موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

تحقيق: الإمارات تتآمر لإفشال الجهود الدولية لإحلال السلام في ليبيا

95

أكدت تقارير متطابقة سعي دولة الإمارات إلى إفشال اجتماعات جنيف بشأن إحلال السلام في ليبيا خدمة لمؤامراتها بنشر الفوضى والتخريب في البلاد ونهب مقدراتها وثرواتها.

وتنسق الإمارات مع مصر عبر الاجتماع مع ممثلين لقائد مليشيات شرق ليبيا خليفة حفتر، بشأن التوافق حول محددات التحرك في الملف الليبي خلال الفترة المقبلة على المستويين السياسي والعسكري.

وقال مصدر دبلوماسي معني بالملف الليبي لصحيفة “العربي الجديد” الصادرة من لندن، إن اجتماعاً موسعاً حضره مسؤولون في جهاز الاستخبارات العامة وعسكريون مصريون، وممثلون عسكريون لحفتر، بالإضافة إلى محمد دحلان المستشار الأمني لولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، والمشرف على الملف الليبي لدى الإمارات.

وتناول الاجتماع إدارة المشهد خلال الفترة المقبلة، عسكرياً، وسياسياً على المستوى الدولي بحسب الصحيفة.

وأوضح المصدر أنه تمّ خلال الاجتماع تحديد الخطوط العامة التي يجب على ممثلي معسكر شرق ليبيا تناولها، وكذلك عدم تجاوزها، خلال مباحثات اللجنة الأمنية العسكرية “5+5″، التي انطلقت أمس في جنيف برعاية الأمم المتحدة.

وتتألف المجموعة من خمسة ضباط عن معسكر حفتر، وخمسة آخرين عن معسكر قوات الوفاق، حددت أسماؤهم سابقاً. وكان من المفترض أن تعقد أول اجتماع لها الأربعاء الماضي قبل أن يتم تأجيله.

كما أشار المصدر إلى أن الاجتماعات تناولت الترتيبات العسكرية على الأرض في محاور القتال حول العاصمة الليبية طرابلس، كاشفاً أنه تمّ تعديل بعض الخطط المتعلقة بتمركزات مليشيات حفتر بثلاثة من المحاور، بعد تزويدها بنوعيات متطورة من الأسلحة التي وصلت أخيراً إلى أيديها.

وبحسب المصدر، فقد تطرق الاجتماع إلى ضرورة تحديد آليات التعامل مع منظومة أسلحة متطورة وصلت أخيراً إلى قوات حكومة الوفاق الليبية من تركيا، مشيراً إلى أن هناك حالة من الاستنفار داخل معسكر حفتر للتوصل إلى مواقع انتشار منظومة دفاع جوي حصلت عليها حكومة طرابلس من أنقرة.

وأكد أن الأيام الماضية شهدت تقييداً كبيراً لحركة الطيران القتالي في معركة طرابلس خشية استهدافه، موضحاً أن قوة الدفاع الجوي لقوات الوفاق تعاظمت بشكل كبير خلال الشهر الماضي.

وكشف المصدر أن القاهرة وأبوظبي اضطرتا في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، للدفع بطائرات قتالية متطورة لقصف أهداف عسكرية على مشارف طرابلس، في ظل صعوبة تحليق الطائرات المسيرة، وكذلك المقاتلات الليبية، على ارتفاعات كبيرة.

وأوضح المصدر أن المشاورات بشأن إقناع مصر بدخول قواتها المسلحة للمعركة لا تزال مستمرة من جانب السعودية والإمارات، للإسراع في حسمها وعدم إطالة أمدها، وهو أمر تتمسك القاهرة برفضه إلى الآن.

وكشف المصدر أنه بخلاف الحديث عن حزمة مساعدات عسكرية واقتصادية كبيرة لمصر حال موافقتها، فإنه تمّ التطرق لتعويضها بحصة من البترول الليبي لسد احتياجاتها، حال تم إنهاء المعركة وفرض حفتر سيطرته على الوضع برمته في ليبيا، وهو ما يرحب به الأخير، في ظل إبداء كل من الرياض وأبوظبي عدم حاجتهما لنفط ليبيا، مؤكدين أن معركتهما الأساسية هناك مع تيار الإسلام السياسي، وتركيا.

