موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

الإمارات حين تتحول إلى سجن للمفكرين والمبدعين

415

أبرز مركز مناصرة معتقلي الإمارات، واقع تحول دولة الإمارات إلى سجن للمفكرين والمبدعين في ظل اعتقال النظام الحاكم في أبوظبي عشرات الأكاديميين والخبراء بشكل تعسفي.

وأشار المركز إلى احتفال دولة الإمارات في الثاني من ديسمبر بالذكرى الـ51 لقيام الاتحاد الإماراتي المكون من سبع إمارات والذي تتأسس عام 1971، وهو اليوم الذي يطلق عليه في الإمارات “اليوم الوطني”.

وبحب المركز فإن المفارقة أن هذه المناسبة تمر في وقت مازال العشرات من أبناء الوطن يرزحون تحت وطأة الاعتقال التعسفي بسبب تعبيرهم عن رأيهم.

ومن بين هؤلاء المعتقلين، الأكاديمي الدكتور ناصر بن غيث، الذي يعد أول إماراتي يعمل محاضراً في جامعة السوربون – فرع أبوظبي- ، كما يعتبر من أشهر الخبراء الاقتصاديين على مستوى الوطن العربي.

ونظراً للقيمة الأكاديمية التي يتمتع بها بن غيث، فقد اختاره مجموعة من طلاب الماجستير في قسم القانون بجامعة أوسلو في النرويج، ليكون جزء من دراستهم، ونظموا حملة لمناصرته بالتعاون مع منظمة علماء تحت خطر.

لكن المكانة الفكرية والعلمية، ليست هي فقط ما يميز الدكتور ناصر، إذ كان رجلاً وطنياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ويحمل رؤية وطنية متفردة، أراد فيها أن ينقل الإمارات إلى مصافي الدول المتقدمة ديمقراطياً واقتصادياً وفكرياً.

بن غيث كان من أوائل الذين تحدثوا عن ضرورة تنويع المصادر غير النفطية، في وقت لم يكن هذا الطرح موجوداً في دول الخليج الغنية بالنفط، وكان كذلك أول من قرع الجرس بخصوص الأمن الغذائي وقضية الحبوب قبل أن تندلع أزمة روسيا وأوكرانيا بأكثر من 10 سنوات.

مواقف بن غيث الوطنية لم تكن مجرد أقوال للاستهلاك الإعلامي، بل كانت مقرونة بالأفعال، بل إنه كان يؤكد مراراً وتكراراً ويقول: “إن الوطنية ليست كلمة تقال أو مهنة تمتهن، بل هي أن تعتقد يقينا أنك تأتي بعد الوطن”.

وحينما كان البعض يكيل له التهم جزافاً بأنه يعمل مع الحرس الثوري الإيراني، رد عليهم بنشر صورته حين كان شاباً وهو يرتدي الزي العسكري، وكتب على الصورة: “يا هذا إن من تتهمه بالحرس الثوري رجل أفنى زهرة شبابه في حماية أجواء هذا الوطن عندما كنت أنت وأمثالك في فراشهم نائمين”.

في قاموس ناصر بن غيث، الوطن ليس الحيز الذي نسكنه بل الهم الذي يسكننا، وهو أكبر من مجرد فندق أو مطار، بل هو هوية وثقافة وإرث، ولا يجوز تدمير هذه الثقافة والإرث من أجل دراهم معدودة.

كان بن غيث يريد للإمارات أن تتطور مع حفاظها على هويتها العربية والإسلامية، وكان يخشى أن يكون هذا التطور على حساب الهوية الوطنية، ويبدو أنه كان صاحب نظرة ثاقبة، فما كان يحذر منه بالأمس قد بدأ يتحول واقعاً ملموساً.

أدرك بن غيث مبكراً أن الهوية الإماراتية وإرثها الثقافي هم من سيدفع ثمن خطط الحكومة الإماراتية، وكان يسأل من سيسكن هذه المشاريع الكبيرة إن لم يتم استقطاب الأجانب ومنحهم إقامات دائمة، وماذا سيكون مصير الهوية الإماراتية في حينها؟!

ورغم أن بن غيث كان معارضاً لسياسات الحكومة الإماراتية، لكنه لم يؤمن بالتوافق، وكان يؤكد بأن الوطن لا يحتاج إلى التنازع والاختلاف، بل إلى التسامح والائتلاف، ويردد دوماً بأننا نختلف بالآراء لكننا نتفق على الوطن.

وقد حذر بن غيث مراراً من الحروب الأهلية والصراعات العرقية بين أبناء الوطن الواحد، مؤكداً أنه لا منتصر في هذه الصراعات سوى أعداء الحرية والوطن، لكنه في الوقت نفسه انتقد أولئك الذي يعتاشون على الوطن، ويستغلون الوطنية لضرب أركان الوطن.

لم يكن بن غيث يريد من الحكومة الإماراتية أن تستمع له، أراد فقط أن لا تكمم صوته، ولم يطلب منهم أن يحفتوا به وبإنجازاته، بل طلب منهم أن لا يخونوه، وقال نحن لا نطلب الوطن كله بل نطلب منكم أن تشاركونا فيه.

كانت رؤية بن غيث للوطن جميلة، حالمة ورومانسية، لكن هذا الحلم اصطدم بحملات من التخوين، تبعها اعتقال واضطهاد مازال مستمراً حتى هذه اللحظة، ويبدو أن نبوءة الخبير الاقتصادي صدقت مرة أخرى حينما قال: “في بلاد العرب ..الوطن هو مجرد كذبة فيها طرفان، كاذب ومكذوب عليه”.

ويبدو أن الوطن الذي كان يعتقد بن غيث أنه ليس فندقاً، تحول بالفعل إلى فندق للأجانب وأصحاب الإقامات الدائمة والذهبية، وإلى سجن للمفكرين والمبدعين من أمثاله.