أبرزت وسائل إعلام دولية سلسلة حقائق حول هوس الرئيس الإماراتي محمد بن زايد بالنفوذ الشخصي على حساب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وهو ما مهد لانهيار تام للتحالف السعودي الإماراتي.
وقالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن رسو شحنة عسكرية سرّية في أحد الموانئ اليمنية كان بمثابة الشرارة التي أخرجت إلى العلن أخيرًا التوترات المكتومة بين ثقيلي الخليج، المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بصورة دراماتيكية.
وأشارت الصحيفة إلى أن الرياض كانت قد حاولت وعلى مدى أسابيع، من دون ان تنجح، استخدام القنوات الدبلوماسية للضغط على فصيل يمني مدعوم من الإمارات للانسحاب من محافظات استولى عليها في ديسمبر قرب الحدود السعودية، غير أنّ الرياض اتهمت، الإمارات هذه المرة، بشحن أسلحة ومركبات مدرعة إلى ذلك الفصيل، أي “المجلس الانتقالي الجنوبي” الانفصالي.
وأثار ذلك غضبًا عارمًا في الرياض، فقامت بقصف الشحنة، ووجّهت اتهامًا علنيًا للإمارات بدعم الهجوم الذي نفّذه الفصيل اليمني، ودعت أبوظبي إلى سحب ما تبقى من قواتها من الدولة التي تمزّقها الحرب.
ورفضت الإمارات الاتهامات السعودية، لكنها أعلنت في الوقت نفسه سحب قواتها في محاولة لاحتواء الأزمة وخفض التصعيد، وقد أدّى هذا التصعيد الاستثنائي إلى إدخال الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في حالة من الفوضى، غير أنّ تداعياته قد تمتد إلى ما هو أبعد من اليمن بكثير، إذ يضع محمد بن سلمان ومحمد بن زايد في صراع مباشر مفتوح.
ويقول دان شابيرو، الدبلوماسي الأميركي السابق والباحث حاليًا في المجلس الأطلسي: “الأمر مقلق، لأنه يقوّض الجهود الرامية إلى معالجة كل بؤر التوتر في المنطقة من اليمن وغزة إلى سوريا ولبنان والسودان”.
ويضيف: “سيصبح حلّ كل واحدة من هذه الأزمات أكثر صعوبة إذا لم تكن السعودية والإمارات على الجانب نفسها، وإذا رأى كل طرف أن مصالحه تتعارض مع مصالح الآخر”.
قبل عشر سنوات من الان، كانت الشراكة الطويلة بين الدولتين الخليجيتين تبدو وكأنها مقبلة على فصل جديد حيوي، تقوده قيادتان طموحتان.
كان محمد بن زايد (MBZ)، الذي يبلغ من العمر 64 عامًا ويكبر محمد بن سلمان (MBS) بأكثر من عقدين، من أوائل الداعمين لمسعى نظيره السعودي إلى تحديث المملكة والترويج لنسخة أكثر اعتدالًا من الإسلام في بلد يُعد من أكثر المجتمعات محافظة في العالم.
وكانت دولة الإمارات قد استفادت منذ فترة طويلة من دورها بوصفها قاعدة إقليمية للشركات الأجنبية التي تمارس أعمالها في السعودية، أكبر مُصدّر للنفط في العالم وأكبر اقتصاد في الخليج، لكنها كانت تتحسب في الوقت نفسه للمخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تنجم عن ركود دولة محافظة بهذا الحجم على حدودها المباشرة، ولذلك لقيت محاولات الإصلاح في السعودية ترحيبًا إماراتيًا واضحًا.
ومع ازدهار العلاقة بين الرجلين، روّج محمد بن زايد لمحمد بن سلمان وخططه في واشنطن. وذهب بعض المحللين إلى اعتبار أن القائد الإماراتي الأكبر سنًا والأكثر خبرة أدّى دور “المرشد” لولي العهد السعودي الشاب، وهو توصيف رفضته الرياض.
توحّد الطرفان في مساعيهما لفرض النفوذ على مستوى الإقليم: فقد كانت الإمارات الشريك الرئيسي للرياض عندما قاد محمد بن سلمان تحالفًا عسكريًا للتدخل ضد الحوثيين المدعومين من إيران في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015، كما تصدّر البلدان معًا الحصار الإقليمي المفروض على قطر عام 2017، وهو ما فجّر آخر أزمة كبرى في الخليج.
لكن مع ازدياد ثقة محمد بن سلمان بنفسه وتكريسه سلطته داخليًا، سعى إلى دفع بلاده نحو ما يراه دورها “الطبيعي” على الساحة العالمية، لتعود الاحتكاكات إلى الظهور بين النظامين الملكيين المطلقين، وكلاهما يتسم بالحزم والطموح.
