موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

دراسة: الإصلاحات السياسية التحدي الأكثر إلحاحًا في الإمارات

871

تمثل الإصلاحات السياسية التحدي الأكثر إلحاحًا الذي يواجه الإمارات في ظل انحدار وتراجع للهوية الوطنية للدولة جراء القمع والاستبداد المتبع من النظام الحاكم في أبوظبي.

وأكد مركز الإمارات للدراسات والإعلام “إيماسك” في دراسة تحليلية، الحاجة للإصلاح في الإنارات على الرغم من الاستقرار السياسي بفعل وجود خلل بنيوي أساسي بين وتيرة التنمية الاقتصادية للدولة والنمو السياسي.

وذكر المركز أن وتيرة التنمية الاقتصادية لا تتوافق مع النمو الاجتماعي للقوى الناشئة في الإمارات ما يعني أن الجيل الجديد أكثر مطالبة بالإصلاحات.

وبفضل التغيرات السريعة في اقتصادات النفط المزدهرة، تغيرت السياسات التقليدية في منطقة الخليج بشكل كبير على مر السنين، خاصة في دولة الإمارات، بسبب عوامل متنوعة مثل توسع المجتمعات، ونظم الإدارة المتقنة، وسهولة العلاقات المنتشرة بين أفراد المجتمع.

وكذلك العلاقة بين الوظيفة والمواطنين تعتمد على التعليم والمهنة، والمصالح المهنية، بالتزامن مع هذه التغييرات الاجتماعية والإدارية زاد التقدم التعليمي للشباب، وكنتيجة حتمية تزايد الوعي للأجيال الشابة بضرورة الإصلاحات السياسية.

وكان ذلك واحداً من النتائج التي أدت إلى تقديم عشرات الإماراتيين من مختلف التخصصات والمناطق الثالث من مارس /آذار 2011 عريضة تطالب بمجلس وطني اتحادي منتخب كامل الصلاحيات، عُرفت ب”عريضة الإصلاح”.

وبعد 12 عاماً أصبحت العريضة أكثر إلحاحاً، فيما بقي معظم الموقعين عليها في سجون السلطات رغم انتهاء فترة سجنهم، التي استمرت أكثر من عشرة أعوام.

وتقف المتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية خلال العقد الماضي وراء حتمية تبني الحكومة منهجية حقيقية للإصلاحات السياسية قد تتجاوز مساءلة وجود مجلس وطني اتحادي (كامل الصلاحيات).

التحدي الاقتصادي-السياسي

يتمثل التحدي الذي يواجه المسؤولين في أبوظبي في كيفية إعادة صياغة “صفقة الحكم” التي عززت على نطاق واسع الاستقرار الاجتماعي والسياسي لعقود من الزمن لكنها لم تعد تبدو مستدامة اقتصاديًا.

حتى عام 2014، كان الأمل السائد في الإمارات أن لحظة دفع المواطنين تكاليف حياتهم من رسوم إلى ضرائب وسداد فواتير الكهرباء والمياه، وقيمة البنزين، تعتبر قضية متوسطة الأمد، وأنه يمكن تجنب هذه القضية الحساسة سياسياً في الإنفاق أو التقليل منها.

لكن ذلك كان صعب للغاية حيث تسبب انخفاض أسعار النفط في تغيّر استراتيجية الدولة باتجاه التخلي عن تلك الامتيازات للمواطنين التي كانت مقابل الصمت السياسي.

وكانت الحكومة تقوم غالباً في حالة حدوث متغيّرات داخلية وخارجية تحفز السياسات الشعبوية، والامتيازات لإبقاء هذا الصمت سارياً.

كما حدث في لإجراءات التي قامت بها السلطة في 2011، من زيادة الموظفين واعفاءات القروض والوعود بإصلاحات التعليم، في تجنب مطالب الإصلاحات السياسية والحفاظ على الهياكل السياسية والاستقرار المحلي. ولكن كان لها عواقب غير مقصودة.

