موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

تحقيق: الحرس الرئاسي.. مشروع محمد بن زايد الخاص لخدمة خططه للتفرد بالسلطة

818

لا شيء في الجيش الإماراتي اليوم يشبه الحرس الرئاسي وحدة عسكرية تعمل خارج الإطار التقليدي للقوات المسلحة التقليدية: القوات البرية والبحرية والجوية، مع تفوق جوهري لها عليهم في التنظيم والتسليح والتدريب، وتخضع بشكل فعلي لسلطة محمد بن زايد وحده.

كان الحرس هو مشروع طموح تبناه ابن زايد بشكل شخصي، بهدف تشكيل وحدة خاصة تكون بمنزلة جيش داخل الجيش في الإمارات، وتجمع بين مهام الحرس الرئاسي وقوات النخبة، أي تقوم بدور حماية النظام ورموزه والقيام بالقمع الداخلي بلا أسئلة أو تردد، وكذا بعمليات التدخل والانتشار العسكري السريع خارجيا إذا لزم الأمر.

بدأت الفكرة تختمر في رأس ابن زايد منذ أن تولى منصب ولي العهد عام 2003، أو ربما حتى قبل ذلك، لكن ما نعرفه حقا أنه في عام 2007 -وللمفارقة فإنه نفس العام الذي أفصح فيه الفيلد مارشال عن شكوكه حول جيشه- كان محمد بن زايد يحاول إقناع برايان براون(13) -الذي كان يتولى آنذاك مسؤولية قيادة العمليات الخاصة الأميركية “سوكوم”- بالتوسط لمنحه حق الحصول على طراز خاص معدل من مروحيات “بلاك هوك” التي تنتجها شركة “سيكورسكي” لتحل محل طائرات “بوماس” الفرنسية القديمة، بعد أن تعثرت جهود الحصول عليها عبر وساطة صديق أبوظبي المفضل إريك برنس.

كانت “بلاك هوك” مثالية تماما للمهام الجديدة للحرس الرئاسي المنتظر، كما أنها مثالية بنفس القدر لقراءة أفكار ابن زايد أيضا: قطعة عسكرية مرنة يمكن استخدامها لكل شيء تقريبا، بداية من النقل، وليس انتهاء بمطاردة سفن التهريب على السواحل ودوريات تأمين الحدود، وتأمين عمليات الانتشار السريع. غير أن “بلاك هوك” لم تكن أكثر من بداية طموحة، حيث كان المستقبل القريب يحمل ما هو أكثر إثارة بكثير.

بعد ذلك بعام واحد تقريبا، كان ابن زايد على موعد مع بطل جديد من أبطال حكايته الخاصة مدفوعة الأجر: جنرال أسترالي مرموق تم تعيينه لتولي مهمة قيادة القوات الأسترالية في الشرق الأوسط عام 2008، وللمفارقة فقد كانت إحدى أولى مهامه هي نقل -هندس له الجنرال شخصيا- للقاعدة الإقليمية للقوات الأسترالية من بغداد إلى أبوظبي، ما وضعه سريعا في دائرة اهتمام ولي العهد.

وبحكم علاقة العمل تلك نشأت صداقة عابرة بين الرجلين سرعان ما تحولت إلى ما هو أكثر من ذلك، فبعد أقل من ستة أشهر على تولي مايك هندمارش مهمة قيادة تدريبات الجيش الأسترالي في (يناير/كانون الثاني) عام 2009 -وهي وظيفة شديدة المثالية لجنرال في مثل عمره- فإنه سرعان ما قدم استقالته مضحيا براتب يناهز ربع مليون دولار سنويا، وكان على الجميع أن ينتظروا ستة أشهر أخرى لمعرفة السبب الحقيقي وراء هذه الاستقالة الغريبة.

