موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

طبيعة الدور الإماراتي في اليمن: سياسات النفوذ ودوائر السيطرة

307

إن ما يطلق عليه الدور الإماراتي في اليمن هو مجموع السياسات والعمليات الموجّهة لبناء النفوذ ودوائر السيطرة لأبوظبي وليس فقط المشاركة في عمليات تحالف دعم الشرعية.

وعمليا لم يعد للإمارات دورٌ فعليٌ في تحالف دعم الشرعية حتى خلال الأشهر القليلة التي سبقت إعلان سحب قواتها من اليمن في يوليو/ تموز 2019م بحسب دراسة صادرة عن منتدى السياسات العربية.

وبالإمكان مقاربة الدور الإماراتي في اليمن من خلال ثلاث مراحل زمنية مرتبطة بديناميات النزاع على النحو الآتي:

مرحلة تأسيس النفوذ: دُشنت هذه المرحلة مع بدء عاصفة الحزم (مارس/ 2015م) وانتهت بانتهاء مشاورات الكويت في اغسطس/ آب 2016م؛ حيث أسهمت الإمارات بدور فاعل في تحرير عدن (يوليو 2015م) بمساندة المقاومة الجنوبية، وبمشاركة وحدة خاصة من الحرس الرئاسي الإماراتي في معارك عدن الصغرى والبريقة.

ولما كانت مهام العمليات في عدن والمدن الجنوبية الأخرى المحررة خلال العام نفسه (لحج، الضالع، أبين) قد أوكلت إلى الإمارات، فقد اتخذت الأخيرة سلسلة من التحركات والخطوات – الأحادية في الغالب- بقصد التأسيس لنفوذ خاص بها في المحافظات الجنوبية.

كانت أهمها إنشاء وتدريب قوات الحزام الأمني في (عدن وأبين ولحج والضالع) بذريعة مواجهة “الفراغ الأمني” في تلك المحافظات.

وجدير بالإشارة أن الإمارات أنشأت تلك القوات بعيدًا عن أنظار الحكومة، ودون التنسيق مع وزير الداخلية اليمني الذي كان قد وصل إلى عدن على متن طائرة سعودية في يوليو 2015م، للإشراف فيما يبدو على ترتيبات الأمن في عدن ثم في المدن المحررة.

ومن خلال قرارات صادرة عن الرئيس اليمني في ديسمبر 2015م تمكّن قادة جنوبيون موالون للإمارات من الوصول إلى هرم المواقع الإدارية والأمنية في العاصمة المؤقتة عدن ومحافظات جنوبية أخرى وقد أسبغت قرارات التعيين -بصورة غير مباشرة- قدرًا من “الشرعية” على النفوذ الإماراتي في تلك المرحلة.

وفي أبريل 2016م تمكنت الإمارات من طرد تنظيم القاعدة من مدينة المكلا بساحل حضرموت دون مشاركة سعودية أكيدة، لتنشئ على إثر ذلك قوات تابعة لها في المكلا (النخبة الحضرمية).

امتلكت الإمارات خلال هذه المرحلة زمام المبادرة على الأرض، وتحلّت بقدر كبير من الحيوية العسكرية، فتولّت فعليًا مهام التخطيط والقيادة لعملية تحرير المدن الجنوبية المتاخمة للعاصمة المؤقتة عدن، وشاركت في تحرير أجزاء من محافظة مأرب، وأنشأت مقرًا للقيادة العسكرية الإماراتية هناك.

وعلى الصعيد الإنساني نشط الهلال الأحمر الإماراتي في المحافظات الجنوبية المحررة، وبدأ بتنفيذ أعمال مساعدات وإغاثة واسعة أكسبت الإمارات سمعة جيدة في تلك المرحلة.

وعليه حقّقت الإمارات خلال هذه الفترة وجودًا مهمًا على الأرض وفي بعض مفاصل السلطة في المحافظات الجنوبية، ويبدو أنها كانت مطمئنة بأن هذا القدر من الوجود والحضور كافٍ لتأسيس قاعدة نفوذ ملائمة يمكن تعظيمها بوسائل سياسية، وليس من خلال المزيد من التحركات الأحادية على الأرض.

وفي يونيو 2016م أعلنت الإمارات للمرة الأولى عبر وزير الدولة للشؤون الخارجية أن الحرب قد انتهت بالنسبة لها، وأن دورها هو تمكين اليمنيين في المناطق المحررة.

ومع أن هذا التصريح لم يكن يعني تخلي الإمارات عن نفوذها في اليمن، فإنه من المرجح أنها كانت جادة في الإبقاء على نفوذها عند الحد الذي كان قد وصل إليه؛ وذلك وفقًا للمؤشرات الآتية:

تزامن الإعلان الإماراتي مع الجهود التحضيرية لإطلاق مشاورات شاملة في الكويت بين الحكومة الشرعية وتحالف الحوثيين وصالح، كما جاء في سياق النقاشات الأمنية بين السعودية والحوثيين في الظهران لإنهاء المواجهات على الحدود، وهذا كافٍ لإقناع الإمارات بوجود حل سياسي شامل وقريب ينهي النزاع، ويرتب لمسألة سحب القوات الأجنبية.

