موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

دراسة: الإمارات والحرب الروسية الأوكرانية… الدوافع والتداعيات

639

نشر المركز الخليجي للتفكير دراسة يتناول فيها موقف الإمارات من الحرب الروسية الأوكرانية، مستعرضا الدوافع والتداعيات على أبوظبي لاسيما علاقتها مع أطراف الأزمة.

وتوقعت الدراسة صدام وشيك في علاقات الإمارات والولايات المتحدة في ظل انحياز أبوظبي إلى روسيا في حربها على أوكرانيا.

وجاء موقف الإمارات من إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا مغرداً خارج سرب الموقف الأمريكي والدولي ولكنه يبدو متوافقا مع السياسة البراغماتية التي تنتهجها فبالرغم من تحالفها القوى والعميق مع الولايات المتحدة الأمريكية وحرصها الدائم فيما مضى على تبنى مواقف متوافقة مع السياسة الأمريكية.

إلا أن العلاقات في ظل إدارة بايدن أصابها التوتر الصامت، فخلال الفترة الماضية ظهرت بعض المؤشرات إلى أن العلاقة بين الحليفين ليست كما في السابق خاصة في ظل احتفاء إدارة بايدن بالخصم الخليجي “قطر” واعتباره حليف استراتيجي، وفي المقابل تجمع الإمارات علاقات وثيقة تتطور مع روسيا.

كان موقف الإمارات في الأزمة لافت بشكل كبير، فقد امتنعت عن التصويت على مشروع قرار تقدمت به الولايات المتحدة وألبانيا بشأن التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا.

وفي الوقت نفسه، دعت إلى ضرورة الامتثال للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة كأساس للحوار، وطالبت بالتهدئة في أوكرانيا ووقف الأعمال العدائية، وأن تظل القنوات الدبلوماسية مفتوحة. وهذه الخطوة سعت بها الإمارات فيما يبدو لإرضاء كل من الولايات المتحدة وروسيا.

فالإمارات بين فكي الرحي لذا حاولت إمساك العصا من المنتصف، فلم تؤيد العملية العسكرية الروسية من جهة، ولم تأخذ طرفًا مع أوكرانيا ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من جهة أخرى.

ذلك لأنها واقعة بين نارين، الأولى، علاقاتها التاريخية مع الولايات المتحدة، والثانية، علاقاتها المتصاعدة مع روسيا، فالإمارات ستواجه خطرًا كبيرًا في إغضاب روسيا، التي أصبحت شريكًا تجاريًا مهمًا، ومصدرًا للسياح وقوة عسكرية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فانتهجت الإمارات سياسة الدعم الصامت لروسيا لحين استكشاف وتبيان ما تصل إليه الأمور.

فالموقف الإماراتي المتردد يبدو واضحاً ففي 25 فبراير، قالت وزارة الخارجية الروسية، إنه من المقرر أن يجري وزير الخارجية الإماراتي محادثات مع نظيره الروسي في موسكو، الاثنين 28 فبراير الماضي، والتي أرجأها وزير الخارجية الإماراتي.

ونقلت وكالة “تاس” الروسية عن مصدر دبلوماسي قوله إن الوفد الإماراتي أجل زيارته المقررة إلى موسكو اليوم الاثنين لأسباب صحية بعد حادث مخالطة لمصاب بفيروس كورونا.

تتعدد دوافع الإمارات وكذلك مخاوفها من اتخاذ موقف واضح في الأزمة الروسية الأوكرانية، ويجيب تقدير الموقف عن سؤال ما الدوافع الحقيقية وراء الموقف الإماراتي وتداعيات هذا الموقف وأثره على العلاقات الإماراتية الأمريكية.

وذلك من خلال النقاط التالية:-

ملامح الموقف الاماراتي المتردد من الأزمة

أبعاد ودوافع الموقف الاماراتي

تداعيات الموقف الإماراتي وتأثيره على العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية

مسارات الموقف الاماراتي وتوقعاته تجاه الازمة الأوكرانية

أولاً: تباينات الموقف الإماراتي من الأزمة

منذ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا يلاحظ المراقبون أن الموقف الإماراتي لايبدو واضحاً بل متردد بشكل كبير ففي حين فضلت الامتناع عن التصويت  مرتين “مبدئيا” والذي يصب نسبياً لصالح روسيا ثم تراجعت وصوتت لصالح قرار مجلس الأمن بخصوص إدانة الموقف الروسي، يعكس الموقف المتردد من الأزمة.

