موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

كشف خفايا تعاون الإمارات مع إسرائيل في التجسس والمراقبة

228

يتورط النظام الحاكم في دولة الإمارات بتعاون مشبوه مع إسرائيل في التجسس والمراقبة خاصة عبر مجموعة “إن إس أو” (NSO) وتطبيقاتها وكذا بعض الشركات الإسرائيلية التقنية الأخرى.

ومنذ أقل من أسبوعين، في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، كشفت منظمة العفو الدولية عن اختراق ومحاولات تجسس على ناشطين مغربيين معارضَين هما “المعطي منجب”، المؤرخ والباحث الأكاديمي المعروف، و”عبد الصادق البوشتاوي”، المحامي الحقوقي وناشط حقوق الإنسان في البلد الشمال أفريقي.

وقد أتت تلك المحاولات كأحدث الإضافات المعلنة لسلسلة التجسس التي تنطلق رأسا من الأراضي المحتلة عن طريق شركة التقنيات الشهيرة “إن إس أو” (NSO)، وهي شركة إسرائيلية تُنتج عددا من برامج التتبُّع والمراقبة يأتي على رأسها أحد أحدث برامج الاختراق والتجسس في العالم والمعروف باسم “بيجاسوس”.

والمذكور المذكور سيئ السمعة استُخدم مرارا في تتبُّع والتجسس على عدد من أهم نشطاء وحقوقي الشرق الأوسط، ومنهم الحقوقي الإماراتي الأشهر والمعتقل حاليا “أحمد منصور”، وكذا الصحافي السعودي ذائع الصيت عالميا “جمال خاشقجي” قبيل قتله في قنصلية بلاده العام الماضي.

وعلى مرِّ الثلاثة أعوام السابقة سلَّط تورُّط “بيجاسوس” الضوء على الشركة الإسرائيلية ونشاطها وتعاونها مع الأنظمة القمعية والديكتاتورية في العالم والتي تستفيد من تقنيات الشركة في تتبُّع أهم معارضيها واختراق أجهزتهم الإلكترونية الشخصية.

وبينما تُنكر الشركة دائما ذلك التعاون مؤكِّدة أن سياستها الرسمية تضمن مكافحة الأنشطة الإجرامية بأنواعها كافة، فإن تقارير مختلفة تؤكِّد باستمرار تورُّط الشركة الدائم في تلك الحلقة التجسسية، ولم يكن آخرها تحذير أصدره عملاق البحث والتقنية “غوغل” أوائل الشهر الحالي لمستخدمي نظام “أندرويد” ذائع الصيت للهواتف المحمولة بتوخي الحذر لأن هواتفهم مُعرَّضة للاختراق من قِبل تقنيات “إن إس أو” (NSO) (تمت تسمية الشركة في تحذير غوغل).

وعلى عكس قرنائهم في كثير من أنحاء العالم ذي الأنظمة المدنية، لا يمتلك شباب وفتيات إسرائيل اختيارا بعد بلوغهم سنّ الثامنة عشر عاما سوى أداء الخدمة العسكرية الإلزامية بجيش الاحتلال، وهي قاعدة لم يكن المجند “شيليف هوليو” استثناء منها شأنه شأن زملائه الذين خدم معهم في الصفوف الأمامية حول قطاع غزة وغيره من الأراضي المحتلة.

وعلى الرغم من أنه لم يكن مرتبطا بالصناعات التقنية أو الأمن السيبراني في حياتيه المدنية أو العسكرية، فإن الأعوام القليلة لما بعد إنهاء هوليو الخدمة العسكرية كانت فاصلة في تحوله من شاب عادي إلى شريك مؤسس في واحدة من أكثر شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية إثارة للجدل في العالم.

