موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

الإمارات: سجل أسود من تعاقدات التجسس وحملات تشويه السمعة

468

تسلط وثائق سرية مسربة حديثا السجل الأسود لدولة الإمارات في إبرام تعاقدات التجسس وحملات تشويه السمعة عبر جماعات الضغط المشبوهة.

والوثائق جزء من تحقيقات “أسرار أبو ظبي” المستندة الى وثائق سرية حصلت عليها Mediapart وشاركتها مع أعضاء شبكة الإعلام الأوروبية للتحقيقات (EIC)، ووسائل الإعلام السويسرية Heidi News وRSI Television وDomani (إيطاليا) وموقع “درج” (لبنان).

تكشف التحقيقات عن أنشطة شركة ALP ودورها في تقديم خدمات استخباراتية للإمارات، تحوي الوثائق آلاف الصور، ورسائل الواتسآب، والتسجيلات الصوتية والنصوص التي حصلنا عليها عبر مجموعة من القراصنة، الذين حاولوا في البداية بيع  الوثائق ولكن بالنتيجة، وعبر وساطات، سُلمت الى الصحافيين من دون أي مقابل مادي.

إذ تعاقدت الإمارات مع “ملك المحققين الخاصين”، لتشويه سمعة خصومها. ماريو  بريرو، سويسري سبعيني معروف أيضاً بلقب “بابا المحققين”، يدير شركة “مرتزقة لكن بأخلاق” حسب ما يقول.

وقد تمكن على مدى أكثر من ثلاثة عقود من أن يكون واحداً من أبرز مديري شركات التجسس الخاصة التي عملت لحساب أوليغارشيين روس ومليارديرات فرنسيين، من بينهم الفرنسي برنارد أرنود  Bernard Arnaud والرئيس الكازخستاني المخلوع نور سلطان نزارباييف.

منذ عام 2017، يتنقل ماريو بريرو على حساب الإمارات بين الفنادق والمطاعم الفاخرة، متملقاً مشغليه ومستهدفاً  كل من “يظن” أنه منحاز الى قطر أو منتمٍ الى الإخوان المسلمين.

في صورة يرجّح أنها التُقطت في أبو ظبي، نرى رجلاً مُرتدياً الغترة والعقال الخليجي، وتعتلي وجهه نصف ابتسامة لا يمكن تفسيرها بدقة، لكن يمكن القول إن وجه السويسري “ماريو بريرو” يحمل ملامح سخرية.

الأمر أشبه بتنكّر من نوع ما أو شكل من أشكال التملق. كلا الاحتمالين يلائمان بريرو، صاحب شركة ALP السويسرية للخدمات الاستخبارية، التي تقاضت ملايين الدولارات لبيع أبو ظبي معلومات جُمعت في غالبيتها من مصادر مفتوحة وبعضها بطرق غير قانونية، من بينها التجسس واختراق الخصوصية.

بالعودة إلى بريرو، فما يعزز الشعور بسخرية الرجل، ما كشفته الوثائق من محادثات بينه وبين زبائنه الإماراتيين، إذ يظهر كمُساير مُتملقٍ، يُخاطب زبائنه بألقاب من نوع “سعادتك”، وبعبارات كـ “هذا شرف عظيم بأن نضع خدماتنا بتصرف بلدكم”.

بريرو شخصية كبريتية. هادئ ومبتسم في الظاهر، بخاصة في حضور الزبائن المتمكنين مادياً. ولكن في مقر الشركة في جنيف، وراء ظاهر مهني وصحي، تسود ثقافة خوف يعرفها كل من عمل عن قرب مع المحقق الذي راكم خبرات تقاطعت بين عوالم التجسس والمصارف والصحافة.

العاملون مع بريرو يعلمون أن الرجل لا يحترم أي نوع من أنواع الخصوصية. في مكتبه، مع فريقه المؤلف من عشرين شخصاً، ومع زبائنه أينما التقاهم، يسجل كل شيء، كل مكالمة وحديث ومراسلة، يحفظ التسجيل في أرشيف قد يأتي وقت ويحتاجه في حال تغيرت طبيعة العلاقة مع أي شخص كان.

لم يحسب بريرو أن يكون هو ضحية تسجيلاته التي تظهره كرجل من زمن آخر، يسخر من كل شيء ومن دون أي حساسية لأي اعتبار لأي معتقد. همه الوحيد، جمع المال، وفي التسجيلات لا يخفي كل ما ذكرناه.

