موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

الدعارة في دبي: تجارة مُقنّنة تحت ستار الدولة

6٬850

في مطلع سبتمبر الجاري، بثّت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) فيلمًا وثائقيًا بعنوان Death in Dubai، سرعان ما أثار موجة واسعة من الجدل لتؤكد مجددا على أن الدعارة في دبي تمثل تجارة مُقنّنة تحت ستار الدولة.

إذ لم يكد الوثائقي يُعرض حتى انطلق وسم #DubaiPortaPotty على منصات التواصل، ليعيد إلى الواجهة أحد أكثر الملفات حساسية وإحراجًا للإمارات: تجارة الدعارة المنظمة، والتي لطالما وُصفت بأنها “السر المكشوف” في إمارة دبي.

ورغم محاولات السلطات الإماراتية تصوير القضية كفضائح فردية معزولة، إلا أن الشهادات والتقارير المتراكمة تشير إلى أن الدعارة هناك لم تعد هامشًا، بل تحولت إلى صناعة قائمة بذاتها، بإشراف ومباركة ضمنية من أجهزة الدولة، وبمردود اقتصادي يُقدّر بمليارات الدولارات.

نادي “سايكلون”: نموذج أولي لفضيحة مستمرة

قبل سنوات، وصفت تقارير صحفية غربية نادي “سايكلون” الليلي قرب مطار دبي بأنه “الأمم المتحدة للدعارة”، إذ كان يضم في أمسية واحدة نحو 500 فتاة من شتى الجنسيات: من الصين وتايوان، إلى روسيا، إلى أوروبا الشرقية وآسيا.

ورغم إغلاق النادي بعد انكشاف أمره، فإن القضية لم تنتهِ. بالعكس، ظهرت عشرات النوادي المماثلة في مناطق مختلفة، لتواصل الدور نفسه تحت أسماء جديدة وواجهات قانونية ظاهرها السياحة والترفيه، وباطنها تجارة الجنس.

وقد ركز الوثائقي الأخير على قضية فتاة سقطت من برج شاهق في دبي، سُجّل موتها رسميًا كانتحار.

غير أن التحقيقات الاستقصائية كشفت خيوط شبكة قديمة لتجنيد النساء من إفريقيا عبر عقود عمل وهمية، ثم إجبارهن على العمل في البغاء بعد مصادرة جوازات سفرهن واحتجازهن في ظروف أقرب إلى الاتجار بالبشر.

وكالعادة، أغلقت مراكز الشرطة الملف بتوصيفات جاهزة: “انتحار” أو “حادث عرضي”، بينما يعرف الجميع أن هذه العصابات تعمل من قلب الفنادق المرخّصة وتحت أنظار الأجهزة الرسمية.

الدعارة في دبي اقتصاد منظم

التبرير الرسمي وغير المعلن الذي يسوّقه بعض رجالات الحكم أن وجود “أسواق الدعارة” ضرورة لتفريغ الكبت وسط ملايين العمال العزّاب، تجنبًا للتحرش بالمواطنات أو انفجار اجتماعي.

لكن هذا التبرير تحوّل إلى غطاء لمشروع استثماري ضخم، تُقدّر أرباحه بالمليارات، وتشارك فيه أطراف نافذة من القصر والأجهزة.

فقد تحولت التجارة القذرة إلى أداة مزدوجة: من جهة استثمار اقتصادي يدرّ دخلاً ثابتًا، ومن جهة أخرى وسيلة لضبط الداخل، حيث يُستخدم الجنس كأداة سيطرة على رجال القصر ورجال الأعمال، ما يجعلهم غارقين في النزوات بعيدًا عن التفكير في أي دور سياسي أو مطالب إصلاحية.

مسرح بوليسي بوجهين

دبي معروفة بأنها مدينة بوليسية تراقب أنفاس الناس عبر الكاميرات وأنظمة الذكاء الاصطناعي. لذلك، من غير المنطقي أن تنشط شبكات الدعارة بهذا الحجم دون قرار سياسي.

وعليه، فإن “مداهمات” الشرطة التي تُعلن بين الحين والآخر – إغلاق فندق هنا أو ترحيل عشرات العاملات هناك – ليست سوى عمليات تجميلية لإيهام الرأي العام بأن الدولة تحارب الظاهرة. في الواقع، ما يتم إغلاقه لا يتجاوز كونه جزءًا صغيرًا من “الضرائب” على هذه التجارة، بينما تبقى الشبكات الكبرى محمية.

وتحت هذه المظلة، يرتكب الأثرياء والنافذون فظاعات لا حصر لها. تقارير حقوقية وإعلامية عديدة تحدثت عن حفلات تنتهي بانتهاكات جماعية، جرائم اغتصاب، بل وحتى حالات قتل طُمست بالكامل. مشاهد أقرب إلى دراما الجريمة السوداء تُمارس على أرض الواقع في قلب أبراج دبي الفارهة وفنادقها الفاخرة.

هذا الانحراف لم يعد مجرد انحلال أخلاقي فردي، بل صار نظامًا كاملًا يُدار بعناية، وتُغطى جرائمه بخطابات رسمية وأجهزة أمنية وإعلامية، بينما تبقى الضحايا – غالبًا فتيات فقيرات من إفريقيا وآسيا – بلا صوت ولا عدالة.

نظام لا فضائح فردية

إن ملف الدعارة في الإمارات ليس “فضيحة اجتماعية” عابرة، بل يعكس بنية الحكم وآليات السيطرة. الدولة التي لا تسمح بتغريدة ناقدة دون اعتقال صاحبها، هي نفسها التي تسمح لشبكات دعارة ضخمة بالعمل من قلب فنادقها الرسمية.

وما كشفه وثائقي الـBBC وأعاد وسوم التواصل الاجتماعي إشعاله ليس جديدًا، لكنه يسلط الضوء مجددًا على سؤال جوهري:

هل نحن أمام “انحرافات فردية” كما تدّعي الأجهزة، أم أمام نظام كامل يحوّل أجساد الفتيات إلى سلعة، ويغطي جرائم الأثرياء ليحافظ على استقرار وهمي قائم على قمع الداخل وإلهائه؟ الجواب بات واضحًا: في دبي، الدعارة ليست مجرد سوق سرّي… إنها جزء من النظام نفسه.