرئيس لقوات الحزام الأمني في المدينة، ما جعله -من الناحية التقنية- المسؤول الأمني الأبرز في محافظة عدن وأحد أبرز المسؤولين في جنوب اليمن في ذلك التوقيت.

كان العميد “أبو اليمامة”، البالغ من العمر 45 عاما لحظة مقتله، هو قائد لواء الدعم الأول لقوات الحزام الأمني العاملة في عدن، وهي إحدى الأذرع العسكرية للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، والتي تخضع في الوقت نفسه -من الناحية النظرية- لسلطة الرئيس اليمني “عبد ربه منصور هادي”، بوصفها جزءا من التحالف السعودي الإماراتي، وهو ما جعل “اليافعي” مسؤولا عسكريا حكوميا بشكل من الأشكال، ويُفسّر البيان الذي أصدرته الحكومة نعيا له وثناء على “جهوده وتضحياته” في تحرير الأراضي اليمنية من أيدي الحوثيين.

ينحدر “منير اليافعي” من قبيلة “يافع” التي تُعَدُّ أحد أكبر الاتحادات القبلية في عدن وما حولها والمعروفة بصرامتها ودعمها المطلق لاستقلال الجنوب اليمني، وكان قائدا عسكريا مخضرما قضى الشق الأكبر من حياته المهنية ضابطا في جيش اليمن الجنوبي قبل الوحدة مع الشمال عام 1990، ثم ناشطا في حركة الاستقلال التي قاتلت ضد الرئيس السابق “علي عبد الله صالح” إبان الحرب الأهلية عامي 1993 و1994، قبل أن يضطر للفرار إلى المنفى في عمان بعد هزيمة الجنوبيين، ليعود مجددا عام 2007 مع تجدد الحراك الداعي لاستقلال جنوب اليمن.

خفت نجم “أبو اليمامة” نسبيا مع خفوت دعوات الانفصال المسلحة في الجنوب اليمني، وانخراط الزعماء الجنوبيين في المفاوضات الحكومية بعد الانتفاضة

كجزء من الحراك، كان “أبو اليمامة” واحدا من الضباط الجنوبيين السابقين الذين سعوا لبدء انتفاضة ضد نظام “صالح” في اليمن، لذا اعتُقل من قِبل قوات الأمن الموالية لـ “صالح” عام 2010 وحُكم عليه بالإعدام، لكنه فرَّ من السجن واختبأ ليظهر مرة أخرى خلال الانتفاضة اليمنية عام 2011 ليُعتقل مرة أخرى بسبب نشاطه ضد نظام “صالح”، وبالأخص بسبب دوره في الاستيلاء على القاعدة العسكرية في منطقة “ردفان” بمحافظة “لحج” والتي تحوّلت إلى موقع ثوري لدعم النشطاء المؤيدين لاستقلال الجنوب أثناء الانتفاضة.

خلال الأعوام التالية، خفت نجم “أبو اليمامة” نسبيا مع خفوت دعوات الانفصال المسلحة في الجنوب اليمني، وانخراط الزعماء الجنوبيين في المفاوضات الحكومية بعد الانتفاضة، لكن نجم “اليافعي” عاد للظهور مجددا مطلع عام 2015 بعد الانقلاب الحوثي على حكومة هادي، حيث قاد “أبو اليمامة” المقاومة الجنوبية الموالية للقيادي “عيدروس الزبيدي” -ابن محافظة الضالع الجنوبية- ضد التوغل الحوثي خاصة في منطقة “ردفان”، وهو ما أكسبه شعبية كبيرة ولفت إليه أنظار دولة الإمارات التي كانت قد بدأت ترسّخ نفوذها في جنوب اليمن كجزء من التحالف العسكري الذي تقوده السعودية هناك.

وخلال الأشهر التالية، تحوّل “أبو اليمامة” إلى بطل حرب بالنسبة للكثير من الجنوبيين، وظهرت كفاءته العسكرية بوجه خاص منذ اختارته الإمارات لقيادة قوات الحزام الأمني في عدن في فبراير/شباط 2017 بعد تفاقم الخلافات بين أبوظبي وهادي، وبعد فشل قائد الحزام الأمني السابق “نبيل المشوشي” في إحكام السيطرة على مطار عدن الإستراتيجي.

أصبح اليافعي خلال فترة قصيرة المشرف الأكبر على الأنشطة الأمنية في عدن وما حولها، وتحوّلت المدينة الميناء تحت قيادته إلى عاصمة فعلية للنفوذ الإماراتي ومركز العمليات الاستكشافية الإماراتية في شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي، بخلاف إشرافه على العمليات العسكرية للحزام الأمني ضد الحوثيين وبقايا تنظيم “القاعدة” في محافظات لحج وأبين وتعز، جهود تكلّلت بحوز “أبو اليمامة” للصدارة القبلية أيضا إثر تعيينه شيخا لقبيلته في “مشالة” بـ لحج خلفا لعمه، كتكريم لجهوده العسكرية في دعم الحركة الجنوبية.

ورغم أن مسيرة اليافعي الحافلة بلغت نهايتها بوفاته إثر الهجوم الحوثي، فإن موته أرسل موجات صدمة عبر الجنوب، محفّزا سلسلة من التفاعلات السياسية والعسكرية التي يُرجّح أنها ستغيّر وجه اليمن بشكل جذري، وفي حين كان “المجلس الانتقالي الجنوبي”، وحلفاؤه في الإمارات، يتوخّون الحذر في دفع أجندة الانفصال بسرعة غير مناسبة؛ فإن مقتل “اليافعي” غيّر ذلك فيما يبدو.

ففي البداية أصدر المجلس الانتقالي بيانا نعى فيه “اليافعي” كواحد من الذين “ضحوا بأرواحهم لأجل استقلال الجنوب” حدّ تعبير البيان، قبل أن يأخذ المجلس دفّة المواجهة لمستوى مختلف تماما حين اتهم الرئيس هادي وحلفاءه في حزب الإصلاح بالتواطؤ في الهجوم.

منذ ذلك الحين، شنَّ المجلس الانتقالي حملة شرسة ضد حكومة “هادي” في عدن بمساعدة غارات جوية إماراتية استهدفت القوات الموالية لهادي والمدعومة من السعودية، وفي غضون ثلاثة أيام من الهجوم الحوثي، وتحديدا في الخامس من أغسطس/آب، كان المجلس الانتقالي قد نجح في السيطرة على عدن تاركا إدارة “هادي” دون تأثير يُذكر في المدينة الأكثر أهمية في الجنوب، وانطلاقا من عدن، وسّع المجلس الانتقالي عملياته العسكرية ضد القوات الموالية للحكومة في محافظة أبين المجاورة، مسقط رأس “هادي”، وغيرها من محافظات الجنوب، لتستمر معارك الكر والفر بين الفريقين على مدار ثلاثة أشهر، بينما تدور في الخلفية مفاوضات معقّدة بين الفصيلين المتحاربين ورُعاتهما في الإمارات والسعودية تكلّلت نهاية أكتوبر/تشرين الأول المنصرم بالتوصل لاتفاق في جدة لإنهاء الصراع مؤقتا بين الفريقين، وهو اتفاق تم توقيعه بالرياض في الخامس من نوفمبر الحالي.

