على مدار سنوات طويلة، أظهرت دولة الإمارات تجاهلًا صارخًا لسيادة القانون والحقوق الفردية، حتى بات لديها تاريخا حافلا بالانخراط في تكتيكات تجسس ومراقبة واسعة النطاق ضد المنتقدين والمعارضين داخل وخارج حدودها.
وقد اتُهم النظام الإماراتي بما في ذلك رأس الهرم الحاكم في كل من أبوظبي ودبي، باستخدام أدوات مراقبة إلكترونية متطورة لاختراق الهواتف وحسابات البريد الإلكتروني والاتصالات الرقمية للناشطين والصحفيين وحتى المسؤولين الحكوميين الأجانب.
وهذا التجسس الإلكتروني ينتهك خصوصية وحقوق الأفراد المستهدفين ويشكل تهديدًا أوسع لأمن واستقرار العمليات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.
كما أن استعداد الإمارات للانخراط في مثل هذه الأنشطة يشير إلى جهد متضافر لتقويض مبادئ حرية التعبير والمعارضة والمساءلة التي تشكل جوهر المجتمعات الديمقراطية.
ويؤكد خراء أن القمع عابر للحدود الوطنية، يمتد إلى ما هو أبعد من حدود الإمارات من خلال استخدام العملاء السريين والمرتزقة واستغلال آليات ومؤسسات إنفاذ القانون الدولي.
وتعكس الأجندة الاستبدادية للإمارات في الخارج مدى إحكام سيطرتها على السياسة في الداخل، وقمع أي شكل من أشكال المعارضة أو الاختلاف.
ويواجه الناشطون والصحفيون والإماراتيون العاديون الذين يجرؤون على التحدث ضد النظام عقوبات قاسية، بما في ذلك السجن والتعذيب وغير ذلك من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ولا تقتصر التكتيكات القمعية للإمارات العربية المتحدة على المعارضين والناشطين، بل تشمل أي شخص يُنظر إليه على أنه يشكل تهديدًا لمصالحها، بما في ذلك رجال الأعمال الدوليين الذين يعملون داخل حدود البلاد.
وهناك حالتان توضحان المخاطر الجسيمة المترتبة على ممارسة الأعمال التجارية في الإمارات وتجاهل السلطات الإماراتية للإجراءات القانونية الواجبة وحقوق الإنسان، حتى بالنسبة للأجانب.
كان رايان كورنيليوس، رجل الأعمال البريطاني، وزاك شاهين، المدير التنفيذي الأميركي، ضحايا لقضيتين منفصلتين من الاعتقال التعسفي. فقد ألقي القبض على كورنيليوس في عام 2008 بتهمة الاحتيال المتعلق بمشروع تطوير عقاري في دبي.
وعلى الرغم من عدم وجود أدلة وإعلان مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي أن احتجازه تعسفي ودعوتها إلى إطلاق سراحه على الفور، لا يزال كورنيليوس مسجونًا في الإمارات في ظل ظروف قاسية. وكما قالت مجلة الإيكونوميست: “إنّ كورنيليوس ليس سوى واحد من آلاف المغتربين الذين سُجنوا في دبي بعد أن وقعوا في فخ النظام القانوني القاسي في الإمارة والأشخاص الأقوياء الذين يتلاعبون به”.
ويشمل ذلك شاهين، المدير التنفيذي السابق في شركة تطوير عقاري كبرى في دبي، والذي اعتُقل أيضًا في عام 2008 بتهمة اختلاس الأموال، على الرغم من أنه لا يمكن ربط أي من الأموال التي اتُهم بسرقتها به بشكل مباشر.
ويقبع شاهين في السجن منذ فترة طويلة ويتعرض لسوء المعاملة الشديد، على الرغم من الدعوات الدولية العديدة للإفراج عنه، بما في ذلك أيضًا من مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي.
إنّ هذا التجاهل لسيادة القانون، بدوره، يُفضي للقمع العابر للحدود الوطنية خارج الإمارات. ففي حين تعرض الإمارات صورة دولية للرخاء والتقدم الاقتصادي—وهي نتاج حملة علاقات عامة باهظة الثمن تعتمد على شركات العلاقات العامة وجماعات الضغط الغربية—فإنها أيضًا ترد بشدة على الانتقادات الموجهة إلى انتهاكاتها لحقوق الإنسان الموثقة جيدًا.
وقد فعلت أبوظبي ذلك ليس فقط من خلال صورة علاقات عامة مزروعة بعناية، ولكن من خلال وضع المسؤولين الإماراتيين بشكل استراتيجي في أدوار مؤثرة داخل المنظمات الدولية، مثل الإنتربول، لتوسيع نفوذها وتخفيف التدقيق الدولي وحماية مصالحها المحلية والدولية.
وشكل صعود أحمد ناصر الريسي—وهو ضابط إماراتي متهم بالتواطؤ في التعذيب كمسؤول كبير في وزارة الداخلية—إلى رئاسة الإنتربول، وهي منظمة مصممة لتسهيل التعاون الدولي للشرطة، مثالا رئيسيا على ذلك.
ويشدد الخبراء على أنّ كل هذه التكتيكات التي تنتهجها الإمارات تشكل تهديدًا كبيرًا للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تتميز مهمة الإمارات للتجسس على المعارضين وقمعهم على مستوى العالم بعمليات مثل مشروع رافين—وهو برنامج سري يتم فيه استئجار عملاء استخبارات أمريكيين سابقين لمساعدة السلطات الإماراتية على “الانخراط في مراقبة الحكومات الأخرى والمتشددين ونشطاء حقوق الإنسان المنتقدين للنظام الملكي”، كما ذكرت وكالة رويترز في عام 2019.
كما سمحت أداة أخرى في ترسانة برامج التجسس الإماراتية، المعروفة باسم كارما، للنظام باختراق أجهزة آيفون للنشطاء والدبلوماسيين والزعماء الأجانب المنافسين، وأعطى هذا البرنامج الخبيث الإمارات حرية كاملة لمراقبة الاتصالات وحركة أعدائها المفترضين في جميع أنحاء العالم سرًا.
كما قامت الإمارات بتشويه سمعة المنظمات والأفراد الذين يتحدثون ضد انتهاكاتها لحقوق الإنسان ومضايقتهم. وكانت منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية، وهي مؤسسة خيرية دولية كبرى مقرها المملكة المتحدة وتعمل بانتظام مع الأمم المتحدة والوكالة الأميركية للتنمية الدولية والحكومات الأوروبية، هدفًا لحملة إعلامية منظمة زعمت أن لها علاقات بالإرهاب.
وقد مولت الإمارات حملة التشهير، باستخدام شركة استخبارات خاصة في جنيف، بعد أن أدرجت حكومة الإمارات منظمة الإغاثة الإسلامية على قائمة “المنظمات الإرهابية”—وهي الاتهامات التي نفتها المنظمة بشدة. ويُظهِر هذا النمط من التنمر خارج الحدود الإقليمية المدى الذي قد تذهب إليه أبوظبي لقمع أي تهديد محتمل لمصالحها.
