رصد تقرير فرنسي تطورات الأوضاع في كل من ليبيا واليمن واستمرار حروب دولة الإمارات الخاسرة في منطقة الشرق الأوسط خدمة لمؤامرات أبو ظبي في كسب النفوذ والتوسع.
وتشكل التطورات العسكرية المتسارعة في ليبيا وتقدم قوات حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا وإلحاقها هزائم متتالية لقوات حفتر المدعوم إماراتيا في مناطق الغرب الليبي، انتكاسة جديدة لمخططات أبوظبي في المنطقة ليضاف إلى سلسلة من الفشل العسكري الذريع لتحركات الإمارات بعد أكثر من 5 سنوات من الحروب المباشرة في اليمن وأخرى غير مباشرة في ليبيا.
وتحتل الإمارات المرتبة الرابعة كأكبر مستورد للأسلحة في العالم خلال الفترة الممتدة من (2011-2015)، وتواصل تحركاتها لبسط النفوذ في العديد من دول العالم لا سيما في اليمن وليبيا والسودان ومنطقة القرن الأفريقي.
وناقش تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية سياسات ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد الذي وصفته بأنه يحمل عداء خالصا لإيران من جهة، ولجماعة الإخوان المسلمين من جهة ثانية؛ معتبرة أن الانتكاسات التي حصدتها الإمارات في المسرحين اليمني والليبي تزيد من فشل هذه السياسية العسكرية لسيد أبو ظبي.
ويضيف التقرير أنه منذ شهر مارس/ آذار 2015، تشن كل من السعودية والإمارات حربا طاحنة على الحوثيين الموالين لإيران، الذين تمكنوا من السيطرة على اليمن بعدما أطاحوا بالحكومة المعترف بعها من قبل الأمم المتحدة. وعلى عكس السعوديين، قامت القوات الإماراتية بدور رئيسي على الأرض في عمليات طرد الحوثيين من مدينة عدن عام 2015. كما تمكنت في ربيع عام 2016 من طرد قوات تنظيم القاعدة خارج ميناء المكلا.
ورغم أن الإمارات قدمت ثمنا باهظا لهذا الحضور عندما فقدت 45 فردا من جنودها في قصف صاروخي في سبتمبر/ أيلول 2015، فإنها نجحت في فرض استراتيجيتها الخاصة على حليفتها السعودية: أولا من خلال رفض التعاون مع الإخوان المسلمين من حزب الإصلاح اليمني، الذي يحظى بمشاركة قوية في الحكومة، وثانيا من خلال دعمها انفصاليي الحراك الجنوبي، الذين يسعون إلى إعادة تأسيس دولة اليمن الجنوبي المستقل.
ويقول التقرير إن استراتيجية الإمارات في اليمن قامت على أساس تقويض سلطة الرئيس المنتخب عبد ربه منصور هادي، الذي انتخب رئيسا لليمن في الاقتراع الذي شهدته البلاد في العام 2012 تحت إشراف الأمم المتحدة وبعد ثلاث سنوات أجبره الحوثيون على الذهاب إلى المنفى في العاصمة السعودية الرياض.
ويوضح التقرير أن هادي لم يتمكن من الاستقرار في عدن بسبب دعم الإماراتيين للانفصاليين.
ويضيف أن الأكثر خطورة هو أن أبو ظبي فضلت التحالف مع الميليشيات السلفية وحتى الجهادية لمواجهة الإخوان المسلمين. واعتبارا من يونيو/ حزيران 2018 ركز محمد بن زايد هجومه العسكري على ميناء الحديدة الذي يمثل المنفذ البحري الوحيد لإمداد العاصمة صنعاء وشمال البلاد بالمواد الضرورية للعيش.
ويقول التقرير إنه على الرغم من القتال العنيف الذي امتد لأشهر طويلة لم تتمكن الإمارات من اختراق الخطوط الأمامية لخصومها واضطرت لقبول وقف إطلاق النار تحت رعاية الأمم المتحدة.
ويضيف أنه بعدما استخلص الإماراتيون العبر من هذ الفشل أعلنوا عن خفض مشاركتهم العسكرية في اليمن، ليقدموا بعد ذلك في شهر فبراير/ شباط الماضي على سحب قواتهم من اليمن، لكن ذلك لم يمنع ابو ظبي من الاستمرار في التأثير في الأزمة اليمنية من خلال أفراد القبائل التي تحميها في الجنوب.
ويقول التقرير إنه يبدو أن الانسحاب الإماراتي من اليمن ترك السعودية تواجه تحدي إنهاء النزاع في اليمن، في الوقت الي تواجه فيه حكومة عبد ربه منصور هادي الضعيفة مزيدا من المظاهرات من انفصاليي الجنوب.
في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، رعت الرياض اتفاقًا بين الحكومة و”الانتقالي الجنوبي”، عقب نزاع مسلح بينهما، وحددت شهرين للتنفيذ، غير أن معظم بنود الاتفاق، لا سيما الأمنية، لم تُنفذ حتى الآن، وسط اتهامات متبادلة.
وقبل أيام تمكنت القوات اليمنية الموالية للشرعية، من استعادة السيطرة على مطار سقطرى بعد أيام من تمرد بعض الكتائب العسكرية المكلفة بحمايته، فيما أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتياً، تعيين قيادة جديدة له في الأرخبيل اليمني الواقع بالمحيط الهندي.