بموجب الاتفاق السعودي سيتم منح الجنوبيين تمثيلا أكبر في حكومة يمنية جديدة يتم تعيين نصف وزرائها من الشمال والنصف الآخر من الجنوب، مع دمج ميليشيات المجلس الانتقالي وقوات الحزم الأمني بشكل كامل في الحكومة، على أن يعود الرئيس هادي ورئيس وزرائه معين عبد الملك من الرياض لممارسة السلطة في ومن عدن خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

ورغم إبرام الاتفاق بين الفريقين رسميًا وتجميد الصراع بينهما مؤقتا، فإنه لا تزال هناك العديد من الألغام المنتظر أن تتفجر خلال الفترة القادمة.

فمن ناحية، فإن نجاح الاتفاقية سيتوقف على المناصب التي سيحصل عليها قادة المجلس الانتقالي (يطالب المجلس بالحصول على حقيبة الداخلية لكن هادي لا يزال يرفض ذلك)، والمخصصات المالية التي ستحدد للمجلس من قِبل الحكومة، وذلك من بين العديد من العوامل الأخرى، ومن ناحية أخرى، ليس هناك ما يضمن أن السيناريو الحالي يمكن ألّا يُغري المجلس الانتقالي بتجديد الصراع مستقبلا لتقويض حكومة هادي وانتزاع تنازلات جديدة ودفع أجندته الانفصالية خطوات أخرى، وهو ما يعني أن جلّ ما فعله الاتفاق الأخير هو توفير حل قصير الأمد لمشكلة مزمنة، وأنه ليس هناك ما يضمن أن ينفجر الصراع التاريخي في الجنوب مجددا في وقت أقرب ربما مما يظن الجميع، وبشكل أعنف مما يظنون أيضا.

أحجية الشمال والجنوب

على مدار التاريخ، كانت هناك القليل من الأوقات التي توحّد فيها اليمن تحت سلطة حاكم أو نظام واحد، حيث حالت طوبوغرافيا البلاد الجبلية وصحاريها وتقاليدها الثقافية دوما دون بناء مركزية قوية سواء في الشمال أو الجنوب، وظلّت سلطة الدولة دائما محدودة في حين تم توزيع مراكز القوى بين الكُتل القبلية المؤثرة، وكانت هذه الفوضى السياسية ربما هي العامل المشترك الأكبر بين شمال اليمن وجنوبه اللذين احتفظا بالعديد من الاختلافات السياسية والاجتماعية والثقافية، ناهيك بكون كلٍّ منهما سلك مسارا تاريخيا مختلفا تماما عن الآخر.

ففي الشمال والشمال الغربي، كانت الهيمنة تقليديا من نصيب اتحادين قبليين رئيسين هما “حاشد” و”بكيل” اللذان ضمّا مزيجا من العشائر السنية والزيدية الشيعية، وخلال الجزء الأكبر من تاريخه ظلّ شمال اليمن محكوما بواسطة الإمامة الزيدية بالتعاون مع القبائل القوية في الشمال، قبل أن تؤدي الحرب الأهلية في شمال اليمن (1962-1970) في نهاية المطاف إلى انهيار الإمام وانتصار القوى الجمهورية، مما أدّى إلى تهميش أعضاء النخب الزيدية الذين أسسوا في نهاية المطاف الحركة الحوثية التي كرّست نفسها خلال سنواتها الأولى لحماية معتقدات وتقاليد الزيديين.

على الجانب الآخر، كان تاريخ اليمن الجنوبي مختلفا إلى حدٍّ كبير، ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى سواحله الطويلة وامتلاكه لميناء عدن القديم والإستراتيجي الذي جعله مطمعا للقوى الأجنبية وفي مقدمتها بريطانيا التي قدمت إلى عدن عام 1839، وأنشأت مستعمرة للتاج البريطاني في الميناء بعد ذلك بقرن تقريبا عام 1937، ولكنّ البريطانيين، وخلال معظم فترة وجودهم في جنوب اليمن، اتبعوا سياسة براغماتية عمدت لتقليل المشاركة في الصراعات وإقامة علاقات جيدة مع حكام سلطنات جنوب اليمن المختلفة التي تمتعت بالحكم الذاتي، بداية من لحج بالقرب من عدن، وصولا إلى حضرموت في الشرق.

لكن هذه السياسة تغيّرت بشكل ملحوظ خلال العقدين التاليين مع تنامي الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية لميناء عدن، والتي أغرت على ما يبدو حاكم شمال اليمن، الإمام يحيى، بالتوسع نحو الجنوب، وداعبت في الوقت نفسه أحلام البريطانيين لتوسيع سلطتهم عبر السيطرة على المناطق الواقعة إلى الشرق والغرب من عدن، لتتشكّل بذلك المحميات البريطانية الشرقية والغربية مع تكثيف الإمبراطورية البريطانية لجهودها في استقطاب شيوخ القبائل والسلاطين إلى دائرة نفوذها باستخدام معاهدات الحماية والإعانات المالية.

بحلول عام 1963، سعت بريطانيا لإقامة هياكل دولة أكثر رسمية في جنوب اليمن عبر إنشاء ما يُعرف بـ “اتحاد جنوب الجزيرة العربية”، وهو هيكل سياسي كان من المقرر أن يجمع مشيخات وسلطنات الجنوب في شكل من أشكال الاتحاد السياسي، غير أن نفوذ بريطانيا كان قد بدأ يؤجّج تيارا قوميا متصاعدا في الجنوب تلقّى دعما رمزيا من قِبل الزعيم القومي المصري جمال عبد الناصر، تيارا سرعان ما تطور لانتفاضة ومقاومة مسلحة ضد الاستعمار البريطاني استمرت حتى عام 1967 حين قرر البريطانيون المغادرة تاركين المجال لتأسيس أول دولة موحّدة لليمنيين الجنوبيين.

سيطرت الجبهة الوطنية الماركسية التي قادت المقاومة ضد البريطانيين على الدولة الجديدة بعد أن همّشت جبهة التحرير شريكها في الثورة، وعزّزت الجبهة بقيادة الرئيس “سالم ربيع” سريعا قبضتها على السلطة، وقامت بتغيير اسم البلاد إلى “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، وأقام قادة البلاد الجدد علاقات مع الدول الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي وكوبا والصين وألمانيا الشرقية، ودشّنوا برامج “إصلاح” هدفت إلى إعادة تشكيل البلاد وفق أسس اشتراكية لينينية عبر استبدال القبلية والإسلام لصالح الولاء للدولة وأيديولوجيا الحزب الاشتراكي، وفي الوقت نفسه شرعوا في تأسيس مؤسسات بيروقراطية مركزية استبدلت سلطة القبائل والشيوخ، وتم تأسيس المدارس المختلطة وسُمح للنساء بالمشاركة في الحكومة.

