إمارات ليكس | Emirates Leaks
a

تحقيق: سجل حافل من التعاون الأمني المشبوه بين الإمارات وإسرائيل

لدى النظام الحكام في دولة الإمارات سجلا حافلا من التطبيع مع إسرائيل والتعاون الامني والاستخباري بينهما ما يجعل التقارب الحاصل بين الجانبين في حقيقته تحالف قائم على المصالح والمنافع المشتركة.

ويصعد النظام الإماراتي بتوجه شديد من ولي عهد أبو ظبي الحاكم الفعلي للدولة محمد بن زايد من تورطه بعار التطبيع مع إسرائيل رغم أن ذلك يتم على حساب تصفية القضية الفلسطينية وتجاوز محرمات عربية وإسلامية.

والشهر الماضي عمقت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إلى أبو ظبي الصورة بشأن التاريخ السري في جزء منه والمعلن في أجزاء أخرى للعلاقات بين الإمارات وإسرائيل.

وهو تاريخ يتضمن جولات من العمليات الأمنية السرية ثم الاغتيالات والتصفيات الجسدية، وصولاً إلى الاتصالات الرسمية، وذلك رغم أن أبوظبي تنكر علاقاتها السرية بدولة إسرائيل طيلة السنوات الماضية.

ولم تكن زيارة كاتس الأولى لمسؤول إسرائيلي رفيع إلى أبوظبي، فقد سبقتها زيارة أخرى لوزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية ميري ريغيف ثم وزير الاتصالات ايوب قرا عن فضلا عن زيارات متعددة لمسئولين عسكريين بارزين في إسرائيل.

والمتابع للصحافة العبرية يجد بوضوح التعاون الأمني السري الوثيق بين أبوظبي و”تل أبيب” الذي يهدف إلى تصفية المخاطر التي تقف حائلاً أمام “إسرائيل”؛ بداية من محاربة فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها “حماس”، وحركات الإسلام السياسي، وحتى الدول المناصرة للقضية الفلسطينية.

وبدأت الصحافة العبرية في السنوات الأخيرة تكشف طبيعة ما يخفيه الطرفان خلف الكواليس، بهدف لفت نظر الحكومات العربية وزيادة مجالات التطبيع مع إسرائيل وإظهار “نموذج أبوظبي” بهذا الشأن.

والعلاقة القوية مع أبوظبي دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى التفاخر مرارا وفي أكثر من مناسبة بوجود علاقات غير مسبوقة بين تل أبيب ونظم الحكم العربية.

وأبرزت الصحافة العبرية مؤخراً حجم التعاون القوي بين سلاحي الجو الإماراتي والإسرائيلي في تقديم الدعم لنظام عبد الفتاح السيسي في مواجهة تنظيم “ولاية سيناء”، وتنفيذ غارات جوية مشتركة هناك.

وهذا التعاون شمل أيضاً تقديم الدعم لقوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، المتمرد على حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، لكونه يرتبط بتحالف مع كل من أبوظبي ونظام السيسي.

وخلال السنوات الأخيرة رصدت تسريبات وصحف ودوريات متخصصة تعاظماً بالتعاون الإماراتي الإسرائيلي، ذهبت أبوظبي في الشق العسكري منه إلى حد المشاركة في مناورات كان سلاح الجو الإسرائيلي طرفاً فيها.

وفي السياق ذاته فإن صحيفة “معاريف” العبرية كشفت في 8 يونيو 2019، تفاصيل العلاقات الخاصة والتعاون الاستخباري والأمني العميق بين “إسرائيل” وإمارة أبوظبي.

وأبرز معلّق الشؤون الاستخبارية في الصحيفة، يوسي ميلمان، أنّ هذه العلاقات تتعاظم بسبب طابع المصالح المشتركة التي تربط الطرفين.

وأشار إلى أن أبوظبي تبني علاقتها بـ”إسرائيل” كإمارة مستقلة لا بوصفها ممثلة لدولة “الإمارات”، وهذه العلاقة تقوم على عقد صفقات سلاح، حيث تبيع “تل أبيب” للإمارة عتاداً استخبارياً وتكنولوجياً.

وتقول الصحافة العبرية إن تجمع الصناعات العسكرية وشركة “إلبيت” للمنظومات المسلحة يرتبطان بعلاقة وثيقة بأبوظبي، وبحسب “معاريف” فإن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي يرتبط بعلاقات خاصة ببن زايد، يسمح لـ”إسرائيل” ببيع تقنيات عسكرية تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية لأبوظبي.