وقال مصدر يمني إن اللواء الأول مشاة بحري أنهى تمرد الكتائب التي أعلنت ولاءها للمجلس الانتقالي قبل أيام، وبسط سيطرته الكاملة على مطار سقطرى.
الحرب في ليبيا: يقول التقرير إن ليبيا شهدت ثلاث حروب أهلية منذ عام 2011، وامتدت الحرب الأولى بضعة أشهر وانتهت بالإطاحة بنظام الديكتاتور معمر القذافي.
أما الحرب الثانية والثالثة فقد اندلعتا على التوالي في العام 2014 و2019 من قبل اللواء المتقاعد خليفة حفتر، إذ أن محمد بن زايد انضم لحفتر دون تردد، واعتبره أفضل حصن لحماية ليبيا من نفوذ الإخوان المسلمين وحلفائهم الإقليميين.
ويبرز التقرير أنه في أغسطس/ آب 2014، قامت طائرات إماراتية من نوع ميراج F1 بقصف العاصمة الليبية طرابلس دون أن يحول ذلك من سقوطها في ايدي مناهضة لحفتر.
ويشير التقرير إلى انه وفي تحد سافر لقرار الام المتحدة الذي يدعو إلى منع توريد الأسلحة إلى الداخل الليبي، قامت أبو ظبي بتقديم مروحيات بيلاروسية الصنع لحفتر، وأغدقت عليه الأموال بسخاء لشراء الأسلحة الثقيلة.
ويوضح التقرير أنه وفي محاولة لتجاوز حالة الإحباط العسكري خلال عامي 2014-2015، عمد حفتر إلى استئناف العمليات العسكرية العدوانية في أبريل/ نيسان 2019 بهدف نسف تسوية مقدمة من قبل منظمة الأمم المتحدة.
ويضيف أن الإمارات حضرت مرة أخرى بكامل قوتها في هذه الحرب الأهلية الجديدة، أكثر مما قامت به الدول الأخرى الحليفة لحفتر وهي مصر وروسيا والسعودية.
ويقول التقرير إنه وكما هو الحال في اليمن، اتخذ محمد بن زايد الخيار الأخطر المتمثل في دعم الميليشيات السلفية، التي تكن عداوة خاصة لجماعة الإخوان المسلمين؛ لكن يبدو أن هذا التصعيد العسكري دفع بحكومة طرابلس إلى تركيا، التي أضعفت مشاركتها المتزايدة في ليبيا مواقع حفتر على عدة جبهات في الداخل الليبي، وجعلته غير قادر على تحقيق نجاح عسكري حاسم.
ومع ذلك، يقول التقرير، ساهم محمد بن زايد في استقالة مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا، ثم أقنع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالاعتراض على تعيين وزير الخارجية الجزائري السابق، معتبراً إياه غير مناسب، ولا يزال المنصب شاغرا بسبب “السياسة السيئة لأبو ظبي”، على حسب وصف الصحيفة.
ويضيف التقرير أنه هكذا إذا وجه التصعيد العسكري الإماراتي في كل من اليمن وليبيا ضربة قوية لكل من سلطات الحكومات المعترف بها من قبل المجتمع الدولي ووساطة الأمم المتحدة للسلام. كما زاد من دور الميليشيات المتناحرة والمفككة في هذين البلدين المعرضين للتفكك. بالإضافة إلى ذلك، شجع محمد بن زايد، من خلال سخائه المادي، مشاركة خصومه الإقليميين مثل إيران في اليمن وتركيا في ليبيا. وبالتالي فإنه في ظل غياب انتصار واضح في ساحة المعركة، فإن اختيارات المعسكرين أدت إلى نتيجة عكسية.
ويخلص التقرير إلى أنه وبعيدا عن تأثير هذه الهجمات على السكان المعنيين، فإن نتائج أكثر من خمس سنوات من المغامرة تبدو قاتمة بالنسبة لـ “اسبرطة الشرق الأوسط”.
لذا يبدو أن أبوظبي في وضع صعب في ليبيا، حيث كانت تواصل تحريض حفتر على تجنب المسار التفاوضي والتصعيد العسكري ضد طرابلس ولم يضعوا حسابا لهذا الانهيار، وما زاد في تعقيد الوضع هو تراجع التدخل الفرنسي، خاصة بعد تركيز باريس على مواجهة حرب كورونا والتي مسّت أحد أهم مفاصل قوتها العسكرية البحرية وأحد أذرع تدخلها الاستعلاماتي والجوي الخارجي، أي حاملة الطائرات شارل ديغول بحسب مقال للكاتب طارق الكحلاوي.
وبقيت الإمارات تقريبا منعزلة في ليبيا عدا عن أنها هي أيضا متضررة اقتصاديا بشكل كبير من تراجع أسعار النفط وتأثيرات كورونا. إضافة إلى ذلك، توجهت أبو ظبي في الفترة الأخيرة للاستعانة حتى بإسرائيل، مثلما ينقل تقرير مراسل موقع “ميدل إيست آي”، في توفير أسلحة وتقديم تدريبات لقوات حفتر.
وهذا الدعم الإسرائيلي، الذي تم تسهيله عبر الطرف المصري حسب التقرير، تمثل تحديدا في نظام دفاع جوي بما يعكس تطور قدرات حكومة الوفاق جويا على أثر تزايد الحضور التركي وتكثيف دور الطائرات التركية بدون طيار. بيد أن هذا الدعم يبدو أقل من أن يؤثر جوهريا وربما متأخر جدا.