بالتزامن مع ذلك، قامت الدولة الجديدة باقتلاع الأمراء الأثرياء والسلاطين والشيوخ الذين ازدهروا في ظل الحكم البريطاني واستولت على أراضيهم، وأجبرت الكثيرين منهم على الانتقال إلى دول الخليج حيث أسسوا عائلات ثرية ومؤثرة، في الوقت الذي نجحت فيه في التغلب على محاولات الانفصال المبكرة خاصة من حضرموت التي كانت -ولا تزال- ترى نفسها مختلفة عن بقية الجنوب.

ومع استتباب الوضع الداخلي في الدولة الوليدة، انخرط القادة الاشتراكيون للبلاد في دعم الحركات الثورية الإقليمية وعلى رأسها الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج والتي لعبت دورا في تمرد ظفار العماني، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كما دعم اليمن الجنوبي الجماعات اليسارية العاملة في شمال اليمن، فيما دعم شمال اليمن بدوره حركات التمرد ضد القيادة الماركسية في الجنوب ما تسبّب في اندلاع حروب حدودية بين البلدين عامي 1972 و1979.

لكن الأداء الخارجي النشط للاشتراكيين الجنوبيين في اليمن لم يحمهم من نيل نصيبهم الخاص من الخلافات الداخلية، فعلى الرغم من أن الدولة الجنوبية قدّمت نفسها بشكل خاص بوصفها تمردا ضد الاستعمار والحكم القبلي، فإنها قامت ببناء قوتها على التحالفات القبلية ذاتها المتوارثة من إمارات وسلطنات جنوب الجزيرة العربية، وهيمنت المحاصصة والمحسوبية على هياكلها الأمنية والسياسية ما تسبّب في اندلاع العديد من الخلافات الداخلية بين الجنوبيين تطوّرت إلى حرب أهلية جنوبية عام 1986 انتهت بفرار العديد من الجنوبيين إلى الشمال.

تسبّبت الحرب الأهلية في تردي الوضع الاقتصادي في اليمن الجنوبي، وزادت الأمور سوءا مع سقوط الاتحاد السوفيتي الذي كان المصدر الرئيس للمساعدات الخارجية للدولة الجديدة، ما جعل اقتصاد البلاد الضعيف بالفعل عُرضة للانهيار، وللمفارقة فإن التدهور الاقتصادي السريع للجنوب عزّز من اعتقاد حكومتي الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب بإمكانية إبرام وحدة ناجحة، وهو ما حدث بالفعل حيث وقّع البلدان اتفاقا رسميا للوحدة بينهما عام 1990.

بموجب اتفاق تقاسم السلطة بين الشطرين، تولّى “علي عبد الله صالح” رئيس اليمن الشمالي رئاسة الدولة الجديدة، فيما تولّى “علي سالم البيض”، رئيس جنوب اليمن السابق، منصب نائب الرئيس، لكن الخلافات سرعان ما دبّت بين الفريقين مع اقتراب موعد أول انتخابات برلمانية بعد الوحدة عام 1993 بفعل حملة اغتيال منظمة نفّذها صالح وجهازه العسكري ضد السياسيين الجنوبيين، وهو ما أثّر على أداء الكتلة الجنوبية التي حصلت على 69 مقعدا فقط من إجمالي 301 مقعد برلماني، وهو ما عنى تقليص سلطة الزعماء الجنوبيين في الدولة الموحّدة، وما دفعهم في النهاية لترك العاصمة صنعاء والعودة إلى عدن رافضين المشاركة في الحكومة الجديدة.

تبادل الحزبان الاتهامات حول المسؤولية عن تقويض الوحدة والإخلال باتفاق تقاسم السلطة، ومهّد انهيار المحادثات بينهما المسرح لنشوب الحرب الأهلية التي اندلعت حين قامت قوات صالح بقصف مطار عدن في 4 مايو/أيار عام 1994، لترد القوات الجنوبية بقصف مطار صنعاء في الشهر نفسه، قبل أن يُعلن الجنوبيون من جانب واحد الاستقلال عن اليمن الموحّد لتندفع القوات الشمالية نحو الجنوب وتسيطر في النهاية على عدن، في حين اضطر الزعماء الجنوبيون للفرار بالقوارب إلى عمان المجاورة.

من الناحية النظرية، انتهت الحرب الأهلية خلال أشهرها الأولى بانتصار الشمال، ونتيجة لذلك فإن الجنوب دفع الفاتورة الكاملة للحرب، فكان هو الأكثر تضرّرا بشكل مباشر من الحرب بحكم وقوع معظم القتال في المناطق الجنوبية، وبخلاف ذلك فقد الجنوب مع انتهاء الحرب كل نفوذه السياسي، مما سمح لحزب المؤتمر الشعبي الحاكم وحليفه حزب الإصلاح بالتراجع عن ترتيبات تقاسم السلطة التي تم سنّها عند الوحدة، حيث قامت الحكومة الجديدة بنسف مواد الدستور الأساسية وتعديله لتضيف 29 مادة جديدة عزّزت مراكز السلطة في أيدي الشماليين، وسمحت للرئيس منفردا بتعيين رئيس الوزراء وشغل منصب رئيس المجلس الأعلى للقضاء.

بخلاف ذلك، قام الشماليون بالاستيلاء على الكثير من أراضي الجنوبيين بشكل غير قانوني بعد الحرب، وتمت إحالة الجنوبيين إلى التقاعد القسري في العديد من الوظائف المدنية والمواقع العسكرية، وحُجبت المعاشات التقاعدية لضباط الجيش الجنوبيين، وتم استخدام عائدات النفط الجنوبية لتمويل شبكات المحسوبية النظامية في الشمال وشراء الولاءات السياسية، فيما تم حرمان الجنوبيين منها، وقام “صالح” بتعيين حكام عسكريين موالين في المقاطعات الجنوبية وفرض رقابة على الصحف وأغلق العديد منها، ما عزّز شعور الجنوبيين أن الشمال يفرض ما يشبه الاحتلال العسكري على الجنوب بلا أي بديل آخر.

ومع تنامي هذه المظالم عاما تلو عام، كانت جذور التمرد تختمر في الجنوب في انتظار اللحظة المواتية للانفجار، وفي مطلع عام 2000 شرع الضباط العسكريون والبيروقراطيون المتقاعدون في جنوب اليمن في تنظيم حركة مقاومة سلمية هدفت لتصحيح المظالم الناجمة عن الحرب الأهلية، وتكلّل الأمر عام 2007 مع الإعلان عن تأسيس جمعية المتقاعدين العسكريين والأمنيين بقيادة العميد “ناصر النوبة” المنحدر من محافظة شبوة جنوبي البلاد، وكان أغلب أعضاء الجمعية من الضباط والبيروقراطيين الذين تعرّضوا للإقصاء خلال حقبة الحرب الأهلية والمرحلة التي أعقبتها.

ألهمت جمعية العسكريين العديد من التنظيمات المماثلة التي هدفت جميعها للدفاع عن حقوق الجنوبيين، وبحلول منتصف عام 2008 انخرطت هذه الكيانات جميعا ضمن ما صار يُعرف باسم الحركة الجنوبية أو “الحراك”، وهي حركة شعبية تألّفت من منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والعديد من الأكاديميين والسياسيين المؤمنين بالكفاح السلمي لإعادة الحقوق المسلوبة للجنوبيين.