غالبية المشاريع التي يتولاها تبدأ بدعوات يتلقاها إلى مناطق مشمسة، وفي فنادق فخمة تتخللها دعوات إلى العشاء وتناول المحار، ولقاءات لمناقشة خطط سرية وحملات مضادة بملايين الدولارات، تتخللها صور يلتقطها سراً لعملائه.

في العام 2017، كان الخلاف الإماراتي- القطري في أوجه، وحينها شكلت مقاطعة قطر من السعودية ومصر والبحرين والإمارات فرصة ذهبية لبريرو الذي يبحث دائماً عن زبائن جدد. بعد شهرين من اتصال أولي، توجه بريرو الى أبو ظبي، تلبية لدعوة مدفوعة التكاليف من الإمارات.

بدأت القصة صباح 7 آب/ أغسطس 2017، كان بريرو يبلغ يومها الـ 71 عاماً. من غرفته في فندق فيرمونت،  أرسل “بابا العمل الاستخباراتي” رسالة هاتفية جاء فيها “عزيزي مطر، نحن في أبو ظبي، في أجنحة فيرموت الرائعة.  شكراً مرة أخرى على هذه الدعوة. نحن بتصرفك بشكل كامل“.

كان بريرو في أبو ظبي لتوقيع عقد بناء على عرض قدمته شركته التي مقرها جنيف قبل ذلك بأسبوعين، وفي الاجتماع  مع الإماراتيين، شرح بريرو الخطة المؤلفة من 11 صفحة، أشار فيها بطريقة صريحة كيف يمكن لـALP أن تساعد الإمارات للتخلص من أعدائها عبر الإعلام، بفضل ما يعرف بالـ Black PR، يقولها بريرو بوضوح: “بإمكاننا أن ننال من سمعتهم بطريقة سرية إنما واسعة النطاق عبر نشر معلومات محرجة ومسيئة”.

لا نعرف الكثير عن مطر. ما تكشفه المعلومات أنه كان أول من التقى بريرو في أبو ظبي. بعد تلقيه الرسالة عبر واتسآب توجه بسيارته الى فندق فيرمونت ليقل ضيوفه قبل اصطحابهم إلى مطعم لبناني. خلال العشاء، أخذ بريرو صورة (بطريقة سرية) يظهر فيها مطر، رجل يبدو في الأربعين من عمره، ذقنه حليقة تضاهي بدقتها ترتيب بقية زيه المحلي.

لا يضيع بريرو أي وقت، وخلال العشاء يمهد لخطته التي يعلم أنها ستكون دجاجته التي تبيض ذهباً. يتحدث بحماسة عن قوة الـDark PR، “الخبراء يقولون إن هيلاري كلينتون خسرت الانتخابات بسبب الأخبار الكاذبة التي انتشرت عبر الإعلام التقليدي والسوشيل ميديا، وهذا ما سنفعله مع خصومنا”.

أبدى مطر سعادة كبيرة عندما سمع هذا الكلام، وفي اليوم الثاني كان لقاء ثان، وهذه المرة في مطعم سمك، عاد بعدها بريرو الى سويسرا، وأرسل إلى مطر رسالة نصيّة قال فيها:

“للحصول على مادة استخباراتية قابلة للتنفيذ، تكون كفيلة بتغيير قواعد اللعبة وفي الوقت نفسه مبنية على وقائع، ستكون نشاطاتنا معقدة للغاية، مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. نحن ملتزمون بهذه القضية. إنه التعاون الأول بيننا، وهي فرصة لمساندة قضية نبيلة لخدمة بلدك”.

الخريطة والخطة والملايين

تنفيذ استراتيجيّة بريرو واختيار الأشخاص تما عبر “خريطة” بالمعنى الحرفي، ومجلد من 161 صفحة باسم “أرنيكا”، نسبة إلى زهرة في سويسرا،  يحوي اسم أكثر من 1000 شخص من 18 دولة وعشرات المنظمات البحثية والخيرية، تدعي ALP أنهم “جميعاً” من الإخوان المسلمين أو المقربين منهم، وباستخدام الأسهم والمعلومات الشخصية رُسمت شبكة علاقات كبيرة تجمعهم، وكأنهم يتبعون شخصاً أو مؤسسة واحدة، وجهودهم كلها مُنسّقة.

الشكل الجدي للخريطة، والمجلد ذو الصور الملطخة بالدماء، يحوي هالة ما، لكن التمحيص به يكشف أن 80 في المئة من المعلومات فيه، علنيّة ومن مصادر مفتوحة، أي لا تحوي أي جهد استخباراتيّ أو تجسسي.

