موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

دراسة: تراجع التعليم في الإمارات.. تجريف الهوية وضعف الدور الحكومي

371

أصدر مركز الإمارات للدراسات والإعلام “إيماسك“، دراسة تحليلية تتناول ملف لجوء الإماراتيون إلى سوق المدارس الخاصة، بين مطرقة تجريف الهوية وسندان ضعف الدور الحكومي.

وذكرت الدراسة أن قطاع المدارس الخاصة في دولة الإمارات نما بشكل سريع ليلبي بشكل أساسي احتياجات السكان الوافدين في الدولة، ويوفر مجموعة واسعة من عروض المناهج مع لغات مختلفة للتعليم.

لكنه انسحب بعدة صور وأشكال إلى الطلاب الإماراتيين الذين يتزايد عددهم في المدارس الخاصة وعزوف عن المدارس الحكومية.

وفق أحدث البيانات يعتبر سوق المدارس الخاصة في الإمارات هو الأكبر في العالم لكن ذلك يأتي على حساب التعليم الحكومي.

وتشكل المدراس الخاصة (حسب إحصائيات 2021) أكثر من 56% من جميع المدارس في الدولة، 725 مدرسة خاصة، مقارنة ب564 مدرسة حكومية.

كما أن عدد الطلبة في المدارس الخاصة هو الأعلى في العالم حسب ما يفيد تقرير “ISC Research” بقرابة 800 ألف طالب.

وتحتل الصين المرتبة الثانية بعد الإمارات، بعدد 419 ألف طفل، بينما تأتي الهند في المرتبة الثالثة بعدد 316 ألف تلميذ؛ على الرغم من أن عدد سكان الإمارات 9.7 مليون نسمة، والصين 1.4 مليار، والهند 1.3 مليار.

يتلقى ثلاثة أرباع الطلبة في الإمارات التعليم في المدارس الخاصة (75%)، فيما يستمر تراجع عدد الطلبة الإماراتيين في المدارس الحكومية ما يؤدي إلى مشكلات متعددة.

على سبيل المثال بلغت نسبة الطلاب الإماراتيين في المدارس الخاصة مقابل المدارس الحكومية (احصائيات 2020): دبي 60%، وفي أبوظبي 38.8%، وبنسب أقل في الإمارات الشمالية الأخرى.

يزيد نسبة هجرة الطلاب الإماراتيين من المدارس الحكومية إلى الخاصة بين 2 إلى 3% سنوياً.

يدفع الآباء حياتهم من أجل مستقبل أبنائهم، أن يصبحوا شأناً في المستقبل قادرين على بناء أنفسهم وبلادهم، وهو أحد الهموم الأولى للمواطنين الإماراتيين، ولأجل ذلك يدفعون بأطفالهم إلى المدارس الخاصة.

يشير النموذج الآتي إلى دراسة حكومية حول أسباب تفضيل الآباء الإماراتيون المدارس الخاصة في دبي:

وهناك عدة أسباب يمكن أن نشير إليها في الآتي:

ضعف التعليم الحكومي: تعكس الأرقام تخلي المزيد من الطلاب الإماراتيين عن المدارس الحكومية من أجل التعليم الخاص.

تشمل الأسباب الرغبة في الحصول على منهج دولي يسهل الالتحاق بالجامعات الأجنبية، فضلاً عن القلق بشأن جودة التعليم في القطاع العام. التعليم الحكومي في الدولة المتغيّر من حيث الأنظمة والمناهج الدراسية يسبب المزيد من الإرباك للطلبة وأهاليهم.

النقص المدارس الحكومية: تقوم الإمارات بإنشاء مجمعات سكانية جديدة للمواطنين، ومع غياب المدارس الحكومية في المناطق السكنية يدفع الطلاب الإماراتيين إلى التحول إلى المدارس الخاصة.

يكشف تقرير رسمي عام2020 أن 60% من المدارس الحكومية باتت تسجل شواغر من الطلبة المواطنين، نتيجة ابتعادها عن تجمعاتهم السكنية، أو نظراً إلى انتقال بعض الأسر إلى مناطق سكنية جديدة لا توجد بها مدارس حكومية.

المناهج الدراسية: يوفر قطاع التعليم الخاص المزدهر في دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من 17 منهجًا مختلفًا للطلاب.