يقول إميل حكيم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: “كل طرف يرى نفسه القائد الطبيعي: فالسعودية تعتقد أن حجمها وثقلها الرمزي يجب أن يكونا الحاسمين، في حين ترى الإمارات أن قدرتها الريادية تتناغم أكثر مع الديناميات العالمية”.
وقد استخدمت الإمارات في ظل قيادة محمد بن زايد، قوتها المالية وشبكة علاقاتها في الغرب لتصبح، على الرغم من صغر حجمها، الدولة العربية الأكثر تدبيرا للمؤامرات لكسب النفوذ.
وبرزت التوترات للمرة الأولى بشكل واضح في اليمن عام 2019، عندما غيّرت الإمارات سياستها وأعلنت سحب قواتها، التي كانت تشكّل القوة الأجنبية الأساسية على الأرض ضمن التحالف الذي تقوده السعودية.
واتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض الإمارات في العام نفسه، بقصف قواتها، في وقت كانت فيه الدولتان الخليجيتان تدعمان فصائل متنافسة مناهضة للحوثيين.
كما تصاعد التنافس الاقتصادي بينهما، وبلغ ذروته عام 2021 حين أطلق محمد بن سلمان حملة للضغط على الشركات متعددة الجنسيات من أجل نقل مقارّها الإقليمية من الإمارات إلى الرياض، ومنحت تلك الشركات مهلة ثلاث سنوات لتنفيذ الخطوة أو المخاطرة بخسارة عقود حكومية مربحة.
ونظر الإماراتيون إلى هذه الخطوة بوصفها تحديًا مباشرًا لدور دبي كمركز مالي إقليمي رائد.
وتراكمت الخلافات أيضًا حول ملفات سوريا، والحرب الأهلية في السودان، وحصص إنتاج النفط التي يحددها تحالف “أوبك بلس” الذي تُعد السعودية قائده الفعلي.
ويشير محللون إلى أن دول الخليج لا تزال تشترك في قواسم مشتركة أكثر مما يفرقها، وأن الطرفين يحرصان على الحديث عن جيرانهما “الأشقاء”، غير أن الحرب في السودان وضعت البلدين، في الأشهر الأخيرة، على طرفي نقيض.
فقد دعم الطرفان في البداية القيادة العسكرية السودانية التي تولّت السلطة بعد الإطاحة بعمر البشير عام 2019، لكن عندما وجّه الجيش السوداني (SAF) وقوات الدعم السريع شبه العسكرية (RSF) سلاحهما بعضهما إلى بعض، برزت الخلافات بين الدولتين الخليجيتين.
وتقترب الرياض أكثر من الجيش السوداني، الذي ترى فيه ممثلًا للدولة، في حين تعتقد أبوظبي أنه مخترق من قبل الإسلاميين، وتُتهم الإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح، وهي قوات واجهت اتهامات بارتكاب إبادة جماعية، وهو ما تنفيه أبوظبي.
وقد عبّر محمد بن سلمان عن مخاوفه بشأن النزاع في السودان وقوات الدعم السريع خلال لقائه دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر.
وبعد وقت قصير من لقاء ترامب–محمد بن سلمان، انفجرت أحدث أزمة في اليمن، ففي ديسمبر، سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات — والتي تُعد شكليًا جزءًا من الحكومة اليمنية — على محافظتي حضرموت والمهرة المحاذيتين للحدود السعودية.
وتعتقد الرياض أن أبوظبي أخطأت في تقدير الموقف، واعتقدت أن محمد بن سلمان أثار مسألة فرض عقوبات على الإمارات، ثم أعطى الضوء الأخضر لتقدّم قوات المجلس الانتقالي بدافع الغضب من المملكة.
وكان الصراع في اليمن قد دخل مرحلة من الجمود بعد موافقة الرياض على هدنة مع الحوثيين عام 2022، وسعيها إلى الخروج من الحرب، في وقت ركّز فيه محمد بن سلمان على أجندته الداخلية.
إلا أن الهجوم الانفصالي شكّل ضربة قاسية لنفوذ السعودية، وكذلك للحكومة اليمنية التي تدعمها، واعتبرته الرياض مساسًا بأمنها القومي.
ويقول فراس مقصد، المدير التنفيذي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة «أوراسيا»: “اليمن هو الفناء الخلفي للسعودية، والهجوم الذي شنّته قوات مدعومة من الإمارات تجاوز الخطوط الحمراء السعودية”.
وأضاف مقصد أن قرار أبوظبي سحب قواتها المتبقية وفّر “مخرجًا آمنًا” من مسار كان يمكن أن يقود إلى “تصادم مباشر بتداعيات جسيمة”.
لكن الخطر، بحسب مقصد، يتمثل في أن الأزمة “قد تحوّل التنافس الجيوسياسي بين السعودية والإمارات إلى مواجهة شخصية بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان بما يهدد استقرار المنطقة”.
