بينما تغرق غزة في أتون الجوع والحصار والقصف، وبينما تتساقط أجساد الأطفال على الطرقات في انتظار شاحنة مساعدات قد لا تصل أبدًا أو تُستهدف عمدًا، تشهد الضفة الغربية تحركات مريبة لا تتوافق مطلقًا مع حجم المأساة الوطنية.
فقد أعلنت السلطة الفلسطينية وأبوظبي هذا الأسبوع عن توقيع اتفاق مشترك لـ”مكافحة غسل الأموال وتطوير الأنظمة الرقابية المالية”، في خطوة بدت في ظاهرها تقنية، لكن في باطنها تسير وفق خارطة طريق إسرائيلية لتأهيل الأراضي الفلسطينية – وتحديدًا الضفة – لمرحلة ما بعد الحرب على غزة.
اتفاق بألف علامة استفهام
الاتفاق الذي وقّع في أبوظبي، تضمن مفردات روتينية من قبيل “تعزيز الشفافية” و”مكافحة الجرائم المالية” و”تبادل الخبرات التقنية”، لكن ما لم يُكتب في البيان أكثر أهمية وخطورة بكثير مما كُتب.
فبحسب مصادر مطلعة في رام الله، فإن الاتفاق تمّ بتنسيق إسرائيلي مباشر، وبعلم مسبق من أجهزة الأمن في تل أبيب، لضمان أن تتحول السلطة الفلسطينية من كيان شبه إداري، إلى أداة مالية – أمنية تعمل ضمن منظومة رقابة إسرائيلية – خليجية موحدة، تتحكم في تفاصيل الإنفاق والرواتب والتحويلات المالية التي تصل الفلسطينيين، لا سيما في الضفة الغربية.
“الإرهاب المالي” معيار الحكم
المنظومة الجديدة التي يُراد تركيبها بدعم تقني إماراتي، تهدف – عمليًا – إلى فرض نظام رقابة مشدد على كل حركة أموال تصل إلى الأراضي الفلسطينية.
فكل تحويل مالي لا يمر عبر “القناة الرسمية”، يمكن وصمه بالإرهاب، أو تجميده، أو مصادرته. وهذه ليست افتراضات، بل أدوات قانونية أصبحت شائعة في قوانين غسيل الأموال الدولية، ويتم توظيفها اليوم سياسيًا في أكثر من ساحة، والضفة ليست استثناء.
بهذا الشكل، لا يعود الحديث فقط عن “حسابات مصرفية” أو “تدقيق داخلي”، بل عن منظومة تحكم شاملة تمكّن إسرائيل من التحكم غير المباشر بمصير شعب بأكمله، من خلال سلاح المال.
فمنح الرواتب، وقطعها، وتمرير التحويلات من الشتات، وتسهيل الدعم العائلي للمحتاجين، كلها قد تُخضع لمقاييس الرقابة التي سيشرف عليها خبراء إماراتيون، بتنسيق مع الإسرائيليين، وبأيدٍ فلسطينية “مُدرّبة”.
غزة تحترق.. ورام الله تُدرَّب
ما يثير الاستغراب أكثر هو التوقيت. فبينما يتحدث العالم عن كارثة إنسانية غير مسبوقة في غزة، وعن مجاعة مصنّعة يقف وراءها الاحتلال الإسرائيلي عبر الحصار والتجويع ومنع الإغاثة، تُوقّع أبوظبي اتفاقًا بيروقراطيًا تنظيميًا مع رام الله، وكأن شيئًا لم يكن.
في الخلفية، يتضح أن هذا الاتفاق جزء من مخطط أشمل يهدف إلى إعادة هندسة المشهد الفلسطيني بعد الحرب. تل أبيب تدرك أن غزة لن تبقى على حالها، لكنها لا تريد أن تستعيد المقاومة سيطرتها، كما لا تريد الدخول المباشر في الإدارة. لذلك، تدفع بخطة متعددة الأطراف:
إسرائيل تتحكم من بعيد.
الإمارات تساهم في الهيكلة والتمويل تحت شعار “الحوكمة”.
والسلطة تُدجَّن لتكون واجهة بيروقراطية تُمثّل الاحتلال دون أن تبدو كذلك.
بمعنى آخر: تدير إسرائيل الأرض عبر “وكلاء” محليين – إقليميين، يملكون السلطة الإدارية دون القرار السيادي.
خنق غزة من الجو.. وخنق الضفة من المصرف
العدوان على غزة يعتمد على الحصار العسكري والتجويع، أما الضفة فتُخنق الآن من خلال المصارف والمنظومات القانونية.
فبينما تمنع إسرائيل دخول أي قافلة مساعدات إلى غزة إلا وفق شروطها، ويجري إسقاط الإغاثة جواً بطريقة مسرحية، تنشغل السلطة الفلسطينية بتعديل الأنظمة المالية، ليس من أجل تأمين حياة الفلسطينيين، بل من أجل “مطابقة المواصفات الدولية” التي تحددها تل أبيب وأبوظبي معًا.
والنتيجة واحدة: تجويع المدنيين في غزة بالقنابل، وتجويع أهل الضفة بالقوانين.
حين تفقد إسرائيل دعم “الأصدقاء”
وسط هذه التطورات، تفقد إسرائيل تدريجياً كل ذرة احترام أو دعم أخلاقي في الغرب.
فقد انفضحت آلة التجويع الجماعي، وبدأت عواصم القرار الأوروبي والأمريكي تتلقى ضغوطات داخلية غير مسبوقة، من إعلاميين ومثقفين وناخبين يطالبون بوقف الدعم الأعمى لتل أبيب.
حتى في الولايات المتحدة، باتت وسائل الإعلام الكبرى تتحدث بصراحة عن “جرائم حرب”، ولم تعد دعاية “الحق في الدفاع” قادرة على إقناع أحد، بينما تنتشر صور الأطفال الجوعى من غزة في شوارع واشنطن وبرلين وباريس.
لكن، مقابل هذا التراجع الغربي، تسارع بعض العواصم العربية – وتحديدًا أبوظبي – إلى لعب دور الوسيط القمعي، وتقديم خدمات مجانية للاحتلال، على حساب القضية الفلسطينية.
ما بعد الحرب: سلطة مالية.. بلا شرعية
الخطير أن السلطة الفلسطينية، التي فقدت منذ سنوات شرعيتها التمثيلية والسياسية أمام شعبها، باتت تقبل بدور “المنسّق المالي” لمصالح الخارج، مقابل البقاء في السلطة.
ومن هنا، يتحول المال إلى أداة قمع، ويصبح التحويل المالي مشروطًا بالولاء، والمعارضة تُصنّف “جريمة اقتصادية”.
وعليه فإن ما يجري حاليًا في رام الله ليس مجرد “تنظيم مالي”، بل هو حجر أساس في مشروع أكبر عنوانه: “إسرائيل تدير من بعيد، والإمارات تنفذ، والسلطة تُستخدم.”
وبينما يُدفن الأطفال في غزة تحت الركام، تُجهّز الضفة الغربية لمنظومة رقابة تُدار بمقاييس “بن زايد” وبتوقيع “تل أبيب”، في مشهد لم يعد يخجل من كونه احتلالًا بالوكالة… وبمباركة “شركاء الأمن المالي”.