شيئا فشيئا، ومع اكتساب الحركة الجنوبية زخما جماهيريا ملحوظا، تحوّل جدول أعمالها واكتسب أبعادا سياسية، وتطوّرت مطالبها من المساواة واستعادة الحقوق إلى المناداة بانفصال الجنوب مع تأسيس “ناصر النوبة” لما صار يُعرف باسم “الهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب”، قبل أن يلحق به القيادي الجنوبي “حسن باعوم” والذي يصفه العديد من أنصار الحراك بأنه “قائد الثورة الجنوبية”، مؤسسا “المجلس الأعلى للحراك السلمي لتحرير الجنوب”، وساعيا لتأمين الدعم الدولي لقضية الاستقلال من قِبل القوى الإقليمية بما في ذلك دول الخليج وحتى إيران.

وفي عام 2009، وبعد اجتماعات متعددة لتقريب وجهات النظر بين الفصائل المختلفة في الحراك الجنوبي ومكوناته، جرى الاتفاق على تشكيل “مجلس قيادة الثورة السلمية” بقيادة حسن باعوم، ثم “المجلس الأعلى للثورة السلمية لتحرير واستقلال الجنوب” الذي تأسس بدعم من القيادي الجنوبي البارز “على سالم البيض”، نائب الرئيس الأسبق، والرئيس الأخير لجمهورية جنوب اليمن السابقة والمقيم في المنفى.

وخلال عامي 2009 و2010، تكثّفت الاحتجاجات والاعتصامات التي نظّمها الحراك في المدن الجنوبية، ونجحت الحركة في إخراج آلاف اليمنيين إلى الشوارع للدعوة للمساواة واستعادة حقوق الجنوبيين، احتجاجات واجهتها حكومة علي صالح بالكثير من القمع والسياسات العدوانية التي أوقعت العديد من الضحايا بين الجنوبيين، وعزّزت إحساسهم بالعزلة وعمّقت رغبتهم في الانفصال.

ومع اندلاع المظاهرات المناهضة لنظام صالح في فبراير/شباط عام 2011 تزامنا مع الربيع العربي، كثّفت الحركة الجنوبية جهودها ولعبت دورا في تنظيم الاحتجاجات والإضرابات عبر الجنوب، وبدا للوهلة الأولى أن الانتفاضة غيّرت جدول أعمال الحراك الانفصالي إلى تبني حكومة وحدة وطنية في ظل هيمنة الروح الوحدوية على الربيع العربي فرع اليمن، وتضامن قيادات الجنوب البارزين مع المتظاهرين المناهضين لنظام صالح في صنعاء.

ولكن الربيع سرعان ما أثار اقتتالا داخليا بين المكوّنات السابقة لنظام صالح، خصوصا مع تحوّل حزب الإصلاح الإسلامي والقيادي العسكري والقبلي البارز علي محسن الأحمر من حلفاء صالح لخصومه، وهو ما اضطر دول الخليج الرئيسة للتدخل في النهاية لإجبار صالح على التنحي ونقل السلطة إلى نائبه “هادي” الذي تمت إقرار رئاسته في انتخابات ذات مرشح واحد عام 2012.

ومع كون “هادي” جنوبي الأصل، كانت هناك آمال مرتفعة حول إمكانية علاج المظالم الكامنة للجنوب ودمج الجنوبيين مرة أخرى في الدولة اليمنية الموحّدة خلال فترة الانتقال السياسي بين عامي 2012 و2014 عبر تشكيل لجان لدراسة المظالم الجنوبية، وتعويضهم عن فقدان الأراضي والتقاعد القسري، لكن لخيبة أمل الجنوبيين فإن أيًّا من ذلك لم يحدث، والأكثر من ذلك أن هادي قام بتعيين ممثلين مختارين لتمثيل الجنوب خلال مؤتمر الحوار الوطني، وكان معظمهم منفصلين إلى حدٍّ كبير عن الداعمين الرئيسيين للحراك الجنوبي.

مع تقدّم الوقت خلال المرحلة الانتقالية، كان من الواضح أن معظم قيادات الحراك الجنوبي قد فقدوا الأمل في الوصول إلى حلٍّ سياسي يُلبّي تطلعاتهم، وفي الوقت نفسه، بدا أن الشباب الجنوبي بدأ يضيق ذرعا (ثلثا سكان اليمن وُلدوا بعد اتفاق الوحدة عام 1990) بقيادات حركة الاستقلال القديمة، ومعظمهم من قيادات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة المقيمين في المنفى، وقد أدّى ذلك إلى ظهور مجموعات جديدة اعتمدت خطابا متشدّدا على نحو متزايد، وفي حين أن الحراك ظل حتى ذلك التوقيت ملتزما بالأساليب السلمية، بدأت بعض الجماعات الجديدة في الدعوة لتبني موقف أكثر عنفا ضد الدولة منذ مطلع 2012، حيث نُسب لهذه الجماعات بعض عمليات استهداف نقاط التفتيش الأمنية والمباني الحكومية في أبين وعدن، وبحلول 2013 كان هذا الاتجاه قد صار أكثر وضوحا مع زيادة نفوذ المتشددين في الحراك الذين قرروا تحدي سلطة الدولة في الجنوب باستخدام تكتيكات غير مسبوقة.

كان هذا الاتجاه واضحا بشكل أساسي في محافظات الضالع ولحج وعدن، وبشكل أقل في أبين وشبوة، حيث كانت الاشتباكات بين فصائل المقاومة وقوات الأمن تحدث بشكل أسبوعي تقريبا، واستخدم خلالها المقاتلون الجنوبيون العبوات الناسفة والمتفجرات والألغام الأرضية لاستهداف وحدات الجيش وقوات الأمن، وقد ساهم السلوك العنيف لبعض ألوية الجيش في الجنوب وخاصة في الضالع في زيادة “تطرّف” شرائح كبيرة بالحراك الجنوبي، وتغذية نمو الحركات الانفصالية المسلحة التي أطلقت على نفسها “المقاومة الجنوبية” وأصبحت خلال وقت قصير الجهة الأعلى صوتا والأكثر نفوذا في الجنوب، وحصلت على دعم بعض كبار القادة الجنوبيين الرئيسين وفي مقدمتهم “علي سالم البيض”.

لكنّ الجنوبيين لم يكونوا جميعا راضين فيما يبدو عن التوجّه الجديد للحراك الجنوبي، حيث ظل بعض القادة أكثر انفتاحا على فكرة الحوار مع الشمال، وفي مقدمتهم القادة الجنوبيون السابقون الذين هُزِموا خلال الحرب الأهلية عام 1986 واضطروا إلى الفرار إلى الشمال أو إلى المنفى، قبل أن يعود بعضهم مجددا في أعقاب انتفاضة عام 2011، مثل “علي محمد علي أحمد” الحاكم السابق لمحافظة أبين، وأحد الحلفاء المقربين من الرئيس “هادي”.