ولاحظ الاقتصادي السياسي ستيفن هيرتوج، حيث خلقت “تأثيرًا جذريًا يتطلب نفقات أكبر من أي وقت مضى خلال كل أزمة سياسية” لأن “من السهل رفع توقعات الشعوب لكن من الصعب كبحها”.

استمرت هذه السياسة خلال النصف الأول من العقد لتبدأ بعدها سلسلة من القوانين التي أثقلت كاهل المواطنين، وأثارت مخاوفهم من بين القوانين المتعلقة بمنح الجنسية، وفرص التوظيف.

وعاجلاً أم آجلاً، سيبدأ المواطنون الإماراتيون حتماً في الشعور بالألم-إذا لم يكن قد شعروا بالفعل- إذا أرادت الحكومة تحقيق نجاحات ذات مصداقية في مسار الإصلاح الاقتصادي.

إذ سيتطلب أي انتقال فعال نحو مستقبل حقيقي لما بعد النفط إصلاحات اقتصادية أعمق ترقى إلى إعادة صياغة ركائز الإنفاق على الرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية، ومعظم ما بقيّ مما تقدمه الحكومة كامتيازات للمواطنين.

بالإضافة إلى ذلك، لا يزال المسؤولون في الإمارات يدركون أن المحاولات السابقة في دول المنطقة الأخرى لتقليص الدعم ورفع أسعار الاحتياجات الأساسية والمواد الغذائية قد أثارت ردود فعل عنيفة في العديد من الحالات.

في يوليو / تموز 2005، قُتل العشرات وجُرح المئات في الاضطرابات التي اندلعت في أنحاء اليمن والتي حشدت عشرات الآلاف ضد خطط الحكومة لخفض دعم الوقود وزيادة سعر البنزين بنسبة 86 بالمائة والديزل بنسبة 165 بالمائة.

وفي 2012 تسببت زيادة في أسعار البنزين في الأردن أيامًا من الشغب والإضرابات العمالية في جميع أنحاء البلاد، على الرغم من إضافة حزمة تعويضات أقرتها الحكومة.

عادة ما تترك فترات التحول العميق تاريخياً الدول والمجتمعات عرضة لاندلاع العنف السياسي والصراع الاجتماعي، وهذا هو أسوأ سيناريو يرغب صانعو القرار في أبوظبي في تجنبه. وسيعتمد الكثير مما سيحدث لاحقاً على موقف الدوائر الحاكمة كعوامل للتغيير.

إذ كانت معظم الإصلاحات السابقة من أعلى إلى أسفل ويتحكم بها صانع القرار السياسي بشكل أساسي، لكن مع الأوضاع الحالية ستحتاج إلى الاستجابة للنداءات من الأمة الإماراتية كتغيير لإشراكهم في صناعة هذا القرار. وكانت عريضة (2011) رؤية متقدمة لتحقيق ذلك.

المتغيرات الجديدة

تقود التدابير الاقتصادية بعيدة المدى التي يجب على الإمارات اتخاذها دفة ضرورية لإحداث تغيّر في الهيكل السياسي للدولة يضمن وجود مجلس وطني كامل الصلاحيات يحفظ بقاء الاتحاد ويدفع بشكل أكبر في مسارات تقدمه وفق الخطط الموضوعة. نشير إلى بعض هذه المتغيرات التي حدثت خلال العقد الماضي.

العلاقة بالنخبة النخبة التجارية: يفترض أن استقرار السلطة يقوم على أساس من الفواعل الاقتصادية المؤثرة (النخب التجارية) الوطنية، والفواعل السياسية العاملة (النخبة السياسية).

كان هذا الأمر واضحاً في أسس الدولة حيث اعتمدت على الخبرات التجارية للحكام وعلاقتهم التجارية لتأسيس الاتحاد-لذلك الحديث عن النخبة التجارية في الدولة حساس أمنياً وسياسياً واقتصاديا- ماساهم في الاستقرار.