وكان من المقرر أيضا أن يزور الشيخ عبد الله لافروف يوم الاثنين في موسكو، بحسب وزارة الخارجية الروسية.

وكان اجتماعهم يأتي قبل تصويت آخر في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على اقتراح إماراتي لفرض حظر أسلحة موسع على الحوثيين. لكن المسؤولين الإماراتيين لم يعترفوا بالاجتماع المقرر.

وأوضح “أنور قرقاش”، مستشار الشؤون الدبلوماسية لرئيس الإمارات، موقف بلاده من الأزمة الأوكرانية مؤكدا أن بلاده “موقفها راسخ إزاء سيادة الدول ورفض الحلول العسكرية”.

وقال “قرقاش”، في تغريدة له على “تويتر”، “يواجه العالم اختبارا صعبا واستقطابا حادا فرضته الأزمة الأوكرانية مما يهدد أسس المجتمع الدولي ويزيد من عوامل عدم الاستقرار، من واقع تجربتنا في منطقة مليئة بالأزمات نرى بأن الحلول السياسية وخلق توازنات تعزز الأمن والاستقرار هي الطريق الأفضل لمواجهة الأزمات والحد من آثارها”.

وتابع “نؤمن بأن الاصطفاف والتموضع لن يفضي إلا إلى المزيد من العنف، وفي الأزمة الأوكرانية أولوياتنا تشجيع جميع الأطراف لتبني الدبلوماسية والتفاوض لإيجاد تسوية سياسية تنهي هذه الأزمة”.

واستمرار للموقف المتردد والمتضارب أحياناً قال المتحدث باسم شركة طيران “فلاي دبي” الإماراتية، إنها ألغت رحلاتها إلى كراسنودار وروستوف-أون-دون في روسيا حتى الثامن من مارس، وتواصل شركة الطيران الإماراتية تسيير رحلات من دبي إلى ثماني وجهات روسية أخرى من بينها موسكو.

كما نقلت وكالة رويترز عن مصدرين قولهما إن بنك المشرق الإماراتي قرر وقف إقراض البنوك الروسية “بسبب اشتداد المخاطر”، جراء الحرب الروسية الأوكرانية، كما أنه يراجع وضعه الحالي في السوق الروسية.

فيما قالت وكالة “بلومبيرغ” الاقتصادية إن دولتي قطر والإمارات متمسكتان بالاحتفاظ بأصول في روسيا بمليارات الدولارات في استثمارات استراتيجية وطويلة الأمد.

وقال مصدران إن شركة “مبادلة”، الذراع الاستثمارية لإمارة أبوظبي، لديها ما لا يقل عن 3 مليارات دولار من الاستثمارات مع روسيا، ومن غير المرجح أن تفكك شراكتها مع صندوق الاستثمار المباشر الروسي، أو تتخذ خطوات تعرقل العلاقة.

قالت بعثة الإمارات في الأمم المتحدة، إنها تؤكد على ضرورة التوصل لوقف إطلاق نار فوري في أوكرانيا والسعي لإيجاد حلول سلمية بما يخدم الأمن والاستقرار الدوليين والإقليميين”.

في إشارة أخرى لنأي الإمارات العربية المتحدة بنفسها عن واشنطن، تحدث ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، عبر الهاتف يوم الثلاثاء 1 مارس الجاري مع السيد بوتين حول “العلاقات الثنائية” وسوق الطاقة و”التطورات في أوكرانيا.

وفي يوم الثلاثاء أيضًا، قالت سفارة أوكرانيا في منشور على فيسبوك إن الإمارات العربية المتحدة علقت السفر بدون تأشيرة للسياح الأوكرانيين إلى الإمارات، ثم تراجعت عنها لاحقاً وأعلنت أنه يمكنهم الحصول على تأشيرات الدخول عند وصولهم إليها.

والأربعاء 2مارس الجاري صوّتت الإمارات لصالح قرار يدين “بأشد العبارات” الغزو الروسي لأوكرانيا​، أصوات 141 دولة.