كانت الخلافات بين الفصيلين الجنوبيين أكبر بكثير من مجرد كونها خلافات إستراتيجية حول الطريق الذي ينبغي لجنوب اليمن أن يسلكه، خلافات ترقى لكونها عداوات تاريخية تعود جذورها إلى صراعات القوة والنفوذ في اليمن الجنوبي قبل الوحدة، خلافات اندلعت بشكل واضح في أعقاب إعدام رئيس البلاد القوي الذي حكم لمدة عقد من الزمان “سالم ربيع علي”، الشهير بـ “سالمين”، عام 1978 بعد اتهامه بالتورّط في عملية اغتيال رئيس اليمن الشمالي “أحمد الغشمي”، ليحل محله “عبد الفتاح إسماعيل”، صاحب الأصول الشمالية المنحدر من تعز.

في وقت لاحق، تحديدا في أبريل/نيسان 1980، تم إبعاد “إسماعيل” عن مقعد الرئاسة لصالح رئيس الوزراء “علي ناصر محمد”، وهو جنوبي ينحدر من محافظة أبين، ويستمد دعمه الرئيس من مراكز القوى في أبين وشبوة، غير أن كبار الضباط في الجيش، المنحدرين بشكل أساسي من محافظتي الضالع ولحج، لم يكونوا راضين عن تركيز السلطة في يد “ناصر”، لذا فإنهم ضغطوا لإبعاده عن منصب رئيس الوزراء مع احتفاظه بالرئاسة، وفي فبراير/شباط عام 1985 تم تعيين “حيدر أبو بكر العطاس”، وهو تقني حضرمي، في منصب رئيس الوزراء.

على مدار الأشهر التالية، احتدم الصراع المكتوم بين “علي ناصر” ومؤيديه في شبوة وأبين وبين خصومه في لحج والضالع وحضرموت، وفي يناير/كانون الثاني عام 1986 قام الحرس الشخصي للرئيس “علي ناصر” بمحاولة اغتيال جماعية لخصومه السياسيين عبر فتح النار على اجتماع للمكتب السياسي للحزب الاشتراكي وفي مقدمتهم الرئيس السابق “عبد الفتاح إسماعيل”؛ مما أدّى إلى اندلاع حرب أهلية قصيرة ووحشية راح ضحيتها 100 ألف شخص وفاز بها محور “الضالع – لحج – حضرموت” على حساب محور “أبين – شبوة”، ما اضطر “ناصر” في النهاية للفرار إلى الشمال بصحبة 30 ألفا من أنصاره من بينهم “علي محمد علي” حاكم أبين آنذاك، و”هادي” الرئيس الحالي لليمن.

تاريخيا، عُرفت مجموعة “علي ناصر” التي فرّت إلى الشمال باسم “الزمرة”، بينما عُرفت المجموعة الفائزة باسم “الطغمة”. وفي أعقاب نهاية الحرب، كافحت حكومة اليمن التي يسيطر عليها الطغمة للسيطرة على مناطق خصومهم في شبوة وأبين، وظلوا يتمتعون بنفوذ محدود في هذه المناطق حتى قيام الوحدة بين الشمال والجنوب عام 1990، وظل الخلاف بين الفريقين مهيمنا على السياسة اليمنية حتى خلال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب عام 1994، حيث حاربت الزمرة إلى جانب صالح ضد حكام الجنوب من الطغمة، بينما تمت مكافأة “عبد ربه منصور هادي” على جهوده في الحرب بتعيينه وزيرا للدفاع في اليمن الموحّد، ثم نائبا للرئيس.

بخلاف ذلك، وطوال زمن حكم صالح وهادي، تعاملت الدولة اليمنية مع فصيل الضالع من الحركة الجنوبية على وجه التحديد بوصفه تهديدا أمنيا منذ جولات القتال المحتدمة التي شهدتها المحافظة خلال الحرب الأهلية، ولاحقا إثر اتهام صالح للحركة الجنوبية في الضالع بتدبير هجوم على ملعب رياضي في عدن خلال عام 2010 ما تسبّب في نشوب قتال بين الميليشيات في المحافظة والوحدات العسكرية المحلية، واستمر الأمر خلال عامي 2013 و2014 حيث شهدت الضالع أهم المواجهات بين القوات الحكومية وميليشيات المقاومة الجنوبية، وظلّت الميليشيات في الضالع ولحج هي الأعلى صوتا في الدوائر الانفصالية، وكانت هي مَن وضعت البذور الأولى للمقاومة الجنوبية وألهمت تحركات مماثلة في عدن والمحافظات الأخرى، وكانت هذه الميليشيات هي التي تولّت زمام المبادرة في القضية الجنوبية خلال المرحلة التالية التي بدأت مع استيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014 والحرب الأهلية اليمنية التي حفّزت التدخل السعودي الإماراتي.

لكنّ الأمور تغيّرت مطلع عام 2015 مع فرار هادي وحكومته إلى عدن وسعيهم لإقامة عاصمة بديلة في البلد الجنوبي، وهو ما دفع الحوثيين للاندفاع ومحاصرة هادي الذي غادر عدن في مارس/آذار من العام المذكور إلى المنفى في الرياض، لتُطلق السعودية والإمارات إثر ذلك تدخلهما العسكري في اليمن، ومع سعي الرياض لجذب الميليشيات الجنوبية لممارسة جهدها العسكري المناهض للحوثيين، وجد الجنوبيون أنفسهم وجها لوجه في مواجهة مقاتلي الحوثي للمرة الأولى.

ومع تقدّم الحوثيين نحو الجنوب، أثبتت مجموعات الضالع أنها من أفضل المجموعات القتالية تنظيما وفاعلية في اليمن الجنوبي، ونجحت مبكرا في استرداد الكثير من الأراضي من تحالف الحوثي مع الموالين للرئيس الراحل “صالح”، وعلى عكس المجموعات الجنوبية الأخرى فإنها فعلت ذلك إلى حدٍّ كبير دون مساعدة من الإمارات -التي كانت تقود عمليات التحالف على الأرض-، ما أكسبها الاحترام من الكثير من الجنوبيين والتقدير من قِبل أبوظبي نفسها.

في هذه الأجواء، بزغ نجم “عيدروس الزبيدي” بوصفه الزعيم الأبرز في المقاومة الجنوبية بفضل جهوده في انتزاع الأراضي في منطقة الضالع من قبضة الحوثيين، ومع انحداره من قرية زبيد في جنوب الضالع.

نشأ الزبيدي في بيئة اجتماعية وسياسية قومية جنوبية وثورية بامتياز، وكانت قبيلته من أبرز المدافعين عن استقلال جنوب اليمن في الستينيات، كما قاومت تاريخيا جميع جهود الاندماج مع الشمال في أواخر الثمانينيات، ومع كونه ضابطا سابقا في القوات المسلحة لجمهورية اليمن الجنوبية قبل الوحدة، وزعيما لميليشيا مسلحة عارضت حكومة صالح طوال التسعينيات، وقائدا ميدانيا في صفوف الجنوب خلال الحرب الأهلية، ومحكوما سابقا بالإعدام من قِبل نظام صالح، كان لدى الزبيدي جميع أوراق الاعتماد اللازمة ليصبح البطل الجديد للقضية الجنوبية.