وتحدث الإشكاليات حين يكون الفاعل الاقتصادي فاعلاً سياسياً، أو يصبح الفاعل السياسي فاعلاً اقتصادياً، حيث يسيطر هؤلاء على المناصب الحكومية لتصبح العلاقة التبادلية فيما بين المسؤولين تخدم مصالحهم الشخصية ومصالح مؤسساتهم التجارية على سبيل المثال “احتكار السلع”، وهو ما يجعل اتخاذ التدابير الاقتصادية لمرحلة ما بعد النفط أكثر صعوبة.

لتجاوز هذه المسألة، المؤثرة على الاقتصاد، أبلغت الحكومة الاتحادية في نهاية (2021) بعض من أكبر العائلات التجارية في الدولة أنها تعتزم إزالة احتكارها على بيع السلع المستوردة ضمن خطة إصلاحات اقتصادية لجذب المزيد من الاستثمار.

كان هذا القرار صائباً بالفعل ويأتي استجابة للضغوط الدولية -وليس المحلية- والذي سيؤدي إلى استفادة المستهلك إذا انتقل النموذج من وكيل حصري إلى أكثر من موزع.

لكن هذا القرار يحدث ارباكاً سياسياً، حيث استخدمت العائلات التجارية -التي تشكل ما نسبته 90% من القطاع الخاص في الإمارات- في بعض الأحيان القنوات الرسمية وغير الرسمية لتحدي قرارات النظام السياسي حين تتعارض مع مصالحهم ذات الأهمية القصوى.

وكان لتحالفهما الوثيق دور في تجنب المطالب بالإصلاحات السياسية خلال العقدين الأخيرين، على سبيل المثال كان خيار العائلات التجارية الولاء للسلطات وزيادة الارتباط بها، رغبة في الحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي بسبب أحداث المنطقة عام 2011 فيما عُرف بالربيع العربي.

علاقة الحكومة بالقبيلة والثوابت

الإمارات هي دولة حديثة لكنها في الأساس قائمة على القبيل، وعند التأسيس أعطى المجتمع القبلي شرعية الحُكام وفقاً لعقد اجتماعي يقوم على أساسه “القبائل بالولاء والطاعة للشيوخ والتخلي عن حريتهم في التنقل (بصفة معظمهم من البدو الرُحل) والانتقال إلى الدولة الحديثة والهوية الجامعة، مقابل حفاظ الحُكام على قيّم البداوة، وهوية المجتمع ورعاية مصالحه وفرض الاستقرار والأمن وتحقيق الحقوق والحريات”.

خلال الأعوام الخمسة الماضية، تم تشريع قوانين واستراتيجيات تتجاوز هذه القيم من بينها:

إقرار قانون للتجنيس دون شروط تحمي الهوية الوطنية، بمعنى أن هناك مواطنين يقاسمون المواطنين الأصليين كل شيء لكن سيكونون بلغة وعادات وقيم مختلفة للغاية عن الإماراتيين.

ويعتقد المواطنون أنها مرحلة جديدة لديمغرافيا الدولة وتضخم العمالة الوافدة، فيما يبدو لتقويض فعالية المواطنين والقبائل الإماراتية في صد القرارات والسياسات التي تتعارض وهوية المجتمع وحاجته.

وإذا كان التجنيس أمراً مفتوحاً الآن فإن أبناء المواطنات الإماراتيات أولى من أي شخص أخر الذين حُرموا من جنسية وطنهم لأن والدهم ليس بإماراتي.

و”البدون” وأبنائهم الذين حرموا من الجنسية لأن أجدادهم أثناء تأسيس الدولة استمروا كبدو رحُل ولم يحصلوا على الجنسية مع استقرارهم في مسقط رأسهم وأراضي أجدادهم.

يثير الأمر غضب مختلف بين المواطنين حيث يقولون إن بعض الإصلاحات الأخيرة للحكومة تفيد الأجانب فقط. حيث يمكن للمواطنين الذين منحوا الجنسية حديثا الاحتفاظ بجواز سفر ثان، بينما لا يمكن للمواطنين والمولودين في الدولة ذلك.