وتزدهر المدارس ذات المناهج البريطانية والهندية والأمريكية؛ فيما تكاد تختفي المدراس الخاصة التي تعتمد على المنهج الإماراتي.

وكشف تقرير حديث أن المنهج البريطاني يظل الخيار الأكثر شعبية في دبي، لكن الأسر الإماراتية تفضل إرسال أطفالها إلى المدارس الأمريكية.

وعدد الطلبة الإماراتيين المسجلين في المدارس الخاصة بدبي بلغ 32.327 طالباً وطالبة، يلتحق أكثر من 60 في المئة منهم بالمنهاج الأمريكي، يليه المنهاج البريطاني بنسبة 24 في المئة.

وتقلص اعتماد المنهج الإماراتي بشكل مطرد العقد الماضي، على سبيل المثال في إمارة دبي كان هناك في العام الدراسي (2010/2011) 15 مدرسة خاصة من أصل 148 مدرسة تعتمد المنهج الدراسي التابع لوزارة التربية والتعليم ما نسبته 10% من عدد المدارس.

بعد أكثر من 10 سنوات زادت مدرسة واحدة فقط تقوم بتدريس المنهج الوزاري في العام الدراسي الجاري بنسبة (7%) من عدد المدارس الخاصة في الإمارة التي ارتفعت إلى 216 مدرسة منها 80 تعتمد المنهج البريطاني من 53 مدرسة عام 2011، و40 المنهج الأمريكي بدلاً من 32 مدرسة، و32 المنهج الهندي.

وتقلصت نسبة الطلبة المنتسبين للمدارس الخاصة ذات المنهج الإماراتي من 8.2% عام (2011) إلى 4% فقط عام (2022).

على الرغم من أن نسبة الطلبة الإماراتيين الملتحقين بالمدارس الخاصة ارتفعت خلال نفس الفترة من (18%) إلى (35%)-حسب احصائيات 2017.

مكانة اجتماعية أفضل: حسب دراسة فإن معظم الآباء الإماراتيين يرسلون أطفالهم إلى المدارس الخاصة لأنهم يعتقدون أن المدارس الخاصة في أبو ظبي لا توفر تعليمًا أفضل فحسب، بل توفر أيضًا مكانة اجتماعية أعلى في المجتمع.

الانفاق على التعليم الخاص في الإمارات

ومع هذا الطلب المتزايد من الإماراتيين على التعليم الخاص تأتي تحديات خطيرة متعلقة بإمكانية حصول جميع الطلاب على التعليم الخاص برسوم دراسية مناسبة.

وتشير دراسة جديدة (أغسطس/آب2022) أن 80 في المائة من الآباء في الإمارات ينفقون ما يصل إلى 40 في المائة من دخلهم الشهري لدفع الرسوم الدراسية، بينما يأخذ بعضهم قروضًا شخصية ويجازفون باستخدام مدخراتهم لتعليم أطفالهم[14]. وهو ارتفاع كبير عن دراسة مماثلة عام 2009 بأن الأسر تنفق بين 6 إلى 15% من دخلها على تعليم الأطفال.

ويتراوح الانفاق السنوي على الطالب الواحد في الدولة بين 10 ألف درهم إلى 105 ألف. وعادة ما ترتفع الرسوم الدراسية سنوياً بين 2 إلى 5% سواء في مرحلة ما قبل المدرسة أو الصف الثاني عشر. ولا تكتفي المدارس الدولية بالرسوم المدرسية، لكن تضيف إليها التكاليف الإضافية مثل الزي الرسمي والكتب المدرسية والنقل والأنشطة اللامنهجية.

فكيف سيكون حال ولي الأمر الذي لديه 4 أو 5 أبناء في التعليم الخاص؟

يشير الشكل التالي إلى رسوم المدارس في إمارة دبي على سبيل المثال خلال عام 2021:

تشير المدارس المنخفضة جداً في الرسوم الدراسية السنوية أقل من 10 آلاف درهم الرسوم، والمنخفضة بين 10-20 ألف، ومعظمها مدارس إيرانية، هندية، باكستانية، ولا تحظى بقبول الإماراتيين.

وتشير المدارس ذات الرسوم المتوسطة إلى المدارس ذات الرسوم الدراسية التي تتراوح بين 20-30 ألف درهم إماراتي.