ويبدو من هذه التحركات والبيانات توتر وتردد واضح في الموقف الإماراتي فتطالب بالهدوء في بياناتها بينما مواقفها تدعم الجانب الروسي أحياناً وتدعم الموقف الأمريكي حيناً آخر.

ثانياً: الأبعاد والدوافع

1- استراتيجية اماراتية

ينبع الموقف الاماراتي المتردد من الأزمة الروسية – الأوكرانية من السياسية البراجماتية التي تنتهجها في الآونة الأخيرة، فاتخاذ موقف واضح في هذه الأزمة سيضعها تحت فكي الرحى.

فإما أن تخسر علاقاتها وتحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة الأمريكية وتضع نفسها تحت نيران العقوبات الاقتصادية والسياسية التي ستتعرض لها روسيا وحلفاؤها، أو أن تخسر علاقتها مع روسيا والعلاقات الاقتصادية والعسكرية والتعاون في محطات عديدة مثل سوريا وليبيا.

قال عبد الخالق عبد الله، أستاذ العلوم السياسية في الإمارات العربية المتحدة، لمجلة نيوزويك الأمريكية” إن قرار الإمارات بالامتناع عن التأثير في تصرفات روسيا في أوكرانيا ينسجم مع نشاط السياسة الخارجية الإماراتية الجديد، والذي ينبع من الثقة بقراراتها ونهجها للسياسة العالمية والإقليمية “.

2- تحولات السياسة الأمريكية

ترى الإمارات أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة تنفصل عن الشرق الأوسط، وليس الأمر متعلق بإدارة بايدن فقط، فقد أعربوا سابقاً عن استيائهم من السياسات الأمريكية منذ أن كان يُنظر إلى الرئيس السابق باراك أوباما على أنه تجاهل مصالح الشركاء العرب خلال ثورات الربيع العربي عام 2011 وعندما وقع على الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران.

وكذلك برزت مخاوف أبوظبي عندما علقت المحادثات مع إدارة بايدن بشأن محاولة الإمارات شراء طائرات إف -35 أمريكية الصنع، التي أغضبت من قيود واشنطن على استخدامها.

كما أثارت استياءها مما تعتبره رد فعل إدارة بايدن الفاتر على الهجمات على أبو ظبي من قبل المتمردين المدعومين من إيران في اليمن.

فبالرغم أن الولايات المتحدة نشرت أصولاً عسكرية إضافية، وأعلنت دعمها للإمارات في مواجهة هجمات الحوثيين، إلا أن هذا لم يكن كافياً لتهدئة مخاوف أبوظبي، والتي زادت نسبياً بعد اعلان إدارة بايدن قطر كحليف استراتيجي، واستمرار توتر العلاقات بين واشنطن وأبوظبي.

ووفقاً لموقع “أكسيوس” أنه بينما رأت إدارة بايدن أن ردها سريع وقوي، كان لدى الإماراتيين توقعات أكبر وشعروا بأنهم مهملين، عندما زار قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال فرانك ماكنزي أبو ظبي في 7 فبراير ، رفض ولي العهد محمد بن زايد لقاءه.

كان القصد من هذا الازدراء الإشارة إلى خيبة الأمل من حقيقة أن زيارة ماكنزي استغرقت 22 يومًا منذ الهجوم ، وفقًا لمصدر أمريكي مطلع.

لكن عندما غزت روسيا أوكرانيا، شعر الإماراتيون أن رد الولايات المتحدة  بما في ذلك الضغط من أجل فرض عقوبات كان أقوى بكثير وأسرع مما كان عليه عندما تعرضوا للهجوم، كما تقول المصادر الثلاثة.

امتنع الإماراتيون عن التصويت، كان القصد من ذلك أن يكون إشارة إلى الإحباط من الولايات المتحدة، كما تقول المصادر الثلاثة، وقد خيب أمل الجانب الأمريكي بشدة.

وبات لدى حكام الإمارات قناعة أن الإدارة الأمريكية الحالية لن تحمي حلفاؤها، لذا كان على الإمارات أن تنتهج سياسة الاعتماد على الذات والتي تتطلب رؤية جديدة ليست متسقة استراتيجياً بالضرورة.