وأفاد المصدر بتسليم قوات حفتر منظومة تشويش متحركة مملوكة للجيش المصري، لمنع تحليق الطيران المسير الداعم لحكومة الوفاق، وشلّ حركته في معركة طرابلس، مؤكداً أنه بالفعل تراجعت بنسبة كبيرة حركة تحليق طيران القوات التابعة للحكومة الليبية المعترف بها.

وكان حفتر أكد للمبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة خلال لقاء جمعهما في بنغازي، السبت الماضي، خضوعه لشروط برلين وترتيبات جنيف، ومشاركة وفد يمثله في اجتماع 5+5، فيما بحث وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوفاق صلاح الدين النمروش، مع وفد أميركي يمثل مؤسسة جونز للاستشارات الأمنية والعسكرية، إصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية في البلاد.

وتظهر مسارات متقاطعة وأخرى متضاربة تبحث عن الحلّ في ليبيا، وعلى الرغم من وصول بعضها إلى مرحلة الترتيبات الأخيرة لعقد لقاءات واجتماعات بين الأطراف الليبية، إلا أنّها جميعا لم تصل لمرحلة التطبيق، في الوقت الذي لا تزال فيه ساحات القتال تشهد اشتباكات متقطعة في ظل هدنة هشة، تطمح الأمم المتحدة إلى تحويلها “لوقف دائم للقتال”، بحسب المبعوث الأممي غسان سلامة.

وأعلنت عملية “بركان الغضب”، عبر صفحتها الرسمية في “فيسبوك”، عن سقوط ثلاثة صواريخ “غراد” على منطقة أبوسليم، أكثر أحياء طرابلس اكتظاظاً بالسكان، ليل أول أمس الأحد، من دون أن تسفر عن خسائر بشرية، تزامناً مع استهداف مدفعيتها لمواقع تابعة لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في منطقة الوشكة، غرب سرت، ما تسبب في مقتل العشرات من مسلحي هذه القوات، من بينهم قيادي بارز، كما أعلنت.

وفي آخر مستجدات الأوضاع الدولية المتصلة بالشأن الليبي، قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، في تصريح لإذاعة “ZDF” الألمانية، إنه تقرر عقد اجتماع جديد في منتصف شهر مارس/آذار المقبل، لوزراء خارجية الدول المعنية بالملف الليبي، لإيجاد تسوية سياسية تُنهي الصراع الدائر منذ سنوات، من دون تفاصيل أخرى.

وفي الأثناء، وبعد تزايد الحديث عن تورط الإمارات في نقل آلاف الأطنان من الأسلحة لمعسكرات حفتر، قالت وكالة الأنباء الإماراتية، إنّ ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، تلقى اتصالاً هاتفياً من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، استعرضا خلاله المستجدات في ليبيا على ضوء نتائج مؤتمر برلين.

ونقلت الوكالة الرسمية حرص بن زايد “على مواصلة التعاون مع المجتمع الدولي لترسيخ أسس الأمن والاستقرار والسلام لشعوب المنطقة والعالم”، لكن ذلك لا يعكس سياسات الإمارات الحقيقية في المنطقة، فقد عاد موقع “إنتليجنس أونلاين” الفرنسي الاستخباراتي، ليكشف عن تورط إماراتي جديد في تمويل صفقة شراء ستّ طائرات صينية من طراز “سي إتش – 4” من سلاح الجو الملكي الأردني.

وكلّ ذلك لا يصب في إطار تحقيق حفتر لوعده الذي أعلنت عنه البعثة الأممية إثر انتهاء لقاء رئيسها غسان سلامة مع حفتر، السبت الماضي، بالخضوع لنتائج قمة برلين المعلنة في 19 يناير/ كانون الثاني المنصرم، وهو ما يراه أيضاً الناشط السياسي الليبي عقيلة الأطرش، الذي قال إنّ “الإعلان من جانب البعثة جاء مقتضباً جداً، فيما لم تتحدث قيادة حفتر كعادتها عن التفاصيل، بل لم تذكر أنّ حفتر التقى سلامة أصلاً”.