ورغم نشاطها الملحوظ وأدائها المُرضي نسبيا في ذلك التوقيت على جبهة مناهضة الحوثيين، لم تكن الميليشيات الانفصالية الجنوبية والميليشيات القبلية المتحالفة معها منظمة تنظيما جيدا أو متماسكة، وكانت تفتقر كذلك للتدريب والتجهيز العسكري اللازم لمواصلة المعارك.

ولكن مع انقسام الولاءات داخل الجيش اليمني بين مؤيدي الرئيس هادي ومناصري الرئيس الراحل “صالح” والموالين للجنرال النافذ المنتسب للإصلاح “علي محسن الأحمر”، كان الرهان على الميليشيات الجنوبية خيارا حتميا للتحالف السعودي الإماراتي لإيجاد قوة مقاتلة على الأرض يمكن الاعتماد عليها في المعارك ضد الحوثيين في الجنوب.

ونتيجة لذلك، تلقّفت الإمارات على وجه الخصوص “الزبيدي” وغيره من قادة الميليشيات ذات النزعة الانفصالية وقدّمت الدعم لهم، ما أكسبهم نفوذا سياسيا قويا، خاصة مع قرار هادي تعيين “الزبيدي” محافظا لعدن في ديسمبر/كانون الأول لعام 2015 أعقاب اغتيال سلفه اللواء “علي جعفر محمد” في هجوم نفّذه “تنظيم الدولة الإسلامية” المعروف بـ “داعش”، وخلال الأشهر الستة الأولى من ولايته، يُعتقد أن “الزبيدي” نجا على الأقل من 4 محاولات لاغتياله، سواء من تنظيمي الدولة والقاعدة أو حتى الميليشيات القبلية المنافسة التي كانت أيضا جزءا من التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات.

كحاكم لمحافظة عدن، ركّز “الزبيدي” اهتمامه على العمل مع التحالف، لا سيما مع الإمارات، لتحسين الأمن في عدن وما حولها، وسعى لدمج ميليشيات المقاومة الجنوبية بقوة في البنية الأمنية للمدينة، ما زوّده بنفوذ كبير على أجهزتها الأمنية.

وفي المقابل أضفت المساعدات الإماراتية للفصائل الجنوبية منذ عام 2016 الطابع المؤسسي على المقاومة هناك، وساعدت في تشكيل “قوات الحزام الأمني” العاملة في عدن والمحافظات المحيطة، إضافة إلى قوات النخبة الشبوانية في محافظة شبوة والنخبة الحضرمية في حضرموت، وألوية العمالقة وغيرها من القوات التي يُقدَّر أعداد أفرادها بعشرات الآلاف، والتي اضطلعت بالمهام الشرطية والأمنية في المنطقة ولعبت دورا في طرد تنظيم القاعدة من جنوب اليمن في 2016، بعد أن كان التنظيم قد أسّس معاقل له في البلدات والمناطق الريفية خلال الأشهر الأولى لاندلاع الحرب.

ولكن علاقة الفصائل الجنوبية مع الإمارات سرعان ما تحوّلت إلى قضية إشكالية، خاصة بعد أن بدأت الدولة الخليجية في إظهار نيّاتها الاستعمارية في جنوب اليمن ومنطقة البحر الأحمر الأوسع، وبعد أن أصبح من الواضح أن أجندة التحالف بين الإمارات والجنوبيين تتجاوز التعاون في محاربة الحوثيين وتنظيم القاعدة وتأمين المناطق الجنوبية إلى دعم أجندة انفصال الجنوب، وهو ما أدّى إلى نشوب خلافات بينها وبين حكومة هادي الذي اتهم أبوظبي بالتصرف كـ “سلطة احتلال” في جنوب اليمن.

لكن مكافحة الحوثي واستعادة الأراضي، خاصة العاصمة صنعاء، كانت لا تزال الهدف المهيمن على جدول أعمال المملكة العربية السعودية وحكومة هادي، وهو ما دفعهما لغض الطرف عن تحرّكات الإمارات والانفصاليين في الجنوب، لكن هادي والرياض أدركا بسرعة أنهما غير مهيأين لمواجهة الحوثيين دون مزيد من الدعم العسكري والسياسي والقبلي، وكانت هذه هي المساحة التي تم من خلالها استدعاء الجنرال الزئبقي “علي محسن الأحمر” من جديد.

كان “محسن الأحمر” هو القائد السابق للمنطقة العسكرية الشمالية الغربية والفرقة الأولى المدرعة، وبزغ نجمه السياسي بفعل دوره البارز في سحق التمرد الجنوبي إبان الحرب الأهلية، إضافة إلى قيادته لحروب صالح الست ضد الحوثيين، وينتمي “الأحمر” إلى اتحاد قبائل حاشد القوي، ويرتبط ارتباطا وثيقا بحزب الإصلاح الإسلامي، ولديه علاقات تاريخية مع المملكة العربية السعودية. وفي مقابل دخول “الأحمر” إلى المعركة كان على السعودية و”هادي” قبول تعيينه قائدا أعلى للجيش ثم نائبا للرئيس.

لكن مشكلة “علي محسن” الرئيسة أنه كان إحدى الشخصيات القليلة جدا التي يتفق الجنوبيون والإماراتيون على رفضها، وبالنسبة إلى الانفصاليين الجنوبيين، يُعَدُّ “علي محسن” أحد الأوجه التي تُذكّرهم دوما ببطش الشمال إبان الحرب الأهلية على الأخص بسبب دوره السابق في اغتيال القادة الجنوبيين، ناهيك بارتباطه بحزب الإصلاح، فرع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، الذي يمتلك خلافات تاريخية مع الجماعات الانفصالية الجنوبية، أما بالنسبة لأبوظبي، كان هذا السبب الأخير وحده كافيا لرفض “الأحمر” والإصلاح في ضوء موقف الإمارات المتشدّد ضد جماعة الإخوان المسلمين وجميع الأفرع الإقليمية الممثلة لها.

تسبّب تعيين “الأحمر”، وما تبعه من دخول الإصلاح بشكل قوي إلى دائرة المعارك المناهضة للحوثيين، تسبّب في زيادة الصدع بين حكومة هادي والرياض من ناحية وبين أبوظبي والانفصاليين الجنوبيين من ناحية الأخرى، ومع تسارع الدعم الإماراتي لأجندة الانفصاليين في الجنوب، سعى هادي في أبريل/نيسان 2017 لتأكيد سلطته في المناطق الجنوبية من خلال إقالة قادة الحركة الانفصالية المرتبطين بالإمارات من مناصبهم الرسمية وفي مقدمتهم حاكم عدن “عيدروس الزبيدي” نفسه، والقيادي السلفي الانفصالي “هاني بن بريك” صاحب الدور الأبرز في تشكيل قوات الحزام الأمني، ومَن كان يشغل بدوره منصب وزير دولة في مجلس الوزراء اليمني.