كانت نصف مليون دولار سنويا -خالصة الضرائب والاستقطاعات- بصحبة امتيازات أخرى عديدة كفيلة بوضع اللمسات الأخيرة على عام ونصف من المفاوضات الماراثونية، انتقل بموجبها هندمارش إلى أبوظبي تحت مسمى وظيفي غامض هو “مستشار ولي العهد للشؤون الأمنية”(14)، أما المهمة الحقيقية فهي استكمال عملية تشكيل الحرس الرئاسي الذي ارتبط بعقد تدريب ضخم مع الجيش الأميركي لصالح وحدة العمليات الخاصة التابعة للحرس الرئاسي “soc“، وبقيمة بلغت آنذاك 150 مليون دولار(15).

كان كل شيء مكتملا ومجهزا بشكل مثالي، حملات دعاية ضخمة لجلب المقاتلين من داخل البلاد إلى الحرس، تجمع بين الإغراء المادي والمداعبة الوطنية في ظل نظام إماراتي لم يكن فرض بعد حصة للتجنيد الإجباري، وعقد تدريبي مع البحرية الأميركية يضمن زيارات تدريبية متبادلة وتنفيذ تدريبات ومهام مشتركة، ومركز دعم لوجيستي تقوده “يوروكوبيتر” أو “إيرباص” حاليا لتقديم خدمات الدعم الفني والصيانة وقطع الغيار للمعدات، وأخيرا جنرال أجنبي يتمتع بعلاقات واسعة قادرة على سد الفراغ القيادي بمرتزقة مهنيين مأجورين، بما يضمن الاحترافية العالية للقوات الجديدة، ويعالج مخاوف ابن زايد بشأن خضوع الوحدة الجديدة لقيادات محلية لا يضمن ولاءها.

كان هندمارش عند حسن ظن صديقه الإماراتي الجديد تماما، وسرعان ما أغرق الصفوف القيادية في الحرس الرئاسي بعشرات الجنود والجنرالات الأجانب ذوي الخبرة من الأستراليين على وجه الخصوص.

أحد هؤلاء هو بيتر باتسون، ضابط مخابرات أسترالي سابق يعمل كمستشار للحرس الرئاسي الإماراتي منذ مطلع عام 2014، وتشمل القائمة أيضا كيفن دولان، وهو ضابط سابق في الجيشين البريطاني والأسترالي ويعمل في تقييم الحرس الرئاسي، وستيف نيكولز، وهو قائد سابق في الجيش الأسترالي يعمل كمستشار للحرس، وهناك أيضا سكوت كوريجان، قائد العمليات الخاصة السابق في الجيش الأسترالي.

ورغم هيمنة الأستراليين -بحكم علاقات هندمارش- فإن هناك حضورا لافتا أيضا لجنرالات سابقين مدفوعي الأجر من البريطانيين والفرنسيين، من أمثال بالدوار داوسون، وهو ضابط سابق في البحرية الملكية البريطانية يعمل كمستشار في الحرس الرئاسي، وروبرت كروس، وهو أميركي يشرف على معهد تدريب الحرس الرئاسي الإماراتي الذي يعد جزءا من برنامج التدريب التابع للبحرية الأميركية.

لم يكن ولع ولي عهد أبوظبي بالمرتزقة مقتصرا على نخبة العسكريين القياديين من أمثال هندمارش وجنرالاته، كان ذلك واضحا منذ اللحظة الأولى التي استقر فيها إريك برنس في أبوظبي ليؤسس أعماله الجديدة من هناك: شركة غامضة جديدة تسمى “ريفلكس ريسبونس”، يقودها برنس، ويمتلك الإماراتيون 51% من أسهمها، تم ترخيصها في (مارس/آذار) من عام 2010، قبل أن تقوم بتجنيد المئات من الأفارقة والكولومبيين والأوروبيين. ومع نهاية العام نفسه، كان المئات من هؤلاء يتدفقون في جنح الليل إلى قلب الصحراء(18)، يصحبهم ضباط الاستخبارات الإماراتيون بعد أن دخلوا البلاد بوصفهم عمال بناء، قبل أن يستقروا خلف الجدران الخرسانية والأسلاك الشائكة لمدينة الشيخ زايد العسكرية في أبوظبي.