وكانت البعثة قد نشرت بياناً مقتضباً، مساء السبت، قالت فيه إن حفتر أكد مشاركته “في محادثات اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 المزمع عقدها قريباً في جنيف”، مشيرة إلى أن لقاء سلامة بحفتر “تطرق أيضاً إلى المسارين السياسي والاقتصادي”، من دون تفاصيل أخرى.

ويتابع الأطرش أنّ “الإمارات ودولاً عربية أخرى، خفت صوتها أخيراً على خلاف، ولم تتفق، حتى الآن، على ترجيح قرار عودة حفتر للقتال، وهو ما يفسّر وعداً شفهياً من قبل حفتر لسلامة بخضوعه لترتيبات جنيف”، لكنه أكد في الوقت ذاته أنّ “الإمارات التي لم تتوقف عن نقل الأسلحة لمعسكرات حفتر، ولا يبدو أنها ستنتظر كثيراً، وأنها راغبة بشدة في عودة القتال”.

وأصبح ميدان القتال يرتبط بأهداف عدة، ولا ينحصر بسيطرة حفتر على البلاد عسكرياً فحسب، بل أيضاً بإفشال مشاريع إقليمية أخرى، من بينها التحالف التركي مع حكومة “الوفاق”، والمرتبط بأهداف استراتيجية تركية في البحر المتوسط، كما أنّ توحد الموقف المغاربي ضد التدخلات الخارجية، ومن بينها التدخل الإماراتي، سيعجل في إشعال محاور القتال مجدداً وتوسيع رقعتها، وسيفشل أي محاولة دولية أو إقليمية للحلّ.

وفي الوقت الذي عقد فيه المجلس الأعلى للدولة في طرابلس اجتماعاً موسعاً مع الوفد الذي سيمثله في حوار جنيف لمناقشة “الثوابت والشروط التي سيبنى عليها الحوار مع ممثلي مجلس النواب”، مساء أمس الأحد، بحسب المكتب الإعلامي للمجلس، لا يزال مجلس النواب يعيش حالة انقسام وتشظٍ كبيرة.

ففيما لم يُعلن المجلس المجتمع في طبرق عن انتخابه لممثليه في حوار جنيف، ووصف أحد أعضائه، وهو محمد العباني، على صفحته الشخصية، الحوار بأنه “تدوير للنفايات السياسية”، مشدداً على ضرورة رفض النواب المجتمعين بطبرق المشاركة فيه؛ ولا يزال عدد من النواب المجتمعين في طرابلس يجرون لقاءات مكثفة مع مسؤولين بارزين في واشنطن، بهدف توضيح رؤيتهم من “عدوان حفتر على العاصمة”، و”المشاركة في حوار جنيف وشروط نجاحه”.

ويرجح الباحث الليبي في الشؤون السياسية بلقاسم كشادة، أنّ استمرار الخلافات المحلية المتصلة بأطراف خارجية هو الذي حدا بألمانيا إلى العمل على عقد لقاء جديد على مستوى وزراء الدول التي شاركت في قمة 19 يناير/ كانون الثاني، لـ”مناقشتها في موافقها التي لم تلتزم فيها بمخرجات القمة”، معتبراً أنّ “اتصال ميركل ببن زايد يعني بوضوح درايتها، والمجتمع الدولي أيضاً، بأنّ الإمارات هي عامل الفوضى، وساعي الإفشال الأول لحلّ الأزمة الليبية”.

ولا يعتقد كشادة أن لقاء الوزراء المرتقب في برلين سيأتي بجديد، مؤكداً أنّ بعثرة الجهود بتقسيم الحلّ في ست سلال، بحسب الخطة الأممية، ثم اختصارها في ثلاث مسارات في برلين، قبل أن تتوزع هذه المسارات بين جنيف للحوارين السياسي والعسكري، والقاهرة للحوار الاقتصادي، يعني “وجود أيدٍ خفية سعت لتشتيت جهود برلين مبكراً، ولا يمكن العودة للوراء، خصوصاً بعد فشل مجلس الأمن، الخميس الماضي، في إصدار قرار بناء على مخرجات برلين”.