ردا على ذلك، قام “الزبيدي” و”هاني بن بريك” وغيرهما من القيادات الجنوبية، وبدعم واضح من الإمارات، بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو/أيار من العام نفسه، وهو مجلس يتكوّن من 26 عضوا من أبرز القادة الانفصاليين في الجنوب ليعمل كحكومة ظل أو كحكومة أمر واقع للجنوب في تحدٍّ واضح لسلطة هادي وللرياض.

وقد استقطب المجلس منذ تأسيسه العديد من أبرز حكام الجنوب وهم حكام الضالع وحضرموت ولحج وشبوة، ما دفع “هادي” لإقالتهم جميعا في وقت لاحق، ورغم أن تشكيل المجلس نال توبيخا علنيا من قِبل السعودية ومجلس التعاون الخليجي الذي ندّد بالمجلس الانفصالي في بيان علني، فإنه كان يُنظر إلى التوبيخ السعودي على أنه انتقاد ضمني لأجندة الإمارات الغامضة تجاه الحركة الانفصالية في جنوب اليمن.

لكن التوبيخ السعودي لم يفعل شيئا يُذكر لإيقاف الزحف الانفصالي المدعوم إماراتيا، وعلى الرغم من أن المجلس الانتقالي لم يُمثّل جميع تيارات المعارضة في الجنوب، فإنه سرعان ما عزّز سلطته بفضل الدعم الإماراتي ليصبح أكثر الجماعات الانفصالية تنظيما وتسليحا ونفوذا منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1994.

وحافظ المجلس وقوات الحزام الأمني على السيطرة الفعلية على عدن، كما حصل على دعم قوي في الضالع ولحج، وهي المحافظات التي تحوي مراكز القوى التقليدية للطغمة الانفصاليين وينحدر منها معظم قيادات المجلس الانتقالي السياسيين والعسكريين، وحتى خارج هذه المحافظات، حصّل المجلس دعما كبيرا في محافظات شبوة وأبين وحضرموت حيث تقاسمت الفصائل الانفصالية وقوات النخبة السيطرة الأمنية على هذه المحافظات جنبا إلى جنب مع الموالين لهادي، رغم أن المجلس يواجه تحديات كبيرة لبسط سلطته على هذه المحافظات من قِبل أنصار هادي والإصلاح من الزمرة والوحدويين وحتى بعض الشخصيات السابقة من الحراك التي لا تزال موالية لـ “هادي”.

وفي مواجهة هذه المعارضة، اتخذ المجلس الانتقالي خطوات عديدة لترسيخ نفسه كسلطة ذات سيادة في عدن وجنوب البلاد، حيث أعلن الزبيدي أن على الجنوبيين أن يبدأوا في اتخاذ خطوات نحو تقرير مصيرهم، وفي السادس من مايو/أيار للعام الحالي 2019 هبطت القوات الانفصالية في جزيرة “سقطرى” اليمنية الإستراتيجية المطلة على بحر العرب بعد عام تقريبا من دخول القوات والدبابات الإماراتية إلى الجزيرة لتُثير مواجهة مع السكّان المحليين والمؤيدين لهادي لم يتم حلها إلا بعد تدخّل السعودية.

وفي 13 من الشهر نفسه أعلن الانتقالي تدشين محطة تلفازية خاصة للجنوب بعد ثلاثة أشهر تقريبا من إنشاء محطة إذاعية مستقلة عن الحكومة المركزية في عدن، لكن ما أثار القلق بشكل خاص هو التعبئة العسكرية التي قام بها المجلس الجنوبي للسيطرة على محافظة حضرموت الكبيرة في الجنوب الشرقي، والتي تتاخم الحدود السعودية والعمانية.

وعلى الرغم من هذه الصراعات، تمكّن المجلس الانتقالي والموالون لهادي من كبح مواجهاتهم في الكثير من الأوقات والحفاظ على حالة من الاستقرار الهش تخلّلتها صدامات متعدّدة خاصة في عدن على مدار الأعوام الماضية، بيد أنه كان من الواضح أن سياسات المجلس الانتقالي التوسّعية تسحب الشرعية بسرعة من هادي وحكومته اللذين خسرا السيطرة الفعلية في الجنوب، وأن الهيمنة الإماراتية في المناطق الجنوبية حفّزت جدول أعمال المجلس الانتقالي للسيطرة على البلاد وفرض أجندة الانفصال.

اكتسب جدول الأعمال الانفصالي زخما غير مسبوق مطلع أغسطس/آب المنصرم بعد الهجوم الحوثي على العرض العسكري للمجلس الانتقالي في عدن والذي أدّى إلى مقتل “اليافعي” وعشرات آخرين كما ذكرنا، وما تبعه من تحميل المجلس الانتقالي لحكومة هادي وحزب الإصلاح المسؤولية بدعوى التواطؤ في الهجوم، والتحركات التالية للانفصاليين لإحكام سيطرتهم على عدن وتعزيز نفوذهم في سائر المحافظات الجنوبية.

لم يكن من قبيل المصادفة أن تحركات المجلس الانتقالي جاءت متزامنة على ما يبدو مع قرار الإمارات سحب قواتها من الحرب في اليمن، تاركة السيطرة على المشهد الميداني للمجلس الانتقالي، وهو تحرّك بدا كأنه ضوء أخضر إماراتي للجنوبيين لدفع جدول أعمال الانفصال، ونتيجة لذلك فإن القوات المتحالفة مع المجلس الانتقالي الجنوبي تحرّكت في أعقاب سيطرتها على عدن سعيا لإحكام قبضتها على المواقع الإستراتيجية في المحافظات الجنوبية الأخرى، حيث اقتحمت محافظة أبين وحاصرت زنجبار قبل أن تنتقل إلى مدينة عتق عاصمة محافظة شبوة الغنية بالنفط، لكن القوات الموالية لهادي تمكّنت بسرعة من استعادة الأراضي في شبوة وطاردت ميليشيات المجلس الانتقالي بالقرب من بلحاف، موقع البنية التحتية النفطي الرئيس على الساحل الجنوبي، ما دفع تلك الميليشيات مجددا للوراء باتجاه عدن.

سلّطت هذه المعارك الخاطفة الضوء على العقبات التي تعترض طريق المجلس الانتقالي لتحقيق التطلّعات طويلة الأجل لاستعادة دولة جنوب اليمن المستقلة، فمن ناحية فإن المجلس يفتقر إلى النفوذ الميداني الذي يمكّنه من ادّعاء السيطرة على الجنوب بأكمله، وهو لا يزال يواجه معارضة كبيرة من الموالين لهادي والمؤيدين لحل الوحدة الفيدرالية مع الشمال خاصة في محافظة أبين وشبوة وحضرموت التي تحوي الكثير من مراكز القوى المعارضة للانفصال.