هدف “هوليو” بعد الخدمة العسكرية إلى الدخول في قطاع التجارة الإلكترونية الواسع وصناعة ثروته الشخصية؛ وهو شيء تخصَّص فيه الجنود الإسرائيليون بخبرات إما عسكرية وإما تقنية مُكتَسبة من أداء الخدمة في الصفوف الأمامية للجيش، أو في وحدات النخبة من أمثلة 8200 و”أمان” وغيرهما، وفي حين لم يمتلك هوليو أية خبرات تقنية، كما أخبر صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بنفسه في مقابلة نادرة من نوعها أُجريت مطلع العام الحالي، فإن هذا لم يمنعه هو و”نيف كارمي” و”عمري ليفي” من تأسيس شركة التقنية المتخصصة في الأمن السيبراني “NSO Group”.

نشأت “إن إس أو” على أنقاض شركة “كوميوني-تك” (CommuniTech) التي كان قد أسّسها من قبل كلٌّ من هوليو وليفي أيضا لمساعدة شركات الهواتف الذكية والجديدة على العالم حينها.

ففي وقت كانت فيه تلك الصناعة الناشئة تحتاج إلى الكثير من وقت شركات الهاتف لتدريب وتعريف عملائها بكيفية تثبيت البرامج الأساسية الخاصة بالتعامل مع منتجاتها، خرجت شركة “كوميوني-تك” بحل يُمكِّن شركات الهاتف من إرسال رابط إلى عملائها، ومن خلاله تقوم الشركات بالولوج إلى الهاتف نفسه وتثبيت برامجها، بما يُوفِّر الوقت والجهد على الجميع.

وقد استلزم الأمر قليلا من الوقت بعد ذلك لتتحوَّل “كوميوني-تك” إلى “إن إس أو”؛ بعدما هجر كلٌّ من هوليو وليفي الأولى لتأسيس الثانية، وكذا ليتحوَّل المنتج الهادف لمساعدة الناس إلى منتج يتجسَّس عليهم بعدما انتبه الشريكان للفكرة البسيطة القائلة إنه يمكن فعل الكثير بهاتف محمول تمتلك القدرة على الولوج إلى بياناته كافة بدون علم صاحبه، وبمقابل مادي أكثر بكثير.

كانت البداية من المكسيك، حيث زعم مؤسسا “إن إس أو” (NSO) أن برنامج “بيغاسوس” (Pegasus)، وهو منتجهم الرئيس، ساعد في القضاء على العديد من الشخصيات الأساسية الفاعلة في عصابات المخدرات الكبرى هناك.

ويمتلك “بيغاسوس” القدرة على التسلُّل إلى الهواتف المُستهدَفة من خلال رابط مزيف يتم إرساله إلى الهاتف ومن خلاله يتم الولوج لبيانات صاحب الهاتف كافة، بداية من الرسائل والمكالمات، ومرورا بالموقع الجغرافي الخاص به، وليس انتهاء باستخدام الكاميرا والميكروفون لتسجيل المحادثات والحوارات التي تتم في نطاقه، ثم أصبحت تقنية “بيغاسوس” بعد ذلك قادرة على التحدث عن نفسها في أرجاء العالم كافة، خاصة في دولتَيْ الإمارات والسعودية.

إذ استخدمت الإمارات التقنية لتعقُّب والقبض على الناشط الحقوقي الإماراتي الشهير أحمد منصور عام 2016، فيما استخدمتها السعودية في مقتل صحافي الواشنطن بوست السعودي “جمال خاشقجي” أواخر العام الماضي في قنصلية بلاده بإسطنبول بتركيا، ومن ثم نال “بيغاسوس” شهرته كإحدى أهم وسائل التجسس الإلكتروني خاصة بالنسبة للأنظمة الأوتوقراطية في الشرق الأوسط والعالم.

ورغم ما حمله البرنامج من كفاءة تقنية جلبت أرباحا ضخمة للشركة الإسرائيلية، تحوَّل الأمر إلى كابوس بالنسبة للعمل المدني والحقوقي عالميا، كابوس تجلَّت بعض معالمه في حادثة اختراق تطبيق المحادثات الأشهر “واتساب” في مايو/أيار المنصرم.