هذه التقنيات تمثلت في بيع شركة “NSO” الإسرائيلية أبوظبي برنامج التجسس “بيغاسوس”، الذي يتيح لجهاز أمن الدولة اختراق الهواتف الشخصية لمن تعتبرهم معارضين للنظام، والحصول على معلومات منها، بالإضافة إلى شراء منتوجات شركة “فيرنت” الإسرائيلية المتخصصة في إنتاج العتاد الاستخباري، ومن ضمنه تقنيات التنصت.

وتؤكد الصحيفة أن العلاقات السرية بين أبوظبي وإسرائيل توثقت قبل 15 عاماً، لكن “المؤسستين الأمنية والاستخبارية في تل أبيب حرصتا على إحاطة هذه العلاقات بالكتمان الشديد”، وأسهم رجل الأعمال الإسرائيلي متاي كوخافي، في تدشين علاقات الطرفين، كما ذكر متفاخراً خلال محاضرة ألقاها في سنغافورة بدوره في تطوير هذه العلاقات.

وقال كوخافي إن شركته “لوجيك” (مقرها إسرائيل) زودت أبوظبي بعتاد أمني لتأمين الحدود وحقول النفط، فضلاً عن تقديمها استشارات أمنية، كما استعانت بخدمات جنرالات في الجيش والاستخبارات الإسرائيلية في إدارة أنشطتها داخل أبوظبي، مشيراً إلى أن “رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق عاموس مالكا، وقائد سلاح الجو الأسبق إيتان بن إلياهو، عملا باسم شركته داخل أبوظبي”.

وتقوم طائرة خاصة بنقل الجنرالات الإسرائيليين المتقاعدين من قبرص إلى أبوظبي، بحسب كوخافي، الذي أكد أن “العشرات من الجنرالات ورجال الاستخبارات الإسرائيليين زاروا أبوظبي ضمن أنشطة شركته في حي مكون من الفلل داخل الإمارة.

وبحسب مجلة “إنتليجنس أونلاين” الفرنسية المتخصصة في قضايا الدفاع، فإن الإسرائيليين الذين يتولون إدارة صفقات السلاح والاستشارات العسكرية مع أبوظبي في الوقت الحالي هم: دفيد ميدان، الذي تولى في السابق قيادة شعبة تجنيد العملاء في جهاز الموساد “تسوميت”، وآفي لؤومي، مؤسس شركة “أورانيتكوس”، المتخصصة في إنتاج الطائرات دون طيار.

كما يمتد تاريخ التعاون بين الإمارات وإسرائيل إلى  مجالات عدة، منها العسكري والأمني والسياسي، لكن العداء لجماعة الإخوان المسلمين وحركة “حماس” الفلسطينية وتيارات الإسلام السياسي، يعتبر حجر الزاوية في هذه العلاقة الشائكة بين الطرفين، حيث سعت الدولة الخليجية لإنهاء أي نشاط داعم للمقاومة الفلسطينية على أرضها.

تقول صحيفة “معاريف” العبرية إن هذا العداء دفع محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، إلى بناء تحالف مع كل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

ومن أجل تحقيق هذه المصالح الخاصة بالإمارة- يقول يوسي ميلمان- ظل بن زايد يعمل على مدى عقدين من الزمن على عملية شراء مكثفة للأسلحة والمعدات الدفاعية، التي تبلغ قيمتها مئات المليارات من الدولارات، معظمها من الولايات المتحدة، وعلى هذه الخلفية تطورت علاقاته مع “إسرائيل”.

وبعيداً عن الصحافة والإعلام، جرت اللقاءت السرية بانتظام بين كبار المسؤولين الإماراتيين والإسرائيليين، التي كشف عنها السفير الأمريكي السابق لدى “تل أبيب”، دان شابيرو، وكانت تتم من خلال الاتصالات الهاتفية، أو وجهاً لوجه في كثير من الأحيان.

شكك كثيرون بمصداقية السلطات الإماراتية حينما أعلنت أنها تجري تحقيقاً في عملية اغتيال القيادي في حركة حماس، محمود المبحوح، التي جرت بتعاون سري بين شرطة دبي وعناصر من الموساد، عام 2010، بحسب ما كشف الصحفي الإسرائيلي إيدي كوهين العام الماضي.