وفي هذا الإطار، قرأت الباحثة بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية “سينزيا بيانكو” الموقف الإماراتي في إطار مصالح أبوظبي مع موسكو في ليبيا وغيرها من دول المنطقة، مشيرة إلى أن الإمارات باتت ترى الولايات المتحدة أقل أهمية لمصالحها المستقبلية.

لذلك، فإن الإمارات تدرك بشكل متزايد الحاجة إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، وإعادة التفكير في علاقتها مع الولايات المتحدة، وتجنب التحول إلى بيدق لمواجهة القوى الكبرى.

3- تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية

مع وقوع الإمارات تحت سلسلة من الاستهداف لطائرات ميلشيا الحوثي منذ 17 يناير الماضي سعت إلى تركيز سياستها في تصنيف ميلشيا الحوثي جماعة إرهابية، لذا أرجع بعض المراقبين الموقف الإماراتي من الامتناع عن التصويت ضد روسيا في مجلس الأمن، للضغط على الولايات المتحدة لتحريك القرار وهو الذي نجحت فيه مؤخراً.

فقد أصدر مجلس الأمن الدولي 28 فبراير الماضي، قراراً يوسّع الحظر على إيصال الأسلحة إلى اليمن ليشمل جميع الحوثيين المتحالفين مع إيران، بعدما كان مقتصراً على أفراد وشركات محدّدة.

وفسر دبلوماسيون تصويت روسيا المقرّبة من إيران الداعمة للحوثيين، لصالح قرار فرض حظر سلاح شامل على الحوثيين، بأنه “ثمرة اتفاق” بين موسكو وأبو ظبي هدفت الأخيرة عبره إلى ضمان امتناع الإمارات عن التصويت في مجلس الأمن ضد الغزو الروسي لأوكرانيا.

4- الحرص على العلاقات مع روسيا

ترتبط الإمارات وروسيا بعلاقات سياسية استراتيجية قوية، وقبل الغزو الروسي لأوكرانيا بيوم واحد كان وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد قد عقد مباحثات هاتفية مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.

وفي العام 2018، وقّعت الإمارات وروسيا إعلان “الشراكة الاستراتيجية” بين البلدين، وذلك خلال زيارة قام بها لموسكو محمد بن زايد.

وتشير الإحصاءات إلى أن الشيخ محمد بن زايد قد زار روسيا ست مرات خلال السنوات الـ5 الماضية، ، كما تستند هذه الشراكة إلى قاعدة قوية التبادل الاقتصادي والتجاري الذي بلغ 3.4 مليار دولار أمريكي في عام 2018 بزيادة قدرها %21 مقارنة بعام 2017.

وحيث يعد الاقتصاد أحد أهم الملفات المحورية والقاطرة الاستراتيجية للشراكة الاستراتيجية قياساً وارتباطاً بحجم وثقل اقتصاد البلدين.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين في عام 2020 مستوى قياسيا ووصل إلى 3.3 مليار دولار، وفقاً لرئيس الحكومة الروسية ميخائيل ميشوستين “.

وتعد الإمارات أكبر شريك تجاري خليجي لروسيا وتستأثر بنسبة 55% من تجارة روسيا الخليجية، وتصنف ضمن أهم الدول العربية في التجارة الروسية حيث تأتي بالمرتبة الثانية، كما تعد الوجهة الأولى عربياً للاستثمارات الروسية، وتستحوذ على 90% من استثمارات روسيا بالدول العربية.

وفي المقابل، فالإمارات هي أكبر مستثمر عربي في روسيا، وتساهم بـ 80% من الاستثمارات العربية فيها، ويبلغ رصيد الاستثمارات المتبادلة بين الإمارات وروسيا نحو 1.8 مليار دولار.

وحققت الاستثمارات الأجنبية الروسية المباشرة في الإمارات نمواً بنسبة 13% خلال 2019 مقارنة بـ 2018، وتحتضن أسواق الإمارات أكثر من 4000 شركة روسية.

التعاون السياسي

شهدت الفترة الأخيرة تعاون إماراتي روسي في عدد من الملفات الإقليمية، فالعلاقة الروسية-الإماراتية بشأن سوريا عميقة بشكل خاص، فهي تقوم على أسس فكرية وجيواستراتيجية، فكلاهما تتشاركان المخاوف نفسها من وصول المعارضة الاسلامية إلى الحكم خاصة في سوريا، فجاءت عملية تسهيل روسيا للتحالف التكتيكي بين الأسد وقوات سوريا الديمقراطية الكردية ضد تركيا، متوافقاً مع دعوات الإمارات المتزامنة للتضامن العربي مع سوريا ضد تركيا.