وأعاد ذلك “إن إس أو” (NSO) للأضواء نتيجة اشتباه تقنية “فيسبوك” المالكة لواتساب في كون الشركة الإسرائيلية هي التي تقف وراء الاختراق الذي لم يُحدَّد حتى الآن أعداد المتضررين منه، مُثبتا قدرة برامج الشركة على اختراق أعداد هائلة من الهواتف المحمولة والتجسس على أصحابها لصالح الجهات الحكومية والأجهزة الأمنية القمعية أغلب الأمر، في وقت يُنكر فيه مؤسسو “إن إس أو” (NSO) خارطة توجُّه الشركة بداهة باعتبارها تهدف رسميا لمكافحة الجريمة والإرهاب العالميين.

ولا تكاد الصفحات الأولى للصحف العالمية تخلو من أخبار دورية تخص تورُّط تقنيات “إن إس أو” (NSO) في عمليات تجسس على حقوقيين وناشطين حول العالم، وفي حين أن تورُّط تقنيات الشركة التي يقبع مقرها بمدينة هرتسليا بالأراضي المحتلة لم يخرج حتى الآن عن مراقبة أفراد -أو مجموعات من المدنيين- في دول عدة، فإن حادثة واتساب الأخيرة وغيرها قد ألقت الضوء على مرحلة جديدة في عمليات التجسس على الأفراد، مرحلة يعتقد أنها تمهيد مهم نحو التجسس الفعّال على البرنامج النووي الإيراني.

ويعتقد بعض خبراء التقنية أن تكنولوجيا الشركة الإسرائيلية على وشك أن تمتلك القدرة على مراقبة سُكّان مدن كاملة بفاعلية.

وإن لم تكن “إن إس أو” (NSO) الشركة الإسرائيلية الوحيدة التي تغرد في هذا النطاق، بل يرافقها عدد ليس بالهين من الشركات التقنية الإسرائيلية الناشئة التي تظهر عاما بعد عام من وحدات النخبة وخلال فترات الخدمة العسكرية الإسرائيلية؛ شركات تُعيد تعريف الاقتصاد الإسرائيلي وتُشكِّل جزءا ليس باليسير من السياسات الإسرائيلية تجاه منطقة الشرق الأوسط بالكامل.

وعلى الرغم من أن “إن إس أو” (NSO) قد لفتت الكثير من الأنظار بعد اتهام تقنياتها بالتورُّط في عملية تعقُّب ومقتل خاشقجي ثم اختراق واتساب، فإن مراقبة أنشطة تقنية “بيغاسوس” -المملوكة للشركة- خاصة وتقنياتها عامة كان قد بدأ منذ ثلاثة أعوام تقريبا، وتحديدا في أغسطس/آب 2016 عندما تلقّى الناشط الإماراتي أحمد منصور رسالة مُفخَّخة على هاتفه ليُعيد إرسالها إلى المجموعة التقنية المقيمة في كندا “مختبر المواطن” (Citizen Lab)، والتي تتبَّعت بدورها مصدر الروابط الخبيثة التي احتوتها الرسالة وصولا إلى “بيغاسوس”.

لم تتوقف المجموعة الكندية عند حالة منصور، بل بدأت من حينها في تطوير بصمتها الرقمية الخاصة المُسماة “أثينا” والهادفة لتتبُّع الروابط المُشتَبه بها والمُرسَلة إلى حقوقيين وناشطين آخرين، في عملية إلكترونية استمرت لعامين كاملين ما بين أغسطس/آب 2016 و2018، قبل أن تخرج النتائج في سبتمبر/أيلول المنصرم مُعلِنة انتشار أنشطة المراقبة الخاصة بـ “بيغاسوس” في 45 دولة حول العالم، وستة منها على الأقل كانت قد استخدمت “بيغاسوس” بشكل سيئ لمراقبة عناصر المجتمع المدني داخلها وخارجها.