مخالفة الشريعة الإسلامية

تعرف الإمارات باعتبارها مجتمع قبلي محافظ متدين، فهي هوية الدولة وروحها التي تسري لكن السلطات أقرت قوانين أُبيحت من خلالها الخمور، والمساكنة بين الأشخاص دون زواج أو ضوابط، وفُتحت دور السينما دون منع المشاهد أو تعديل الأفلام التي تحتوي على محتوى للبالغين.

بل وأدخلت الأفلام للفئة العمرية التي تزيد على 21 عاما إلى نظام تصنيف محتوى الصور المتحركة.

وأصبحت الإجازة الأسبوعية يومي السبت والأحد، وسيكون يوم الجمعة يوم عمل بدوام جزئي! وجرى تقليص دراسة منهجي الإسلامية واللغة العربية في المدارس.

وتهدد القوانين الجديدة تلاحم الأسرة الإماراتية، وتدفعها أكثر نحو مخاوف تخصّ التربية في محيط واسع من القوانين التي تعاقب الآباء وتحرمهم من دورهم التربوي، ما ينتهك خطاً أحمراً جديداً كان الدستور قد شدد عليه في مادته الخامسة عشرة: الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والاخلاق وحب الوطن، ويكفل القانون كيانها، ويصونها ويحميها من الانحراف.

ولمنع الانتقاد من المجتمع جرى فرض رقابة صارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، والانترنت، وعززت العقوبات في القوانين السالبة لحق الرأي والتعبير.

وبينما تكن المساجد هي من تتحدث عن هذه الأمور المخلة في دولة إسلامية، قامت السلطات خلال السنوات التي سبقت هذه القوانين بفرض رقابة واسعة على المساجد التي سُلمت إلى “الطريقة الصوفية”، وحظرت غيرها من المذاهب الإسلامية من الدعوة أو إدارة أي مسجد. وتتحدث عن نسخة جديدة من “الإسلام” بناءً على استشارات يقدمها مستشارون غربيون للحكومة.

وكل ذلك على الرغم من السوء الذي يبدو عليه إلا أنه كان مقدمة لتخلي الدولة عن المصدر الرئيس للتشريع.

ولتمرير هذه السياسات المحلية جرى خلال السنوات الماضية عملية هندسة للمواطنين والشباب فيما عُرف “مواطنون جاهزون للعولمة”، أفرادًا “أكثر توجهاً نحو السوق وريادة أعمال وعقلية “مدنية” تتلاءم والاستراتيجية الجديدة القائمة على القوانين الغربية لا تناسب وهوية ومجتمع الإمارات. ما أشعر شيوخ قبائل أن السلطات تتعامل مع المواطنين كـ”قوالب جاهزة للتعديل”، وهؤلاء المواطنون هم أبناء هذه القبائل.

الهوية ومفهوم المواطنة

برزت خلال السنوات الـ12 الماضية تعريفات للمواطنة وللهوية الوطنية. وفيما تسعى الحكومة لبناء هوية وطنية قومية لمواجهة سيل الانتقادات والالتفاف على مطالب القبيلة ببناء مجتمع الدولة، وهي جهود جيدة لكنها تتعمد -كما يبدو- إبعاد أسس الدولة والقبيلة كجزء من هذا الإدماج في بناءها.

أما المواطنة فحولته الحكومة إلى جزء من دعاية سياسية عادة ما استخدمته الدكتاتوريات في الوطن العربي، فمفهوم الوطنية في البلاد العربية هو مفهوم سياسي بحت يرسمه الساسة للجماهير للحفاظ على مستوى وطُرق الحُكم والرضى عن أساليب الاستبداد والقمع.

لذلك فإن الحكومة ليست بحاجة إلى بناء مفاهيمي جديد للمواطنة-كما فعلت خلال السنوات الماضية- ومحاولة فرضه على المواطنين، إنها بحاجة للتخلي عن سلوك وصم المواطنين المنتقدين بغير الوطنيين وتشويه صورتهم.

