موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

تحليل: أوهام “اللحظة الإماراتية” ودوافع فائض المال والغرور وانتفاخ الأنا

162

نشر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية خليل العناني مقالا تحدث فيه عن أوهام “اللحظة الإماراتية” ودوافع فائض المال والغرور وانتفاخ الأنا.

وقال العناني في مقاله “ثمة شعور يقيني لدى ساسة الإمارات ومستشاريهم بأن بلادهم تعيش الآن “لحظتها” العربية، وأن الزمن قد دار دورته كي يحط رحاله على أبواب إمارة أبوظبي بعد عقود من الانكفاء والهدوء والعزلة”.

وأضاف “وهو شعور، بغض النظر عن واقعيته، تصاحبه قناعة لدى المسؤولين هناك بضرورة استغلال هذه المرحلة من التدهور والانحطاط العربي من أجل القفز وملء الفراغ الحاصل نتيجة انسحاب دول المركز (مصر والعراق وسوريا) وانغماسها في مشاكلها الداخلية. وهو أيضا شعورٌ مدفوع بفائض من المال والغرور وانتفاخ الأنا يراه البعض كافياً للعب دور قيادي وتاريخي في المنطقة العربية”.

وأشار العناني إلى أنه قبل أسابيع نشر أستاذ جامعي، يوصف في الإعلام بأنه مستشار ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، مقالاً بإحدى الصحف المصرية يتحدث فيه عن “اللحظة الخليجية” في قيادة الأمة العربية. وهو يقصد تحديداً السعودية والإمارات.

يقول عبدالخالق نصاً: “هذه لحظة الخليج في التاريخ العربي المعاصر، وإن كانت هناك مجموعة من الدول قادرة وراغبة في قيادة الأمة العربية في هذه الظروف العصيبة فهي دول الخليج العربي، خاصة السعودية والإمارات، بالتنسيق مع مصر والأردن. دول الخليج العربي لم تتنطع لقيادة أمة منهكة، فالراية والقيادة جاءت للخليج طوعاً ومهرولة، قد جاءت لتبقى حتى إشعار آخر، لتحقق مشروعاً حضارياً ونهضوياً وتنموياً عربياً طال انتظاره.” وبعد أن فرغ الرجل من تقريع ولوم مصر والعراق وسوريا ودول المغرب العربي على فشلها وانكفائها عن قيادة الأمة العربية، يرى أن دول الخليج العربي هي اليوم “مركز الثقل العربي الجديد، وتعيش لحظتها في التاريخ العربي المعاصر. هذه ليست لحظة المشرق العربي، ولا لحظة المغرب العربي وليست لحظة مصر ودول حوض النيل بل هذه لحظة الخليج”. أما أسباب اعتقاد الرجل بأن هذه هي لحظة الخليج، فلأن دوله لديها الغنى والمال الوفير والصناديق السيادية وناطحات السحاب… إلخ. بالطبع لم يقوَ رئيس تحرير تلك الصحيفة المصرية، على الرد على غرور ونطاعة الأستاذ الجامعي، وذلك رغباً ورهباً وتأكيداً لما ساقه من ترهات. كما لم يقوَ أي كاتب أو مثقف أو صحفي مصري على الرّد على الرجل ليحفظ ماء وجه بلده. وهم الذين لا يتورعون عن مهاجمة كل من ينتقد رئيسهم ونظامه، ويرفعون سيف الوطنية الزائف في وجه المخالفين.

وعقب العناني “لا لوم على ذلك الأستاذ الجامعي، فهو لا يقدح من رأسه، وما يقوله يعكس قناعة متزايدة لدى قيادات في الإمارات والسعودية. فقبل أيام سمعنا وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، وهو يتحدث مع رئيس أحد مراكز التفكير في واشنطن التي تتولاها أبوظبي بالتمويل السخيّ والرعاية، عن سياسات بلاده التوسعية في العالم العربي، وعن طموحاتها الخارجية من خلال بناء شبكة علاقات وتحالفات دولية مع منظمات وشركات ودول من بينها الكيان الصهيوني. وهو أمر لم يعد سرّاً، بل على ما يبدو بات مصدر فخر بدليل نشره في الصحف الإماراتية والاحتفاء به إعلامياً، كما أنه يشبع شعور القوة الزائد (والزائف) لدى ساسة أبوظبي أو “إسبرطة الصغيرة” كما وصفها مسؤول أمريكي سابق.

ومن قراءة تصريحات قرقاش وغيره من مسؤولي ومستشاري وإعلامييّ أبوظبي يمكننا استشفاف ملامح تلك “اللحظة الإماراتية” التي تراود عقولهم وخيالهم، والتي تتأسس على ما يلي:

– استخدام فائض المال كوسيلة للسيطرة والنفوذ السياسي في البلدان العربية التي تمر بلحظة ضعف أو تفكك أو انهيار كما هي الحال في مصر وسوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن والمغرب.

– استخدام فائض المال لاختراق النخب السياسية واستغلال أوضاعهم الداخلية لتحقيق الأهداف السياسية للإمارات.

– استخدام فائض المال لشراء ولاءات النخب الإعلامية والدينية والفكرية والثقافية من أجل خدمة الأجندة الإماراتية في المنطقة.