كما تم التنسيق بينهما في ليبيا فوفقاً لتقارير دولية، منذ أوائل عام 2020، تم الاعتماد المتبادل بين المتعاقدين العسكريين الخاصين التابعين لمجموعة فاجنر الروسية في ليبيا (والتي تفيد التقارير بأنها تمول من قبل الإمارات)، والمرتزقة السوريين المتحالفين مع الأسد (الذين تم تجنيدهم من قبل مجموعة فاجنر)، والمرتزقة السودانيين والتشاديين المتحالفين مع الإمارات (الذين يقاتلون إلى جانب الجيش الوطني الليبي).

كما كان التقارب الإماراتي السوري والتحركات الإماراتية الناجحة حتى الآن في عودة نظام الأسد إلى النظام السياسي العربي بدوافع روسية ، مؤشراً آخر على تطور العلاقات الاماراتية – الروسية.

التعاون العسكري

امتداداً للعلاقات السياسية والاقتصادية ترتبط الإمارات بعلاقات عسكرية قوية مع روسيا، حيث تُعد موسكو أحد أهم مصادر التسلح الإماراتية، وفي فبراير 2021، نظمت روسيا معرضاً لأكثر من 400 صنف من منتجاتها العسكرية الرئيسية تحت اسم “آيدكس 2021″، في العاصمة أبوظبي.

وفي عام 2017 وقّعت الإمارات وروسيا اتفاقية تعاون مشترك في قطاع الصناعات العسكرية بشأن التفاوض حول دراسة مواصفات وقدرات أنواع من الطائرات الروسية المقاتلة الحالية والجديدة بما فيها طراز “سوخوي 35” وطائرات الجيل الخامس.

ووفق بيانات روسية رسمية، فإنه في الفترة من عام 2000 إلى 2014، تلقت الإمارات العربية المتحدة أسلحة ومعدات عسكرية بقيمة 714 مليون دولار من منتجات الصناعات الدفاعية الروسية.

قال أندرياس كريج، خبير الشرق الأوسط وأستاذ مشارك في كينجز كوليدج لندن: “يُنظر إلى روسيا على أنها حليف أيديولوجي بينما أصبحت خيوط حقوق الإنسان الأمريكية المرتبطة بدعمها قضية أكثر من أي وقت مضى”.

ثالثاً:- تداعيات الموقف الإماراتي وأثره على العلاقة مع الولايات المتحدة

لأكثر من سبعة عقود ، لعبت الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا في الشرق الأوسط، حيث عملت بشكل خاص كمدافع عن ممالك الخليج الغنية بالنفط ضد التهديدات المحتملة مثل إيران.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأت واشنطن في الحد من ارتباطاتها العسكرية في المنطقة، حتى مع تعرض أقرب حلفائها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لهجوم من قبل المتمردين الحوثيين في اليمن.

وشهدت العلاقات الأمريكية الخليجية توترات على خلفية ملفات حقوق الإنسان، والحرب في اليمن، وفرض قيود إضافية على توريد أنواع من الأسلحة والذخائر ومنع أخرى، ما دفع الإمارات إلى حد ما بالتوجه نحو الصين وروسيا لمزيد من التعاون العسكري في مجالات شتى.

وهو ما أثار حفيظة الإدارة الأمريكية في محطات عدة أهمها ضغوطها التي مارستها على الإمارات لوقف مشروع سري داخل ميناء يستقبل سفن الشحن الصينية قرب العاصمة الإماراتية، أبوظبي، مؤقتا على أقل تقدير، بعد ضغط شديد من الولايات المتحدة الأمريكية، حسبما قال مصدران مطلعان على الأمر لـCNN، واللذان أكدا أن المخاوف الأمريكية من الوجود الصيني في الإمارات لا تزال بعيدة عن الطمأنة، وقد أثر ذلك سلبا على عملية بيع واشنطن أسلحة متقدمة وذخائر لأبوظبي.