وفي الأثناء، كشفت حكومة “الوفاق” عن وصول وفد أميركي إلى طرابلس، لمناقشة “سبل إصلاح وتطوير المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا” مع وزراتي الداخلية والدفاع، من دون أن يشير الجانب الأميركي إلى علاقة مساعيه بمخرجات برلين.

وهنا يؤكد كشادة أنّ واشنطن تسير في خط مستقل، بناء على رؤية خاصة بها لم تُعلن عنها. وقال: “ما يدل على ذلك أنّ الكونغرس يستعدّ، نهاية الشهر المقبل، لإقرار قانون أميركي خاص باستقرار ليبيا”، لافتاً إلى أنّ “تفاصيله المسرّبة حتى الآن لا تتقاطع مع مخرجات برلين، ولا المبادرات الدولية الأخرى، ما يعني مساراً أميركياً آخر”.

ويخلص كشادة إلى أن تلك المسارات والمبادرات لا تزال رؤاها بعيدة عن الواقع الذي “لا يزال السلاح هو الذي يملك الكلمة فيه، والأطراف ذاتها لم تتغير، سواء الداخلية أو الخارجية لدعم الجانبين، وكل منها يهدف من خلال دعمه لأي من الطرفين لأهداف تتجاوز حل الأزمة الليبية”.

ويرجح كشادة، بناءً على قراءته للمعطيات الحالية، إمكانية انزلاق الساحة لمواجهات عسكرية جديدة، “هي التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة، كونها على مشارف الفصل الأخير من الحرب الليبية على تخوم طرابلس ومصراته”، كما يقول.

وعلى الرغم من نشاط الدبلوماسية الألمانية في التحضير لمؤتمر برلين بشأن ليبيا، والذي انعقد في 19 الشهر الماضي (يناير/ كانون الثاني)، وتلته اجتماعات أخرى، إضافةً إلى زياراتٍ مهمّة قام بها مسؤولون رفيعو المستوى، فإنه لا تتوفر مؤشراتٌ واضحة على حلٍّ قريب لـ”المسألة الليبية”.

بل ربما تتحول أزمة ليبيا، بكل تفاصيلها وتشابكاتها المحلية والإقليمية والدولية، في الأشهر القليلة المقبلة، إلى صراعٍ دولي/ إقليمي شديد التعقيد، مثلما حدث مع أزمات/ قضايا استراتيجية عربية أخرى، بسبب ثلاثة عوامل متداخلة؛ أولها حالة الإرباك الحقيقية التي تسببت فيها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على الصعيدين العالمي والإقليمي، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً.

وثانيها زيادة تأثير العامل الخارجي، بشقّيه الدولي والإقليمي، إلى حدّ التحكم “شبه التام”، في مسارات العالم العربي.

وثالثها تصاعد تأثير سياسات الثلاثي، السعودي المصري الإماراتي، في إفشال الموجة الأولى من الثورات العربية، ومن بينها ثورة 17 فبراير الليبية، ما أوجد حالةً غير مسبوقة من الاستقطابات العربية، يفوق بمراحل “الحرب الباردة العربية” في عقدي الخمسينيات والستينيات بين أنصار الرئيس المصري جمال عبدالناصر والمعسكر العربي المحافظ، المناهض للسياسات الناصرية.

وفي هذا السياق، ربما يشكّل مؤتمر برلين بدايةَ مرحلةٍ شديدة الخطورة، بالنسبة للقضية الليبية خاصة، ولمسارات العالم العربي عامة، وهو ما يمكن إجماله في ثلاث ملاحظات:

أولاها أن السياسة الألمانية تحمّست، ربما لأول مرة منذ عقودٍ طويلة، لكي تلعب دوراً قيادياً في قضيةٍ ما، خارج إطار القارة الأوروبية، وخارج نطاق مهامها المعتادة في حلف شمال الأطلسي.