أما المدارس ذات الرسوم المرتفعة إلى المدارس التي تتراوح رسومها الدراسية بين 30-50 ألف درهم في السنة، وتحيل الرسوم المرتفعة جدًا إلى المدارس التي تزيد رسومها عن 50000 درهم، وهي المدارس التي معظم تصنيفها بين الجيد والجيد جداً وذات مناهج بريطانية وأمريكية.

المخاوف والآثار الوطنية

في دولة الإمارات يفوق عدد الطلاب المقيمين (في القطاع العام والخاص) الطلاب الإماراتيين، كما يفوق عدد المعلمين غير المواطنين بعدة أضعاف، معظمهم من الإناث في الحلقة الأولى (الصف الأول إلى الخامس). وشهدت السنوات الخمس الأخيرة استقالات جماعية للمعلمين الإماراتيين الذكور.

كما يستمر القطاع التعليم الخاص بتقزيم القطاع العام. فعلى المدى المتوسط والطويل، مع دخول المزيد من المواطنين إلى القطاع الخاص، تظهر أسئلة كثيرة تتعلق بـتأثير ذلك على نظام التعليم العام وعلى التماسك الوطني والهوية الوطنية.

نظرًا لأن غالبية الأطفال الإماراتيين يتلقون تعليمهم ومناهجهم لثقافة وهوية غير الهوية الوطنية الجامعة. فمن المهم أن تقوم السلطات الرسمية في التفكير في المعايير والقيم التي تنقلها جميع المدارس إلى الطلاب الذين يحضرونها.

كما أن هناك مخاوف مشروعة بشأن استخدام اللغة العربية وأن تصبح لغة ثانية بدلاً من لغة أولى في الإمارات، بالإضافة إلى قضايا تتعلق بالدين والثقافة.

نشير إلى بعض هذه الآثار المؤثرة على تغريبة إماراتي المستقبل عن بلده.

مشكلة تتعلق بالهوية: هناك جدل حول ما إذا كان من الممكن تنمية الهوية الوطنية والعالمية جنبًا إلى جنب. البحث الأكثر شمولاً في هذه الأمور هو دراسة مدتها سنتان على أكثر من 80 طالبًا من سبع مدارس دولية في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الجنوبية وآسيا.

خلصت هذه الدراسة إلى أن التأثيرات المختلفة تؤثر على هوية الطالب، بدءًا من بلد الطالب وأولياء الأمور / البلدان الأصلية بالإضافة إلى المدارس التي التحق بها.

أما فيما يتعلق بتأثير المدارس الدولية على الهوية الوطنية لأطفال البلد المضيف في حالة خلل التركيبة السكانية -كما في الإمارات ودول خليجية أخرى- فتكاد تنعدم الدراسات التي تدرس تأثير المدارس الخاصة إلى جانب قلة المعلمين المواطنين في هذا القطاع أقل من 1% (وهو خلل يمتد إلى القطاع الحكومي).

ويبدو أن الدولة ستواجه هذا الخطر مبكراً مقارنة ببقية دول الخليج العربي (حسب بيانات 2015) تعتبر الإمارات الأعلى بين دول الخليج العربي في عدد الطلاب الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً بنسبة (72%).

يتعاظم ذلك في المدارس الخاصة ما يعني أن معظم الطلبة الإماراتيين يبدون أقلية كبيرة بين أقرانهم: ثلاثة إلى أربعة طلاب مقيمين بجانب طالب إماراتي.

ومعظم الطلبة الإماراتيين يلتقون منهجاً تبعاً للمدرسة التي يدرس فيها (أمريكية- بريطانية- بكلوريا دولية.. الخ)، ويتحدث بلغة انجليزية مع الطلاب الأخرين كوسيلة للتواصل، ويتلقى الدروس عبر معلم بلغة مختلفة عن لغته الأم ويملك قيماً وعادات وتصورات مختلفة تنعكس بطبيعة الحال على الطلبة الإماراتيين؛ حيث يقضون معظم وقتهم طوال السنة في هذه المدارس والتكاليف والواجبات المتعلقة، وبنسبة أقل مع العائلة.

والتعليم الخاص يزحف مسيطراً على التعليم العام، مستهدفاً الهوية؛ إذ أن أنظمة التعليم العامة ضرورية لبناء وتعزيز الهوية الوطنية والمواطنين الصالحين.

كما أنها بيئة ملائمة لالتقاء الطلبة الإماراتيين المواطنين وتعارفهم من خارج عائلاتهم ضمن هوية وطنية واحدة “إماراتية”.