بالرغم من الاتصالات المستمرة بين وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ووزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي عبدالله بن زايد لتنسيق المواقف بخصوص الأزمة الروسية إلا أن الموقف الإماراتي فاجأ الجميع ، وامتنعت الإمارات مرتين متتالتين ، عن التصويت في مجلس الأمن الأمريكي على مطالبة موسكو بسحب قواتها.

وفي أول رد فعل على الموقف الإماراتي هاجم دبلوماسيون غربيون الإمارات لرفضها التصويت ضد روسيا.

ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية،  عن مصدر غربي قوله: إن الغربيين “أصيبوا بخيبة أمل كبيرة إزاء امتناع الإمارات مرتين، الجمعة والأحد، عن التصويت على قرارات في مجلس الأمن الدولي تتعلق بالحرب الروسية على أوكرانيا”.

كما نقلت الوكالة عن دبلوماسي أوروبي آخر قوله: “نحن مستاؤون جداً من الإمارات، ومقتنعون بأنها أبرمت صفقة قذرة مع روسيا مرتبطة بالحوثيين وأوكرانيا”.

بالرغم من بعض المحطات المتوترة في علاقة الدولتين إلا أن الشراكة الإماراتية الأميركية تبدو ذات أُسس أكثر متانة من العلاقات الإماراتية الروسية.

فمن الناحية الاقتصادية، تحتل الإمارات المرتبة الأولى عربيا والعشرين عالميا بين الدول المستثمرة في السوق الأميركي، بإجمالي استثمارات تراكمية بلغ 44.7 مليار دولار حتى نهاية 2020.

كما تأتي الإمارات في مُقدِّمة الدول العربية التي تستقبل صادرات أميركية بقيمة بلغت 14.75 مليار دولار عام 2020. وعموما تضاعف التبادل التجاري بين البلدين من 5.22 مليارات دولار عام 2005 إلى 23.02 مليار دولار عام 2021.

أما من الناحية العسكرية، فالولايات المتحدة هي الشريك العسكري الأساسي لدول الخليج عموما. ومنذ حرب الخليج عام 1991 أصبحت الولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للسلاح إلى الجيش الإماراتي.

فبحسب تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري”، مارس/آذار 2019، جاءت الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا في مُقدِّمة مصادر مشتريات الجيش الإماراتي من الأسلحة خلال الفترة من 2014 إلى 2018، بنسبة 64% من أميركا، و10% من فرنسا، و7.8% من تركيا.

وخلال الفترة من 2015-2019 تصدَّرت الولايات المتحدة وفرنسا وهولندا القائمة بنِسَب 68%، و11%، و3.4% على الترتيب، وفق تقرير آخر للجهة نفسها، ومؤخرا، بدأ سريان اتفاقية التعاون الدفاعي المشترك بين دولة الإمارات والولايات المتحدة في التاسع والعشرين من مايو/أيار 2019، الذي يستهدف تعزيز التنسيق العسكري بين البلدين. كما أُطلِق الحوار الإستراتيجي التأسيسي بين البلدين في أكتوبر/تشرين الأول 2020.

كما تحتضن الامارات قاعدة الظفرة التي تشكل تواجد واشنطن الرئيسي في الإمارات،  كما تتواجد قوات الجيش الأمريكي في ميناء “جبل علي” الذي تستخدمه البحرية الأميركية، كما تحتضن الامارات قاعدة عسكرية فرنسية دائمة، وتضم القاعدة العسكرية الفرنسية في الإمارات قاعدة بحرية بميناء أبو ظبي، وقاعدة جوية بقاعدة الظفرة.

وعلى الصعيد الاقتصادي بلغت قيمة إجمالي التجارة الخارجية بين الإمارات وأمريكا خلال النصف الأول من عام 2021 أكثر من 1.1 مليار دولار،  وحقق التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين قفزات نمو كبيرة خلال السنوات الماضية، مرتفعاً من 5.2 مليار دولار في عام 2005 إلى 17.8 مليار دولار في عام 2020.

وجاءت دولة الإمارات للعام الـ 12 على التوالي في المرتبة الأولى على مستوى المنطقة والـ 19 عالمياً في قائمة أكبر الأسواق المستقبلة لصادرات الولايات المتحدة في 2020، واستحوذت الاستثمارات الإماراتية على الحصة الأكبر من إجمالي الاستثمارات العربية بالأسواق الأمريكية، برصيد تراكمي يصل إلى 44.7 مليار دولار حتى نهاية 2020.

