قدّم ضابط استخبارات كبير في ميليشيات قوات الدعم السريع شهادة نادرة تُعيد ترتيب صورة الحرب السودانية وتسلّط الضوء على دور خارجي للإمارات بدعم حرب أهلية مدمرة في البلاد منذ سنوات.
وبحسب تحقيق نشرته منصة “دارك بوكس”، فإن الضابط، الذي عرّف نفسه باسم مستعار “أحمد” لأسباب أمنية، قال إن الإمارات “ليست مراقبًا على الهامش”، بل “الداعم الرئيسي” لتشكيلات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم حرب وعمليات تطهير عرقي وتجويع ممنهج للمدنيين.
وفق الشهادة التي وثّقها التحقيق، تُنقل شحنات أسلحة ومعدات عسكرية من الإمارات إلى مناطق سيطرة الدعم السريع عبر مسارين متكاملين: رحلات جوية تنتهي في شرق تشاد، يليها نقل بري عبر ممرات حدودية نحو دارفور.
ويؤكد الضابط “أحمد” أن “عديدًا من الطائرات التي تهبط في جنوب دارفور تحمل أسلحة قادمة من الإمارات، بعضها يعبر عبر مطار أمجراس في تشاد”، مشيرًا إلى أن الدور التشادي يقتصر على كونه “ممرًا” لوجستيًا.
وتتطابق هذه الرواية مع سلسلة دلائل راجعتها منصة “دارك بوكس” بصورة مستقلة، تشمل لقطات مصوّرة لقوافل وشاحنات تسلك طرق الإمداد ليلًا، وبيانات تتبّع رحلات تقول إنها تُظهر رحلات شحن متكررة بين قواعد جوية إماراتية ومطارات في شرق تشاد منذ عام 2024، فضلًا عن شهادات منشقّين عن الدعم السريع ومسؤولين حدوديين تشاديين تحدثوا عن “تهريب جماعي للأسلحة”.
حصار الفاشر… آخر عاصمة في الشمال
في موازاة ذلك، ترسم الوقائع الميدانية في شمال دارفور صورة متدهورة للوضع الإنساني داخل مدينة الفاشر، آخر عاصمة ولائية صامدة في الإقليم.
وقال إدريس علي، قائد “قوات المهام المشتركة” التي تقاتل ضد الدعم السريع، لـ“دارك بوكس” إن قواته “تتعرض لقصف مدفعي متكرر وبأسلحة متطورة”، مرجّحًا مصدرها إلى “الإمدادات القادمة من الإمارات، فيما تشاد ليست سوى طريق عبور”.
وقدّم علي تسجيلات قال إنها تُظهر شاحنات مغطّاة تعبر ليلاً ممر “أدري” من تشاد إلى غرب دارفور، إلى جانب قوافل من سيارات “لاند كروزر” مطلية بألوان الدعم السريع قبل تحويلها إلى مركبات مسلّحة.
ويُحاصر وفق تقديراته نحو مليون مدني داخل المدينة تحت نيران القصف وغارات الطائرات المسيّرة، وسط نقص حاد في الغذاء والإمدادات الطبية.
ذهبٌ يمول الرصاص والقتل
يستند التحقيق إلى ترابط اقتصادي–أمني يصفه الضابط “أحمد” بأنه “جوهر العلاقة”: سيطرة الدعم السريع على مناجم ذهب مربحة في دارفور، ووجود الإمارات كأحد أكبر مراكز تجارة الذهب عالميًا.
ويزعم أن هذا “التبادل المنفعي” — ذهبٌ مقابل تمويل وتسليح وخدمات لوجستية — يُبقي الآلة العسكرية للدعم السريع قادرة على القتال رغم موجات الإدانات والضغوط الدولية.
ويضيف الضابط أن العلاقة “مالية قبل كل شيء”، لكنها تُترجم ميدانيًا في صورة قدرات قتالية مُعزّزة وحصار مديني ممتدّ، بما يقوّض — من وجهة نظره — فرص العودة إلى مسار حكم مدني أو مصالحة وطنية. “الدعم السريع يخنق البلاد، ومن يمدّه بالقدرات شركاء في الجريمة”، يقول إدريس علي.
سلسلة توريد “ظليّة”
يُفصّل التحقيق ما يصفه بـ“سلسلة توريد ظليّة” تمتدّ من مرافق شحن في الخليج إلى مطارات حدودية تشادية، أبرزها مطار أمجراس الذي يورده الضابط كمحطة محورية للهبوط قبل توزيع الشحنات على مسالك صحراوية باتجاه دارفور.
وتشير منصة “دارك بوكس” إلى أن مراجعة المقاطع المرئية والبيانات المفتوحة المصدر وشهادات منشقين ومسؤولين حدوديين “تتسق في خطوطها العريضة”، وإن تعذّر التحقّق الميداني المستقل من كل تفصيلةٍ لأسباب أمنية.
ويذكّر التحقيق بسجل الانتهاكات المنسوب إلى قوات الدعم السريع: قتل جماعي، عنف جنسي، إعدامات خارج نطاق القانون، وحصارات تتسبب في تجويع المدنيين — وهي أنماط تُصنّف جرائم حرب بموجب القانون الدولي. الجديد هنا، وفق “دارك بوكس”، هو رسم صورةٍ أوضح للجهات المتهمة بإسناد تلك القدرات العملياتية عبر المال والسلاح والخدمات اللوجستية.
وبينما يتداول المجتمع الدولي خيارات كالعقوبات وحظر السلاح والضغط لوقف إطلاق نار ذي مصداقية، يخلص التحقيق إلى أن “تدفق الإمدادات مستمر بوتيرة ثابتة”، ما يطيل أمد النزاع ويضاعف كلفة المعاناة الإنسانية.
وخلص التحقيق إلى أن ما يجري في السودان ليس مجرد نزاع داخلي بين فصيلين مسلحين، بل ساحة صراع إقليمي تتقاطع فيها حسابات القوة والموارد.
وبحسب الشهادات والأدلة التي عرضها، فإن الإمارات — بوصفها قوة خليجية ذات طموحات اقتصادية وسياسية ممتدة في أفريقيا — متهمة بتمويل جماعةٍ شبه عسكرية تُلاحقها اتهامات بارتكاب فظائع جماعية، فيما يدفع ملايين السودانيين ثمنًا باهظًا تحت الحصار والنزوح والجوع.
وبين دعوات وقف النار ومسارات التفاوض المعلّقة، يضع التحقيق إصبعه على شرطين لازمين لتخفيف الكارثة: قطع خطوط الإمداد التي تغذي الحرب، وتفعيل مسارات مساءلة جدية تطال كل من يسهّل الانتهاكات أو يغضّ الطرف عنها. من دون ذلك، ستتواصل مأساة السودان، وتبقى بصمات الداعمين مطبوعة على خرائط الألم.