إضعاف التعليم العام: يمكن القول إن الدفع النشط نحو التعليم الخاص في الإمارات وبقية دول مجلس التعاون الخليجي يضعف قطاعات التعليم العام، حيث قد يتم توجيه الموارد التي كانت ستخصص في السابق إلى المدارس العامة إلى التنظيم والإشراف على المدارس الخاصة التي يلتحق بها المواطنون.

هناك أيضًا احتمال هجرة الأدمغة، حيث قد يتم سحب الطلاب المتفوقين من القطاع العام إلى القطاع الخاص؛ ما يجعل الأمر أكثر سوءً للطلاب في القطاع العام عند مستوى موحد من التوفق.

في إمارة دبي على سبيل المثال، حيث كان هناك أجندة خصخصة نشطة على مدى العقد الماضي، كان عدد المدارس الحكومية يتقلص بشكل مطرد، بما فيها تلك المدارس التي تُركت تلبي احتياجات الأسر التي تعيل عدد كبير من الأطفال أو فقيرة.

سيطرة عدم المساواة: كما أشرنا فإن اتجاه الآباء نحو التعليم الخاص يقلل من قيمة نظام التعليم العام، فعندما يحصل استنزاف من العام إلى الخاص، يبدأ الناس في أن يصبحوا أقل استثمارًا في النظام العام: يقوم الآباء الأغنياء بدفع أبنائهم من المدارس الحكومية إلى المدارس الخاصة.

وغالبًا ما يكون لها تأثير على أن تصبح المدارس العامة نوعًا ما مجالًا لمحدودي الدخل ومجموعات اجتماعية منخفضة.

كما أن التعليم العام -علاوة على تعزيز الهوية الوطنية وتلاحم المجتمع- فإنه بيئة رائعة تساعد الطلاب على الشعور بالمساواة، والتعلم من بعضهم البعض، والتعاطف مع الآخرين، والالتقاء بالطلاب الذين قد لا يلتقون فيهم في دوائرهم الاجتماعية العادية.

خلال السنوات الأولى لتأسس دولة الإمارات التحق أطفال حكام كل إمارة بالمدارس العامة مع عامة أطفال المجتمع، وكونوا علاقات محبة وتواصل مع بقية الطلاب.

يجب أن يكون التعليم العام مصدر فخر للمسؤولين والمواطنين الإماراتيين، ويستحق الاستثمار فيه وهو أمر حاسم لضمان النجاح طويل الأجل لجميع المواطنين.

ضعف اللغة العربية: بالإضافة إلى تدريس اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، تُستخدم اللغة الإنجليزية أيضًا كلغة تدريس لتدريس العلوم والرياضيات في مدارس الدولة، ما خلق مشكلة أخرى تؤثر على نظام التعليم، ألا وهي ضعف مستوى الطلبة في اللغة العربية.

يقول طلبه إماراتيون وعرب إنهم لم يحصلوا على أي نوع من مهارات التواصل باللغة العربية في المدارس أو الجامعة، وحتى على المستوى المهني، ذلك أن التعليم بأكمله باللغة الإنجليزية.

كما قامت الدولة بمراحل دمج اللغة الإنجليزية، وهي اللغة المستخدمة بشكل شائع للتواصل مع المقيمين، وأثيرت نقاشات حول المخاوف من فقدان الأطفال المواطنين القدرة على التواصل بشكل صحيح باللغة العربية.

تساهم هذه المخاوف الحالة السكانية الفريدة في الإمارات وهو خلل التركيبة السكانية (89% من الوافدين و11% مواطنين)، لذلك على الرغم من أنه من الجيد أن يلبي التعليم الخاص “كسوق” احتياجات السكان المقيمين في الدولة.

إذ يلجأ المقيمون لتعليم أطفالهم في مدارس تنتمي للغتهم وهوياتهم، فغالبيتهم عابري سبيل بعقد عمل وسيعودون إلى أوطانهم في يوم من الأيام ويحتاجون إلى تعليم وهوية تسهل دمج أطفالهم في حالة العودة.

لكن في حالة المواطن الإماراتي في المدارس الدولية يكسب معرفة جديدة واندماج أسرع فيما يعرف “بالمواطن العالمي” لكنه يفقد الانتماء لهوية الدولة واللغة الأصلية؛ وهو أمر تحتاج السلطات لمعالجته فهذه مهمتها.