– استخدام فائض المال والسلاح لدعم المرتزقة وأمراء الحرب وطالبي السلطة المنشقين عن دولهم ومجتمعاتهم مثل محمد دحلان وحفتر والقيادات الجنوبية في اليمن من أجل استخدامهم كرأس حربة في تقسيم البلدان العربية.

– التحالف مع إسرائيل وخدمة أجندتها الإقليمية وإعادة التموضع العربي من القضية الفلسطينية بحيث تتم تصفيتها من الداخل.

– تعزيز التحالف مع الولايات المتحدة عبر شراكات عسكرية واقتصادية، وتحقيق أهداف ساكن البيت الأبيض، ومحاولة شراء ولاءات أعضاء بالكونغرس الأمريكي، ومراكز الأبحاث، وجماعات الضغط، وصحفيين وإعلاميين وباحثين… إلخ.

ليس عيباً أن يكون لدى أية دولة، ولو صغيرة حجماً وتاريخاً وشعباً وثقافة، أن يكون لديها طموح سياسي، وأن تشعر بأنها الأقدر على قيادة غيرها من جيرانها. ولكن المشكلة أن يتجاوز هذا الطموح حدود المنطق والتاريخ والحتمية الجغرافية، وأن يكون مدفوعاً بأوهام وحسابات خاطئة، وغير واقعية مردها فقط أن ثمة فراغاً عربياً يجب ملؤه، وذلك بغض النظر عن كيفية تحقيق ذلك وبأي ثمن. أو بالاعتقاد بأن فائض المال والسلاح وناطحات السحاب هي وحدها شروط القيادة والنفوذ، أو أن التحالف مع العدو المحتل هو أقصر الطرق للزعامة.

كذلك لا يجب أن يكون تحقيق هذا الطموح على حساب مصالح دول أخرى، ومصائر شعوبها، ومن خلال انتهاك سيادتها. وألا يكون من خلال شراء ولاءات سياسييها، وتفكيك جيوشها، وتدجين نخبتها. أو أن يعتقد سياسيو ومستشارو “إسبرطة الصغيرة”، أو غيرها، أن العالم العربي ينتظر بفارغ الصبر قدوم قيادتهم للعالم العربي! فلم تقد مصر العالم العربي في الخمسينيات، بغض النظر عن مشاكل ومآلات وكوارث تلك القيادة، بسبب فائض من المال والثروة، وكذلك لم يفعل العراق أو سوريا.

وإذا كانت هذه الدول الثلاث الأخيرة، بتاريخها وثقلها وموقعها وثقافتها ونخبها، قد فشلت فشلاً ذريعاً في قيادة الأمة، فما بالنا بدول لا تملك أياً من تلك المواصفات التي هي قطعاً لا يمكن صناعتها بالمال فقط؟ وما الذي سيجعل “قيادة” أبوظبي والرياض للأمة الآن، مختلفة عن قيادة القاهرة وبغداد ودمشق منذ الخمسينيات وحتى الثمانينيات؟ ولماذا يصرّ ساسة أبوظبي على تكرار فشل من سبقوهم واجتراره مرة أخرى؟ والأكثر من ذلك، فبالرغم من مشاكل قيادة القاهرة وبغداد ودمشق للأمة، فكانت لديها حد أدنى من الكرامة والمسؤولية. فهي على الأقل لم تعقد تحالفات سرّية (الآن باتت علنية وعلى عين التاجر كما يقول المثل) مع الكيان الصهيوني، كما أنها لم تنفق مليارات الدولارات على تدمير غيرها من البلدان العربية كما هي الحال في اليمن وليبيا وسوريا ومصر، ولم توّظف مرتزقة من الشرق والغرب لبسط سيطرتها ونفوذها خارج أراضيها.

وختاماً، أليس غريباً أن تتصادف هذه “اللحظة الإماراتية” الصاعدة مع “لحظة إسرائيلية” مشابهة تتمتع فيها تل أبيب بتأثير ونفوذ كبير بالمنطقة لم تكن لتحلم به منذ تأسيسها عام ١٩٤٨؟ أو ليس غريباً أيضاً أن تأتي هذه “اللحظة الإماراتية” في وقت يشهد فيه العالم العربي تمزقاً وانقساماً وتدهوراً لم يحدث طيلة القرن الماضي؟ إذاً هذه اللحظة الإماراتية، وعلى عكس ما يدّعي ذلك المستشار، ليست لصالح العالم العربي ولا لمصلحة شعوبه، وإنما هي بالأساس لصالح أطراف أخرى.

كما أن استطلاعاً بسيطاً للرأي في العالم العربي من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، سوف يكشف أن ما يسمّيه البعض بـ”اللحظة الإماراتية”، ما هو إلا مجرد وهم كبير في عقل ومخيّلة من يروجون له من سياسييّ أبوظبي ومستشاريهم وإعلامييّهم. لذا، فقليل من الحكمة والتواضع والواقعية يتحلى بها هؤلاء ربما يكون أفضل من تبديد الأموال في حروب ومعارك ونزاعات خاسرة قد تكلّفهم آخر درهم في جيوبهم.