التواطؤ الإماراتي – الإسرائيلي في عملية اغتيال المبحوح أظهر الدور الواضح لضاحي خلفان، قائد شرطة دبي سابقاً، لا سيما عند دخول عملاء الموساد إلى دبي قادمين من أوروبا، يومي 18 – 19 يناير 2010، لتحدث الجريمة في أحد فنادق المدينة، ويخرج بعدها بسيل هائل من التصريحات كشف خلالها تفاصيل الجريمة، نافياً عن أجهزته الأمنية تهمة التقصير .

وذكر كوهين في تغريدة عبر “تويتر” أن المبحوح دخل دبي، يوم 18 يناير 2010، بجواز سفر مزور؛ لأنه كان خائفاً من السلطات الإماراتية، ومن ثم أبلغ ضاحي خلفان محمد دحلان القيادي المفصول في حركة فتح، والأخير بلغ المخابرات الأمريكية (CIA)، ليقوم الأمريكان بإبلاغ الموساد، حيث أعطاهم خلفان كرت غرفة المبحوح، وبعدما نفذ الفريق الجريمة، وانتظر قائد شرطة دبي خروجهم من البلاد صرح أن الموساد من نفذ العملية.

ولم تكن عملية اغتيال المبحوح هي الأولى التي نفذها عملاء مخابرات إسرائيلية في دولة الإمارات، كما يذكر عميل متقاعد في العمليات السرية في الموساد تحت اسم “مايكل روس”، الذي ذكر أنه يتفق مع الرأي القائل إن أكثر من عملية نفذت في دبي، وهذا التأكيد يفتح تاريخ العلاقات المشبوه بين البلدين.

ويشير العميل المتقاعد إلى الدور الذي مارسته سلطات أبوظبي في هذه العمليات ودول أخرى بالقول: “هناك جوانب عديدة وفاعلون دوليون لهم علاقة بالعملية مقارنة بما يتبدى للعين المجردة”.

توالت الأحداث بسرعة في العالم العربي بعد اغتيال المبحوح، وفتحت دولة الإمارات العديد من جبهات الصراع، منها محاربة “حماس” علناً، وكذلك الحركات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي.

تفرُّد بن زايد في حكم البلاد، وعلاقاته المشبوهة مع إسرائيل وتحكمه بمصير أكثر من مليون مواطن، بدأ ينعكس سلباً على المجتمع، ودفع 133 حقوقياً وأكاديمياً وإصلاحياً إماراتياً في البلاد إلى المناداة بعملية إصلاح جذرية في مؤسسات الدولة، وانتخاب مجلس تشريعي اتحادي يشرف على عمل الحكومة.

لكن هؤلاء الـ133 الذين ينتمون للتيار الإسلامي، دفعوا ثمن مطالبتهم بحزمة الإصلاحات الداخلية، ويبدو أنهم ارتكبوا “خطأ فادحاً” بنظر بن زايد، ليشن جهاز أمن الدولة عمليات أمنية واسعة هي الأعنف في تاريخ البلاد ضد هؤلاء الإصلاحيين وعوائلهم، وتقام لهم محاكم خاصة وجردوا من أبسط حقوقهم.

ومنذ نحو عقد من الزمن يقطن قادة ومقربون مما يعرف بـ”تيار الإصلاح” الإماراتي السجون، حيث أقيمت لهم محاكمات وصفت بـ”الهزلية” انتهى بهم المطاف بتجريدهم من أبسط حقوقهم المدنية والاجتماعية، وسحب الجنسية والمواطنة، ومواجهة أحكام لا تستند إلى أرضية واضحة سوى معارضتهم لإدارة البلاد من قبل شخص واحد.

وبعد الحملات الأمنية على تيار الإصلاح داخلياً، أشعلت أبوظبي حرباً على ما بات يعرف بـ”تيارات الإسلام السياسي” والحركات الإسلامية، خارجياً وفي العام الإسلامي، منها دعم الانقلابات العسكرية والتمرد ضد حكومات انتخبت ديمقراطياً في مصر وليبيا وتونس واليمن، كما تتزعم أبوظبي “الثورة المضادة” لثورات الشعوب العربية التي عرفت بـ”ثورات الربيع العربي” منذ عام 2010.