كما أن عليها البدء فعلياً في تفعيل المواطنة الحقيقية وسط هذا الخلل الكبير في التركيبة السكانية. ولأجل ذلك من شأن المشاركة ثنائية الاتجاه في تفعيل المواطنة وتعزيزها أن تؤدي إلى تحصين المجتمع ضد التغيرات والمؤثرات الخارجية.

وعلى السلطات الإماراتية أن تعيّ أن المواطنة هي مشاركة إيجابية ذات اتجاهين من الأعلى والأسفل في صنع القرار والسياسات، الأمر الذي يتطلب إدماج كل فئات المجتمع وجماعاته في أطر وطنية واحدة، ومستندة على مبدأ الحقوق المتساوية للمواطنين، كما آن الأوان لاستيعاب المواطنين والمسؤولين أن المواطنة هي مشاركة وتمكين ومساءلة.

من بين المعالجات الأكثر أهمية معالجة الفجوة بين المشاركة السياسية والثقافة السياسية في الدولة، حيث أن نسبة المشاركة السياسية أقرب إلى المعدوم، فيما ثقافة المواطنين الإماراتيين السياسية في أعلى مستوياتها.

اختلال مفهوم الصمت السياسي

كان العقد الاجتماعي يقوم على مساحة تمنحها الدولة للقبيلة، مقابل انتقالها للمدن لإرساء دعائم الدولة الاتحادية، بعد اكتشاف النفط. ويشير المحللون وصناع القرار أن العقد الاجتماعي قائم: على توزيع ريع النفط على المواطنين -كحق وليس منحة- مقابل الصمت السياسي.

لكن قضايا مثل الفساد والافتقار إلى المساءلة الديمقراطية والطبيعة القسرية المتزايدة للدولة الأمنية وأجهزة الأمن التي تقودها أبوظبي، بدأت تثير غضب قطاعات من الطبقة المتعلمة خاصة الشباب.

واقترن هذا بموقف سائد بين جيل الشباب، الذي يرى فرض ضرائب ورسوم على المواطنين بسبب الأزمات الاقتصادية، والقِتال خارج الحدود، والتجنيد الإجباري، اعتداء على حقوقه الأساسية الدنيا، ومطالبته بتمثيل شعبي حقيقي يراقب عمل السلطات ويشرع القوانين بدلاً من البقاء في صمت.

ويرى جون لوك -أحد منظري نظرية العقد الاجتماعي- أن الحكومة قائمة ما دامت أمينة على واجباتها وكل ما أعطاه للمجتمع هو حق تغيير السلطة حين تخون الأمانة. وعادة ما تتخذ الدول خطوات متقاربة لحماية العقد الاجتماعي وبقاءه.

وخلصت دراسة للباحثة إحسان الميسري إلى أن هناك حاجة ملحة إلى عقد اجتماعي جديد، إذ سيشكل ذلك انطلاقة جديدة في مسيرة دولة الإمارات، والتركيز على تحقيق العدالة الاجتماعية وحقوق المواطنة وتحقيق الرفاهية للشعب، وتحقيق التنمية البشرية.

والأهم من ذلك خلق أساس لدولة وطنية تحفظ استقرار الوطن وأمن المواطن، وإقرار مبدأ المواطنة الكاملة وتوفير شروط إعماله.

تنويع الاقتصاد دون المواطنين

يرى صناع القرار في أبوظبي أن الوضع الحالي فرصة مناسبة لتنفيذ خطط تنويع الاقتصاد والاستعداد لعصر ما بعد النفط. وهي خطط جديرة بالثناء.

من بين الخطط دفع المواطنين إلى القطاع الخاص، مع الثقل الحاصل في المؤسسات الحكومية، وبعض المواطنين إن لم يكن معظمهم ليس مستعداً له، فما تزال الدولة تعاني بالفعل في خطط إدماج المواطنين.