بشكل خاص، تطوّر الحراك الجنوبي في أبين وشبوه مستقلا عن المجلس الانتقالي الجنوبي، ويَعتَبر الكثير من ناشطيه أنفسهم رافدا مباشرا للحراك الأصلي الذي تم تأسيسه عام 2007، ويعارض الكثيرون منهم الانضمام إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، أما في حضرموت فإن المشهد يبدو مختلفا إلى حدٍّ كبير، حيث تشهد المحافظة الغنية بالنفط، والتي تبلغ مساحتها 193 ألف كيلومتر مربع بما يجعلها المحافظة الأكبر في اليمن، رغبة في الحكم الذاتي بشكل مستقل، وترفض معظم قياداتها الانضواء تحت لواء المجلس الانتقالي، ومن المرجح أن ترفض الانصياع إلى سلطة جنوبية موحّدة أيضا، فيما تشهد محافظة المهرة، ثاني أكبر محافظات البلاد، مشهدا مماثلا وتسعى إلى تحقيق الحكم الذاتي بعيدا عن سلطة المجلس الانتقالي.

من ناحية أخرى، فإن علاقة المجلس الانتقالي المتنامية مع دولة الإمارات -والتي يرى الكثير من اليمنيين الجنوبيين أنها تمارس سلطة إمبريالية على أراضيهم- تُثير المزيد من الشكوك حول أجندة المجلس الانتقالي حتى بين القبائل والقوى المؤيدة لانفصال الجنوب.

ويرى الجنوبيون فيما يبدو أن دعم الإمارات لاستقلال الجنوب لا يدور حول المصالح والمظالم طويلة الأجل للجنوبيين أنفسهم بقدر ما يتعلّق برغبة أبوظبي في إقامة دولة وكيلة لها وموالية لمصالحها على شواطئ البحر الأحمر وقرب مياه جنوب اليمن.

ويمكن تفسير رغبة الإمارات في إقامة مشهد لها في جنوب اليمن بحرصها على تأمين المصالح الإستراتيجية لإمارة أبوظبي في حقول شبوة النفطية إضافة إلى محطة النفط في الشحر ومصنع تسييل الغاز في بلحاف، ناهيك بالمصالح الإستراتيجية الأخرى للإمارات في ميناء عدن على وجه الخصوص الذي يُعتَبر حجر الزاوية لإستراتيجية الإمارات للهيمنة البحرية في منطقة باب المندب والقرن الأفريقي، وأراضي الجنوب الثمينة التي يمكن أن تعمل كبوابة للإمارات لتوسيع نفوذها الاقتصادي إلى أفريقيا.

أضِف إلى ذلك المصالح الراسخة والمستقرة للإمارات في معارضة حزب الإصلاح وتقويض نفوذ الإخوان المسلمين في اليمن حتى لو جرى ذلك عبر تقسيم البلاد إلى دولتين، وهو ما يزيد من الشكوك والتكهّنات حول طبيعة الثمن الذي سيدفعه الجنوبيون في نهاية المطاف مقابل دعم الإمارات لحلمهم في الانفصال عن الشمال، ويزيد من شراسة الفصائل المعارضة للمجلس الانتقالي.

بخلاف ذلك، لا تزال أجندة الانفصال تفتقر إلى وجود ما يكفي من الداعمين الدوليين للمُضي قُدما، حيث لا تزال عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة وأولويات القوى الدولية تنصبّ بشكل رئيس حول حلّ الصراع بين هادي والحوثيين، ولم يُظهر الداعمون الرئيسيون للتحالف المناهض للحوثي، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وأوروبا والسعودية، أي علامات على تغيير هذا الموقف، وهم يرون أن المجلس الانتقالي سيلعب دورا محدودا في النهاية في ظل حكومة موحّدة، أضِف إلى ذلك أنه في ظل احتدام النزاعات الحدودية في جميع أنحاء المنطقة، فإن تقسيم اليوم سيكون عملية صعبة الترويج من وجهة النظر العالمية.

ومع إدراك المجلس الانتقالي لحساسية موقفه الدولي، شرع “الزبيدي” خلال العام الحالي في جولات مكوكية بدأها من لندن، حيث خاطب البرلمانيين البريطانيين في محاولة لكسب دعمهم، كما توجه الزبيدي إلى روسيا بعد فترة قصيرة من زيارته إلى بريطانيا بحثا عن الدعم أيضا، وفي شكل من أشكال المناورات التقليدية بين الشرق والغرب أوضحت مدى هيمنة السمات الكلاسيكية لسياسات الحرب الباردة على تفكير الجنوبيين.

في الحقيقة، كانت زيارة الزبيدي إلى روسيا على وجه الخصوص محاولة مكشوفة لمغازلة آمال دولة الجنوب القديمة المدعومة من السوفييت عبر مداعبة مصالح موسكو المتوسّعة في جنوب اليمن، سواء المصالح الاقتصادية المرتبطة بالشركات العسكرية الروسية التي توظّف العديد من المرتزقة الأجانب في الجنوب برعاية الإمارات، وصادرات موسكو المتزايدة من الحبوب إلى البلاد، وصولا إلى المصالح الإستراتيجية التي تشمل التعاون العسكري والتقني وإنتاج النفط، وليس انتهاء بأحلام روسيا التي تعود إلى العصر السوفيتي لبناء قاعدة عسكرية في جزيرة سقطرى.

ورغم ذلك، لم تفلح جهود الرئيس الانتقالي في دفع الشركاء الأجانب لتبنّي أجندة المجلس رغم عدم ثقة الكثير من الفاعلين الدوليين في حكومة هادي، لكن هذا لم يمنع التداعيات الجيوسياسية لنفوذ المجلس الانتقالي وتنامي دعوات الانفصال في اليمن من إضافة المزيد من الانقسامات داخل مجلس التعاون الخليجي، سواء لدى السعودية التي بدا من الواضح أنها ضاقت ذرعا باعتناق المجلس الانتقالي لأجندة الانفصاليين، أو لدى سلطنة عمان التي تشعر بقلق بالغ من العسكرة المتزايدة لجنوب اليمن، وبالأخص النفوذ الإماراتي في محافظة المهرة التي تعتبرها السلطنة عمقا إستراتيجيا خاصا بها وترتبط معها بروابط اقتصادية وثقافية وقبلية.

في ظل هذه الوضعية المعقدة التي تشمل مزيجا مركبا من الخلافات بين الجنوبيين أنفسهم والمعارضة الإقليمية والدولية لانقسام اليمن، يبقى جنوب اليمن المستقل حلما بعيد المنال في الوقت الراهن، ويعني ذلك أن أقصى ما يمكن للمجلس الانتقالي تحقيقه على الأرجح هو الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب في ظل حكومة يمنية موحّدة، وبناء قدرات حوكمة متطورة تؤهله للحصول على مقعد في المفاوضات الدبلوماسية حول مستقبل اليمن، ووزن أكبر في أي حكومة وطنية مُقبلة، ولا غير ذلك، لأن البديل الوحيد لذلك هو شنّ حرب أهلية جديدة لا يمكن الفوز بها في بلد منقسم بالفعل، أما أبوظبي فإن خطتها ستبقى دائما هي الاستثمار في دعم وإثارة النزعات الانفصالية من أجل منع قيام حكومة وطنية تكون كفئا يُمكنها أن تُهدّد نفوذ أبوظبي المتراكم في الجنوب الإستراتيجي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.