من المؤكد أن تصنيف الامارات بجوار روسيا في حربها مع أوكرانيا سيكون له تداعيات على مستقبل العلاقة بين الدولتين، أولها وقوع الإمارات تحت طائلة العقوبات الاقتصادية التي قد تطول روسيا وحلفائها وهو ماسيضر كثيراً بالإمارات ووضعها الاقتصادي التي تعتمد بشكل كبير على جذب الاستثمار الاجنبي، كما أنها ستكون تحت بؤرة المراقبة والتدقيق في ملفات عدة.

وفي هذا الإطار قال السفير الإماراتي بواشنطن يوسف العتيبة، إن العلاقة بين الإمارات والولايات المتحدة تمر بـ “اختبار ضغط” ، لكنه أضاف أنه واثق من أن الشركاء المقربين “سيخرجون منها”. “إنها مثل أي علاقة. لديها أيام قوية تكون فيها العلاقة صحية للغاية وأيامًا تكون فيها العلاقة موضع تساؤل. اليوم ، نحن نمر باختبار إجهاد لكنني على ثقة من أننا سنخرج منه ونصل إلى “مكان أفضل”.

ليس ثمة شك في موقع الإمارات بوصفها حليفة للولايات المتحدة، ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد أن أيًّا من الطرفين بصدد التخلي عن منافع هذا التحالف المتعددة في المستقبل القريب.

لكن ما يحدث حاليا يمكن وصفه بأنه اتجاه إماراتي لعدم الركون إلى هذا التحالف باعتباره خيارا وحيدا، بعد أن أظهرت واشنطن أنها لا تعطي الأولوية للشرق الأوسط في سياستها الخارجية.

رابعاً:- مسارات الموقف الاماراتي وتوقعاته تجاه الازمة الأوكرانية

المسار الأول:- توازن هش وعلاقة مترددة

يتوقع هذا المسار – وهو المرجح- أن تستمر الإمارات في محاولة خلق علاقة متوازنة بين طرفي الصراع الرئيسيين (روسيا والولايات المتحدة الأمريكية) فتستمر في دعمها الصامت لروسيا واستمرار التواصل والتنسيق مع أمريكا.

ويرجح هذا المسار عدة نقاط أهمها:-

السياسة البراجماتية التي تنتهجها الإمارات مؤخراً وسعيها لتصفير المشاكل.

خطورة تداعيات الانحياز لطرف من طرفي الصراع

التصريحات المتكررة من قادة النظام الإماراتي على ضرورة ايجاد تسوية سلمية للأزمة.

رغبة الإمارات الحفاظ على التعاون الأمني والاقتصادي مع الولايات المتحدة والتعاون مع موسكو في الطاقة والقضايا الجيوسياسية

ويتوقف نجاح هذا السيناريو على عدة محددات أهمها

قصر مدة الحرب وهو ما لا يبدو في الأفق حالياً

نجاح السياسة الإماراتية فى تحقيق التوازن وتخفيف أقل الخسائر في علاقتها مع الطرفين

عدم الوصول إلى نقطة المفاصلة من جانب الطرفين (الأمريكي -الروسي) وهذا مايحسمه حجم المكاسب والخسائر لطرفي الصراع

التزام الصمت بشأن الإجراءات الروسية في أوكرانيا ربما يكون أفضل مسار لهذا في الوقت الحالي “لكن هذا الموقف البراجماتي قد يصبح غير مقبول إذا ضغط القادة الغربيون على موقفهم”.

“على الرغم من أن الإمارات تريد تجنب اختيار جانب ما ، إلا أنها ستتعرض لضغوط متزايدة للقيام بذلك ، ليس أقلها بصفتها رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة [هذا] الشهر”.

المسار الثانى: انحياز لتحالف الحرب

يتوقع هذا السيناريو الانحياز الكامل لروسيا وتغليب مصالحها المتصاعدة مع روسيا مقابل تحالفها التاريخي مع الولايات المتحدة الأمريكية  ويرجح هذا المسار:-

توتر العلاقات الإماراتية – الأمريكية في ملفات عديدة.