بل وبعضها قائم على الإشاعات والآراء الشخصيّة، مثلاً يتهم الملف الوزيرة زكية الخطابي من بلجيكا، وفاطمة زيبو (أستاذة علوم سياسية)، وآخرين لا علاقة لهم بالتنظيم، لكن تظهر أسماؤهم، لا فقط بوصفهم مع الإخوان بل مع أشخاص متهمين بالانتماء الى “القاعدة” وإرهابيين ومتهمين بجرائم قتل من دون أي دليل ومن دون أي وجه حق.

رحلات بريرو إلى الإمارات والولائم الفاخرة والـ presentations أتت بثمارها، إذ وقع أول عقد في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2017، ووفق الوثائق، حصلت شركة ALP على ما لا يقل عن 5.7 مليون يورو بين 2017 و2020، دفعت عبر مركز “الأرياف” للأبحاث التابع للإمارات.

تتضمن الخطة خداع صحافيين وشراء آخرين بهدف نشر مقالات تخدم مصالح الإمارات في وسائل إعلام أوروبية، وخصوصاً تشويه سمعة قطر.

اقترحت ALP استراتيجية متعددة الأبعاد ومستندة إلى معلومات حقيقية كي لا تثير الشبهات منها، شن حملة ضد كأس العالم والترويج لوسم #BOYTCOTT QATAR2022، التي بلغت ميزانيتها 95000 دولار شهرياً.

تضمن ذلك أيضاً الترويج لكتاب InQarcéré الذي كتبه رجل أعمال فرنسي سُجن في قطر لمدة 1744 يوماً، من دون حق، وبلغت كلفة الحملة 55000 دولار شهرياً، 35 ألف دولار منها دفعت مرة واحدة لخلق موقع إلكتروني مهمته الترويج للكتاب، كذلك تشير الوثائق إلى التكفّل بنشر كتاب “أوراق قطر” (Qatar Papers) الذي يفضح تمويل قطر لجمعيات إسلاميّة في أوروبا.

العداوة الإماراتيّة لقطر، لا يمكن أن تفسر بوصفها “أيديولوجيّة” بحتة، بل هي جزء من صراع المصالح الخليجيّة في العالم وخصوصاً أوروبا، التي تربعت على رأسها قطر، بعد حصولها على حق استضافة المونديال عام 2010.

تتضح هذه العداوة في رصد التواريخ، إذ بدأت “المقاطعة” الخليجية لقطر بتاريخ 5 حزيران/ يونيو عام 2017، وبعدها بشهر ويومين، وصل بريرو إلى فندق فيرمونت في أبو ظبي، وانطلقت عملية ”أرنيكا”.

تعاونت شركة ALP مع صحافيين في فرنسا كعثمان تازاغارت، الذي كتب مقالات في مجلة “ماريان” تنتقد الإخوان المسلمين وقطر، وحين طلبت منه ميديا بارت تعليقاً، أجاب “بأنه لا يرغب في التعليق على أي تفاصيل أو معلومات تتعلق بـ[هذه] القرصنة”.

امتدت أشكال التعاون هذه إلى استخدام شبكة من الصحافيين، بعضهم لم يكن يعلم أنه يتم استخدامه بهذه الطريقة، وآخرين مقابل بدل مالي، ونشرت ALP مقالات لصالح الإمارات في عدد من الصحف الأوروبية.

وعدت شركة ALP في ما يخص الإخوان المسلمين، بأن خطتها تضمن “تشويه سمعة التنظيم بشكل جدي، مع إمكان تدمير هذه السمعة بالكامل، بما يؤثر على استمراريته”، وهنا الجزء الأهم، الاستراتيجية التي اقترحتها ALP وقبلتها أبو ظبي أدت الى التجسس بطريقة غير قانونية على مواطنين في 18 دولة أوروبية، كما قامت Alp Services بتسليم أسماء أكثر من ألف شخص و 400 جمعية قالت إنهم ينتمون أو مقربون من تنظيم الإخوان المسلمين.

الاستراتيجية التي تتبعها ALP كانت بالتدريج، نشر مقالات مسيئة عبر “شبكة من الصحافيين الموثوقين”، والتلاعب بصفحات ويكيبيديا عبر إضافة معلومات محرجة ومسيئة.

وبعد ذلك التواصل مع المصارف وإعلام إدارة الـ compliance والتواصل مع الشركات المالية، أحد هذه الأسماء كان حازم ندى، وهو رجل أعمال مقيم في سويسرا ورئيس شركة تجارة النفط، الذي أفلس بسبب عملية خاصة من شركة ALP.

أما المرحلة الأخيرة، فتضمنت التواصل مع المؤثرين وصانعي القرار من السياسيين الأوروبيين.