لم تشهد فترة انعقاد مشاورات الكويت (أبريل – اغسطس 2016م) تحركات إماراتية أحادية لتعزيز نفوذها أو خطوات يفهم منها تحدي السلطة الشرعية على الأرض.

دعمت الإمارات صيغة الحل السياسي المطروحة في مبادرة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري، والقائمة على تفويض الرئيس هادي صلاحياته لنائب توافقي، وأيدت قيام نائب الرئيس ورئيس الوزراء خالد بحاح بهذا الدور.

بقاء الرئيس السابق صالح في المشهد وحضوره بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أي تسوية سياسة كان عنصر اطمئنان إضافي للإمارات بشأن عدم تعرّض نفوذها في اليمن للتقويض.

مرحلة تعظيم النفوذ: بدأت هذه المرحلة عقب فشل مشاورات الكويت وامتدت حتى إعلان الإمارات سحب قواتها العاملة في اليمن، وقد شهدت تصعيدًا إماراتيًا باتجاه توسيع دائرة السيطرة والنفوذ؛ لتشمل المزيد من المحافظات الجنوبية ومناطق الساحل الغربي لليمن.

واعتمدت الإمارات على أساليب متنوعة لتحقيق ذلك، منها افتعال الصدام مع الرئيس هادي والتصعيد ضد حكومته، وتوظيف ورقة “انفصال الجنوب” عبر تشكيلها المجلس الانتقالي الجنوبي، وتكوين قوات تابعة لطارق صالح ونشرها في بعض مناطق الساحل الغربي، كما نفّذت إنزالًا لقوات وآليات عسكرية في جزيرة سقطرى أثناء وجود الحكومة في الجزيرة بداية العام 2018م.

على الصعيد السياسي تمكنت الإمارات فعليًا من إنهاء الدور القطري في تحالف دعم الشرعية بزعم تعامل الدوحة مع الميليشيات الحوثية والقاعدة؛ وبذلك أضعفت احتمالات إعاقة التوسع الإماراتي من قبل قوى محلية.

كما رفضت التقارب مع حزب “الإصلاح” الإسلامي بعد تصفية الحوثيين حليفها الرئيس السابق صالح.

مثّلت هذه المرحلة ذروة النشاط الإماراتي من أجل توسيع النفوذ وتدعيمه بأدوات محلية موالية، وأسفر نشاطها عن سيطرة إماراتية مباشرة أو شبه مباشرة على موانئ وجزر يمنية عدة.

ونتج عنه أيضًا سيطرة الموالين لأبوظبي في قوات المجلس الانتقالي على أربع محافظات جنوبية هي عدن ولحج وأبين وسقطرى، وتقويض كامل لسلطة الحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة، وإضعاف مركزها السياسي على المستويين المحلي والدولي.

مرحلة تثبيت النفوذ: نجحت بعض القوى الدولية (في طليعتها بريطانيا وروسيا) في منع سيطرة القوات اليمنية المدعومة من التحالف على مدينة الحديدة أقصى الساحل الغربي لليمن.

وتوصلت الحكومة مع الحوثيين في ديسمبر 2018م إلى اتفاق أنهى التصعيد في الحديدة (اتفاق ستوكهولم)، وكانت من نتائجه غير المباشرة وضع حدٍ لطموحات الإمارات في التوسع باتجاه الحديدة.

وبالتالي فقد تركز اهتمام الإمارات عقب اتفاق ستوكهولم على تأمين ما تحقق لها من مكاسب جيوسياسية خلال المرحلتين السابقتين، دون خوض معارك جديدة لتوسيع النفوذ في إطار حرب لم يعد من معنى للمزيد من التورط فيها بنظر الإمارات؛ حيث كانت قد وصلت إلى “نقطة تراجع المكتسبات”.

نهاية يونيو 2019م أعلنت الإمارات سحب قواتها وعتادها الحربي من اليمن، مع تأكيد بقائها ضمن التحالف، ولكن في إطار استراتيجية “السلام أولًا” والتركيز على محاربة الإرهاب.

وترددت تصريحات رسمية لمسؤولين إماراتيين مفادها أن القوات التي دربتها الإمارات في اليمن، والتي وصل عددها إلى 90 ألف عنصر، قادرة على تثبيت الاستقرار.

وفي أغسطس/ آب 2019م شنّت الإمارات غارات جوية ضد القوات الحكومية أثناء المواجهات مع مسلحي المجلس الانتقالي بزعم الدفاع عن النفس ضد هجمات إرهابية وشيكة.

وكانت الغارات إشارة واضحة إلى عزم الإمارات التدخل مباشرة ضد الحكومة اليمنية رغم إعلان الانسحاب، في حال تعرّض نفوذها للخطر.