وعلى الرغم من زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، موسكو، ولقائها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ثم تنسيقها مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتشاورها مع العواصم الأوروبية الرئيسة، وكذلك مع تركيا لضمان نجاح المؤتمر، وقيام وزير الخارجية الألماني هايكو ماس بزيارة سريعة إلى بنغازي، للقاء اللواء الليبي المتقاعد، خليفة حفتر، على الرغم من ذلك كله، تجاهلت برلين دعوة المملكة المغربية التي وُقع فيها اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2015، وتأخرت في دعوة تونس، ما أدّى إلى اعتذارها عن عدم الحضور.

بيد أن الأهم من ذلك أن أغلب نتائج مؤتمر برلين قد تذهب أدراج الرياح، بسبب استمرار صراع الأدوار الدولية والإقليمية حول ليبيا، كما تكشفه ثلاثة مؤشرات؛ أولها غموض الموقف الأميركي في هذا الصدد، أخذاً في الحسبان، أن واشنطن تحاول عرقلة التفاهم الروسي التركي بشأن ليبيا، الذي قد يؤدي في المحصلة إلى جذب الجزائر نحوه، في ضوء علاقتها الجيدة مع موسكو وأنقرة، خصوصاً أن ثمّة شكوكاً بأن أميركا ربما استخدمت الإمارات، لكي تعرقل توقيع خليفة حفتر على إعلان وقف إطلاق النار في ليبيا، برعاية روسيا وتركيا، في 12 يناير/ كانون الثاني.

وعلى الرغم من أن السياسات الأميركية في عهد ترامب ربما تفتقد إلى “استراتيجية كبرى  تجاه إقليم الشرق الأوسط، فإن واشنطن لن تكون بعيدةً، على الأرجح، عن أي حل يتم فرضه في أزمة ليبيا، حتى لو بدت متثاقلةً، أو راغبةً في تحفيز أدوار حلفائها، مثل ألمانيا وتركيا، لكيلا تملأ روسيا “فراغات” التراجع الأميركي “النسبي”، بسبب إعراض واشنطن “المحسوب” عن الانخراط الكثيف في الإقليم، لأسبابٍ هيكليةٍ داخليةٍ أميركية، أي أنها لا تتعلق بالمحاكمة البرلمانية لترامب، ولا بالقلق على نتائج الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 2020.

وثانيها وجود انقساماتٍ في الموقف الأوروبي من الأزمة الليبية عموماً، وتململ فرنسا وإيطاليا وبريطانيا من صعود الدور الألماني الذي تجلّى في عقد مؤتمر برلين، وتنشيط حركتها الدبلوماسية نحو كلّ من روسيا وتركيا والجزائر، على نحو لافت. وقد يؤدي هذا التململ الفرنسي إلى استمرار دعم باريس حفتر، على الرغم من الاعتراضات الدولية “اللفظية”. في حين ربما تبحث روما، عن سبل وطرق جديدة لاستعادة الملف من يد برلين، حفاظاً على مصالح الشركات الإيطالية واستثماراتها، وحصتها من الثروة النفطية الليبية. أما بريطانيا فربما تسعى إلى إزعاج ألمانيا عبر سحب الملف الليبي إلى مجلس الأمن الدولي، وإعداد مسوّدة قرار لوقف نهائي للقتال في ليبيا، بغض النظر عن مسألة تحول المسودة إلى قرار أممي من عدمه.

وثالثها الدور الجزائري/ الأفريقي في الملف الليبي، سواء عبر دبلوماسية الجزائر، وهي أكثر الدول العربية/ الأفريقية قدرةً على فرض نفسها شريكاً للجهود الدولية والإقليمية في ليبيا، أم عبر القمة الأفريقية المرتقبة بشأن ليبيا، في العاصمة الكونغولية، برازافيل، بحضور روسيا، يوم 9 فبراير/ شباط الجاري. مع التأكيد على أن فرص الدبلوماسية الأفريقية في هذا الملف ستتزايد، كلما استطاعت دول جوار ليبيا بناء توافقات إقليمية ودولية حول تعزيز المسار السياسي في ليبيا، خصوصاً عبر التنسيق مع الثلاثي الروسي الألماني التركي، بسبب تصاعد دوره في هذا الملف.