وقد استخدم الخبير التقني “مايكل شولوف” مصطلح “فن إيجاد الثغرات” لوصف طريقة عمل “بيغاسوس” داخل أنظمة تشغيل الهواتف المحمولة، فإلى جانب تخصص “إن إس أو” (NSO) في العمل على الهواتف فقط دونا عن أجهزة الحاسوب أو غيرها، فإن مهندسي وتقنيي الشركة المتخرج أغلبهم من 8200 وغيرها من وحدات النخبة التقنية في جيش الاحتلال؛ يبذلون قصارى جهدهم للبحث عن الثغرات غير المعروفة (الأخطاء في الأكواد) المُسماة “زيرو داي” (Zero-Day) والموجودة في أنظمة تشغيل الهواتف، وهو بالضبط ما يقوم به “بيغاسوس” بمجرد تثبيته على أي هاتف.

يجعل هذا من “إن إس أو” (NSO) الشركة الرئيسة في عالم التجسس على أجهزة الهاتف، كما يُصنِّفها شولوف، وبمنتج قوي، الأمر الذي استغلَّته الشركة لاختيار عملائها بدقة وعناية شديدتين، ليس فقط للقيود الصارمة التي تفرضها وزارة الحرب الإسرائيلية جنبا إلى جنب مع وكالة مراقبة الصادرات الدفاعية الإسرائيلية -المعروفة اختصارا بـ “DECA”- على الصادرات التقنية التي تخشى إسرائيل وقوعها في يد أعدائها، بل كذلك لأن التقنية التجسسية التي وفّرتها الشركة قد فتحت بابا واسعا لها أولا وللكيان المحتل ثانيا لإعادة رسم خارطة جديدة للعلاقات مع عملاء الشركة من الدول العربية ودول الخليج خاصة، وعلى رأسهم أتت كلٌّ من السعودية والإمارات.

وقد ضخَّت ثلاث صفقات بين “إن إس أو” (NSO) ونظام أبوظبي ما يقرب من 80 مليون دولار كأرباح للشركة الإسرائيلية، وهي صفقات تمت بوساطة مسؤولين إسرائيليين وتصديق وزارة الحرب الإسرائيلية.

إلا أن الأمر لم يتعلَّق بالمال فقط أيضا كما يعتقد صحافي البي بي سي “باول دانهار”، ففي حين بدأت تتشكّل منذ سنوات “صداقة” على هيئة علاقات دبلوماسية -غير مُتوقَّعة- بين تل أبيب وأبوظبي والرياض في خلفية ما يُسمى بـ “التحالف السُني” لمواجهة الإرهاب والذي يضم مصر وعدة دول عربية وإسلامية أخرى، فإن هذه الصداقة جمعها هدفان رئيسيان هما التعاون الاقتصادي ومحاربة المد الإيراني في الشرق الأوسط.

وقد جعل ذلك من طهران الأولى والأهم على قائمة أعداء التحالف الجديد غير الرسمي، وبدأت التكهُّنات تدور حول إمكانية توجيه تقنيات “بيغاسوس” للتجسس على الإيرانيين أو لتخريب البرنامج النووي الإيراني كما حدث سابقا في هجمات “ستاكس نت” الإلكترونية، وهو أمر لم يكن مُستبعَدا بعد ظهور تقارير صحافية (8) في مايو/أيار للعام الماضي تُفيد بتورُّط شركة تقنية إسرائيلية أخرى هي “المكعب الأسود” (Black Cube) في محاولة تخريب الاتفاق النووي بالسعي لتشويه سُمعة بعض العاملين عليه في إدارة أوباما السابقة بعد أن أعلن ترامب انسحاب إدارته منه في الشهر المذكور.