التحرر في العلاقة مع روسيا من مطالبات حقوق الإنسان والضغوط التي تنتهجها الإدارة الأمريكية الجديدة في تعاملها مع الإمارات

رغبة إماراتية في فتح تحالفات جديدة بعيدة نسبياً عن الإدارة الأمريكية المنسحبة من مشاكل المنطقة

تطور حجم التعاون بين الإمارات وروسيا في ملفات إقليمية عديدة ناهيك عن نمو التعاون الاقتصادي والعسكري بشكل كبير في الآونة الأخيرة

المسار الثالث الانحياز للموقف الأمريكي والدولي

يفترض هذا المسار نجاح الضغوط الأمريكية والأوروبية في جذب الإمارات لتحالفها بشكل واضح في مواجهة روسيا ويرجح هذا السيناريو:-

التحالف التاريخي الوثيق والعميق بين الإمارات والولايات المتحدة فمن الصعوبة بمكان أن يسعى الطرفان وخاصة الإماراتي لفك هذا الارتباط الوثيق

مازالت واشنطن تملك أوراق ضغط وتأثير على الموقف الإماراتي ويبدو موقفها من القاعدة الصينية خير مثال، كما كشف موقع “أكسيوس” أن وزارة الخارجية الأمريكية سحبت برقية بعد أن أرسلتها إلى دبلوماسييها، تضمنت إبلاغ دبلوماسيين من الهند والإمارات أن حيادهم تجاه أوكرانيا يضعهم في “معسكر روسيا”.، وأوضح الموقع الأمريكي أن الوزارة سحبت البرقية بعد 24 من إرسالها إلى دبلوماسييها في 50 دولة، وذلك بعض تصويت بعض الدول الممتنعة مثل الامارات لصالح القرار.

بالرغم من التعاون الأمني ​​المتزايد مع روسيا إلا أن الإمارات ستظل تضع تركيزها الأمني ​​مع الولايات المتحدة، مع السعي في تنويع العلاقات مع المنافسين مثل روسيا والصين

لا يزال المسؤولون الإماراتيون يصرون على أن الولايات المتحدة هي الشريك الخارجي الأساسي لهم.

كلما استمرت الحرب، سيزداد الضغط الذي قد يواجهه شركاء الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة للتوافق بشكل أوثق مع واشنطن.

إن العزم الغربي وربما النجاح في أوكرانيا قد يغير الحسابات الإماراتية ويجذبها إلى الكفة الراجحة

سيصبح الحفاظ على التوازن الإماراتي أكثر صعوبة، خاصة إذا كان يستدعي مزيدًا من التدقيق في موقف الإمارات كشريك وثيق للولايات المتحدة

الخاتمة

بالرغم من التسويق الرسمي لموقف الإمارات بالتزامها بنهج متوازن تجاه الأزمة الروسية- الأوكرانية إلا أن المراقب يلاحظ حالة من الارتباك والتردد وهذا أمر متوقع من دولة تنتهج سياسة براجماتية في مواقفها السياسية وخاصة أنها تتعلق بأهم حلفائها سواء مع الولايات المتحدة أو روسيا.

ويبدو هذا جلياً من المواقف الاماراتية التي تسعى مرة لإرضاء روسيا وأخرى لإرضاء الولايات المتحدة ولكن من الصعوبة بمكان استمرار تلك السياسة المتوازنة في ظل تصاعد وتأزم الأمور، ويرى تقدير الموقف أن الإمارات ستستمر في سياستها المتوازنة ولكنها مرتبطة بمحددات أخرى أهمها مدى نجاحها في تحقيق تلك السياسة ومدى صبر واشنطن على هذه السياسة.

من المؤكد أنه ليس لدى أبو ظبي أي نية لقطع أي جسور مع واشنطن، وهذا التصويت ليس بأي حال من الأحوال إشارة على أن الشراكة القوية القائمة منذ عقود بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة على وشك الانتهاء.

ومع ذلك من المتوقع أن تواجه الإمارات بعض المشاكل في علاقتها مع الولايات المتحدة، مع التصعيد السريع للعقوبات الغربية، قد يكون من الصعب أيضًا على الشركات الإماراتية والمصالح المالية الحفاظ على العلاقات مع روسيا.