تؤدي القوانين مثل تلك التي تؤدي إلى شعور النخبة التجارية بانفصال السلطة عنها إلى رفض مؤسساتهم الكبيرة توظيف الإماراتيين.

كما أن ذلك يعني أيضا تخفيض في المزايا والمنافع التي تحدث ثغرات في العقد الاجتماعي، القائم على إلغاء المنافع دون أي تغيّر في الوضع السياسي، وكما عبرت الإيكونوميست (فبراير/شباط2023) أن ذلك يحدث الكثير من الإرباك للمواطنين في ظل “أن الاقتصادات والمجتمعات تنفتح، لكن الحياة السياسية تغلق”.

وفي العام الماضي نشرت صب واي (Subway) إعلانا لصانعي السندويشات. ووعدت بأسبوع عمل مدته خمسة أيام وتأمين صحي شامل وفرص للتدريب والترقية. في أي مكان آخر، كانت الحملة ستكون غير ضارة، لكن في الإمارات، تسبب في ضجة.

إذ أن الإعلان كان موجها إلى المواطنين: فقد تضمن صورا لشاب وشابة يرتديان الزي الإماراتي التقليدي، وصيغ الإعلان على أنه ضمن حملة التوظيف التي “تدعم جهود الدولة” لتعزيز توظيف الإماراتيين. ووصف مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الأمر بأنه مهين. وتراجعت “صب واي” عن ذلك.

وفتح النائب العام تحقيقا في الحملة “المثيرة للجدل”. يثير ذلك غضب الإماراتيين الذي يرون في القطاع الخاص تعتمد لإزاحتهم بالتدريج من بلدهم.

ما يثير القلق بالفعل أن خلل التركيبة السكانية وخطط الحكومة يتلاءمان، حيث تشير الخطط أن الإماراتيين سيتركون في الخلف؛ حيث أن معدل الخصوبة لدى المواطنين ربما يكون حوالي 3.5. وهذا رقم مرتفع بالنسبة لبلد غني ويشير إلى تزايد عدد السكان.

لكنها لن تنمو بالسرعة الكافية لمواكبة خطط البلاد. وفي يناير/ كانون الثاني قالت إمارة دبي إنها تأمل في مضاعفة حجم اقتصادها خلال العقد المقبل. وحتى لو أمكن تشغيل الأطفال حديثي الولادة، فلن يكون هناك عدد كاف من الإماراتيين لتحقيق ذلك.

وبدأ هذا الأمر بالبروز في البيانات الرسمية خلال السنوات الأخيرة حيث تقدم البيانات الديمغرافية احصائيات عن “سكان الإمارات”، ولا تفصل المواطنين في بيانات ديمغرافية خاصة بها كما كان في السابق، خاصة تلك المتعلقة بالبطالة ونسب المشتغلين.

لكن التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن حوالي 11٪ من الشباب عاطلون عن العمل. وكشفت بيانات عام 2020 أن أعلى نسبة في المتعطلين عن العمل لدى حملة درجة البكالوريوس أو ما يعادلها بما يصل إلى (39.4%).

ويزداد عدد الخريجين الإماراتيين سنوياً، فيما تفشل السلطات في إيجاد وظائف كريمة تتناسب وغلاء المعيشة، وفي كل مرة تدفع الحكومة بالمسؤولين عن التوطين ليكونوا كبش فداء بدلاً من تحمل الحكومة مسؤولياتها عن تقاعسها في حل أزمة البطالة في الدولة.

ووفقًا لقوانين الدولة، والتي تُعنى بتأشيرات الدخول والإقامة في الدولة، منها أن كفالة الوالدين للوافدين الذكور تسقط تلقائيًا بعد بلوغهم سن الثامنة عشر، وبناءً عليه يصبح لدى تلك الفئة العمرية من المقيمين الذكور خياران فقط لتمديد الإقامة: إما الالتحاق بجامعة محلية أو الانضمام إلى سوق العمل.