كان الاتفاق ينص على أن يقوم برنس بتدريب جيش سري من المرتزقة مدفوعي الأجر، يعمل لحساب الإمارات مقابل مبلغ من المال يتجاوز نصف مليار دولار، بهدف الدفاع عن منشآت النفط وناطحات السحاب، وإخماد الاضطرابات العمالية أو حتى الثورات الشعبية حال حدوثها إذا لزم الأمر. تكلفت الإمارات بكل متطلبات القوة الجديدة، بداية من الأسلحة ووصولا إلى توفير طهاة محليين من مختلف الجنسيات لضمان عمل أطعمة ملائمة للمقاتلين الذين يصل عددهم إلى ثلاثة آلاف مقاتل نخبة على أكثر التقديرات منطقية، وهو عدد كفيل بالسيطرة على دولة صغيرة كاملة. وبعد سنوات، كان من الواضح أن مهام هذه القوة وحجم الاعتماد عليها قد توسعا بشكل كبير بعد أن تدفق مئات من أفرادها إلى اليمن للمشاركة في المهام القتالية هناك ضمن صفوف القوات الإماراتية المشاركة في عملية عاصفة الحزم، وقيل إنهم مسؤولون عن جرائم حرب أثبتت منظمة العفو الدولية وجودها لكنها لم تثبت صلة قوات الإمارات المرتزقة بها.

لا تشعر أبوظبي بأي غضاضة تجاه فكرة الاستعانة بالأجانب في المهام الأمنية والقتالية، فخلال حقبة التسعينيات كان قرابة ثلث الجيش الإماراتي مكونا من الأجانب، لذا فإن أبوظبي لم تستشعر أدنى قدر من الحرج في الاعتراف بوجود هذا الجيش السري بعد الكشف عنه.

حيث أقرت بأنها أبرمت تعاقدات عسكرية مع شركات خاصة تقدم تدريبات عسكرية وأكاديمية هي “سبيكتر” و”هوريزون” و”ريفلكس ريسبونسز”، ووصفت الحكومة الإماراتية في بيان رسمي عام 2011 هذه القوة بأنها “ضرورية للتطوير الناجح للقدرة العسكرية القوية لأكثر من 40 ألف عنصر إماراتي”.

ولكن الأمر لم يكن يتعلق فقط بتطوير القدرات العسكرية كما ادعى البيان الإماراتي بقدر ما كان يتعلق بضمان ممارسة أكبر قدر من التحكم والسيطرة على هذه القوات من قبل جنرالات أجانب ليس لهم ولاء إلا للمال، كما أن وجود كتائب من المرتزقة كان يكفل توفير خيارات للقيام بعمليات أمنية حساسة دون إدخال الجنود المحليين في الصراعات الاجتماعية والسياسية والطائفية للدولة مع قليل من الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان(22)، وهو ما يفسر ولع أبوظبي بتجنيد المرتزقة من البنغال والنيباليين في صفوف قوات الأمن الداخلي لتولي مهام القمع داخل السجون الإماراتية.

 لم يكن محمد بن زايد يحتاج إلى أكثر من تأمل قليل في التاريخ لبناء فلسفته الأمنية، فلدى دول الخليج بشكل عام تاريخ طويل من الاعتماد على المرتزقة الأمنيين لضمان الاستقرار ولو على حساب مواطنيهم، فرغم حصول مشيخات الخليج على استقلالها عن بريطانيا مطلع السبعينيات فإنها واصلت الاعتماد على ضباط الأمن البريطانيين والجنود السابقين لتشغيل العمليات، وربما يكون النموذج الأكثر شهرة في هذا الأمر هو إيان هندرسون المعروف باسم جزار البحرين، والذي ترأس المديرية العامة لأمن الدولة في البلاد من عام 1966 إلى عام 1998.