وتتعلق الملاحظة الثانية بتكريس (تفاقم) التدخلات السلبية لسياسات الثلاثي، السعودي المصري الإماراتي، في القضية الليبية، مع تكريس استخدام جامعة الدول العربية “مطية” لتنفيذ هذه السياسات، على الرغم من تحول الجامعة إلى “ظاهرة صوتية”، غير ذات صلةٍ بأغلب القضايا العربية وتطلعات الشعوب، خصوصاً بعد الثورات العربية عام 2011.

ويبدو أن هذه الدول الثلاث لم تكتفِ بدعم خليفة حفتر ماليا وسياسيا وعسكريا، بل أصبحت السعودية تموّل مرتزقة تابعين لشركة فاغنر الروسية يقاتلون في صفوف قوات حفتر، بحسب ما ذكرته صحيفة لوموند الفرنسية، في تقرير نشرته 25 يناير/ كانون الثاني الجاري.

ولعل هذا يؤكد تأثير سياسات ثلاثي الرياض القاهرة أبوظبي في تسعير الصراعات العربية الأهلية، في اليمن وسورية وليبيا خصوصاً، وفي العالم العربي إجمالاً، عبر نقل الصراعات العربية العربية من الصراع بين النظم والسياسات، كما كان الحال أيام الرئيس جمال عبد الناصر، إلى صراعٍ داخل الشعوب والمجتمعات، أو داخل مكوّناتها الطائفية، والقبَلية/ العشائرية، والمناطقية/ الجهوية، ما أدّى، في المحصلة، إلى وضع مزيدٍ من العقبات أمام حل هذه الصراعات، سواء العربية البينية، أم الصراعات والحروب الأهلية التي باتت تضرب مناطق واسعة من الجغرافيا العربية، مع استثناءاتٍ محدودة.

وتتعلق الملاحظة الثالثة والأخيرة بعدم المبالغة في تقدير الدور الذي يمكن أن تلعبه القاهرة في تسوية الأزمة الليبية، لأن وضع النظام المصري، على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية، لا يسمح له بكثير من الحركة، سواء الدبلوماسية أم العسكرية، على الرغم من ارتفاع نبرة التصريحات والتهديدات المصرية أحياناً، كما حدث في موضوع سد النهضة مع إثيوبيا. ويواجه الدور الإقليمي لمصر معضلة كبرى تتمثل في تراجع مكانة القاهرة، بفعل عوامل متعددة، أولها تأثير تبعية السياسة المصرية للمحور الأميركي – الإسرائيلي، منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في 1978. وتعليق نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي آماله على الدعم المالي السعودي والإماراتي.

ومحاولة اللعب على الاختلافات بين السياستين، الأميركية والروسية، تجاه الشرق الأوسط، وسعي النظام المصري إلى توطيد علاقاته مع موسكو، والتنسيق معها أكثر في ملفات سورية وليبيا، ما يُوقع الدبلوماسية المصرية في مآزق وتناقضات كثيرة، بحيث تبدو سياسة مصر الخارجية كأنّها تُدار بـ “القطعة”، وأن ثمّة قراراً واضحاً بالوقوف ضد القضايا العربية الاستراتيجية، إذا كان ذلك يحقّق مصلحة آنية للنظام.

باختصار، قد تمرُّ أزمة ليبيا بتعقيدات أكبر بسبب تزايد مستويات “التدويل” و”الأقلمة” فيها، ما قد يؤدي إلى تمديد “المرحلة الانتقالية” التي تخيم على المشهد منذ ثورة 17 فبراير في 2011، والتي تفاقمت تداعياتها بسبب “الحل العسكري” الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر، عبر حملاته المستمرة على العاصمة طرابلس ومدن أخرى، منذ إبريل/ نيسان الماضي، والذي يعمل على إعادة إنتاج سياسات معمر القذافي ونظامه الشمولي، بصورةٍ أو بأخرى.