ونظرًا لكون إقاماتهم تعتمد على قدرتهم على تأمين كفالة عمل، فمن المرجح أن تكون نسبة المتعطلين للذكور من حملة الشهادات الجامعية (39.4%) تمثل في أغلبيتها المواطنين الإماراتيين.

يأتي ذلك فيما تدفع الدولة المواطنين إلى التنافس مع الأجانب، وهو ما ظهر على السطح خلال السنوات الماضية، حيث يتذمر الإماراتيون على وسائل التواصل الاجتماعي، من الأجانب الذين يأخذون جميع الوظائف الجيدة.

فيما يتهم المغتربون السكان المحليين بأنهم مدللون وكسالى. كانت مثل هذه الحجج نادرة في العقود الماضية، إذ لم يكن لدى المجموعتين سبب وجيه للتفاعل، لكن ما دفعهم للتذمر هو الشعور بالضيم واختيار الأجانب بديلاً عنهم أو محاولة الحكومة دفعهم للخلف لأنهم غير جاهزين.

تساؤلات حول الخدمة الوطنية

عندما فُرض التجنيد الإجباري، كان الإماراتيون يتدفقون إلى معسكرات التدريب، كانت السلطات تقول إن التجنيد يساعد المتعثرين فيي الحصول على فرص عمل. لكن أصبح التساؤل الآن وفي ضوء التغيّرات الحاصلة عن مدى فائدتها لبحث الإماراتيين عن عمل.

إذ أدخلت الإمارات الخدمة العسكرية الإلزامية للرجال في عام 2014. حيث يخدم المجندون الحاصلون على دبلوم المدرسة الثانوية لمدة 11 شهرا؛ وهو أقل من أولئك الذين لم يحصلوا على الشهادة الثانوية ويقضون ثلاث سنوات في الجيش.

ومن الناحية النظرية، فإن مدة الخدمة الأطول للمتسربين من المدارس تهدف إلى منحهم المهارات التي تعدهم للوظائف المدنية. لكن كثيرين ممن أكملوا الخدمة وجدوا صعوبة في البحث عن عمل.

يثير ذلك تساؤلات الشباب، حيث لا يشكل المواطنين سوى مليون شخص من سكانها البالغ عددهم 10 ملايين نسمة: إلى متى يمكن أن يطلب من 10٪ من السكان حماية ال 90٪ الآخرين.

يمكن أن تؤدي هذه المشاعر السلبية تجاه الأجانب، بسبب القوانين (الخدمة العسكرية، والتجنيس، والتوظيف)، مع زيادة التنافسية إلى وضع عراقيل أمام خطط الدولة للانتقال إلى عصر ما بعد النفط.

الحاجة إلى تغيير في السياسات

مما سبق نرى أن هناك فرصة سانحة لتحقيق نجاح في الهياكل الاقتصادية والسياسية في الإمارات، لكن ذلك سيعتمد على مدى استجابة صانع القرار السياسي لما يعتبره أمراً مقدساً ولا يمكن تجاوزه وهو مطلب “مجلس وطني اتحادي” (برلمان) كامل الصلاحيات، يحاسب ويراقب ويشرع.

وبالتأكيد فإن صانعي السياسات في الإمارات والمواطنين يقرون ويفهمون أنه يجب اتخاذ تدابير بعيدة المدى وأن الوضع الراهن غير مستدام.

الإماراتيون خلال خمسين عاماً كانوا يديرون الدفّة معاً، لا شخص ولا فرد ولا فكرة خارجية تديره من خارج السفينة. ويبدو أن هناك من يريد أن يدير دفة السفينة منفرداً، مستخدماً دعاية سياسية جيدة مثل “العولمة” و”الاقتصاد الحر” و”المدينة الرقمية” والإمارات الجديدة.

إلا أن ذلك سيصطدم بالواقع في وقت قريب للغاية، وكالعادة سيعمل على إيجاد تكتيك ليتجاوز هذه الحقائق مؤقتاً دون إيجاد معالجات جذرية كاملة يبقي المجتمع والدولة في نفس القارب الذي تأسست به الدولة في عام 1971.