بينما تعاني غزة من الحصار والمجاعة وتخنقها آلة الحرب الإسرائيلية، تفجرت مؤخرًا فضيحة دبلوماسية صادمة كان بطلها سفير إسرائيل في الإمارات، يوسـي شيلي، بعدما شوهد وهو في حالة سُكر واضح داخل حانة فاخرة في قلب العاصمة الإماراتية أبوظبي، محاطًا بنساء إسرائيليات، وسط تصرفات وُصفت بأنها “مخزية وغير لائقة” وفقًا لشهادات مقربة من دوائر أمنية مطلعة.
ورغم أن الحادثة لم تُنشر في الإعلام الرسمي الإماراتي، إلا أنها أثارت استياءً واسعًا في الأوساط السياسية والدبلوماسية المغلقة في أبوظبي.
يأتي ذلك بعد أن رفع أفراد من الطاقم الأمني الخاص بالسفير شكوى رسمية لسلوكياته التي وصفت بأنها “لا تنتمي إلى الأعراف الدبلوماسية، وتسيء لصورة الدولة المضيفة قبل أن تسيء لصاحبها”.
سفير بلا خبرة… ورجل نتنياهو المفضّل
من المعروف أن يوسـي شيلي ليس دبلوماسيًا محترفًا، بل هو رجل أعمال وصديق مقرب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، جرى تعيينه في هذا المنصب الحساس رغم افتقاره لأي خبرة في العمل الدبلوماسي.
وقد وصفت مصادر إسرائيلية اختيار شيلي بأنه “تعيين سياسي محض”، يهدف إلى توسيع نفوذ نتنياهو عبر المقربين منه، وليس بناء علاقات دبلوماسية رصينة.
شيلي سبق أن أثار الجدل في أكثر من موقف داخل إسرائيل وخارجها، لكن الحادثة الأخيرة في أبوظبي اعتُبرت الأكثر حرجًا لأنها جرت في قلب دولة خليجية تدّعي ضبط المشهد العام والتمسك بالبروتوكول الرسمي، خصوصًا مع حلفائها الجدد.
صمت رسمي إماراتي
في أي دولة تحترم ذاتها، يتم استدعاء السفير فورًا، ويُطلب اعتذار رسمي من دولته، بل قد يُطرد من البلاد لحفظ ماء الوجه الوطني. غير أن ما جرى في الإمارات كان عكس ذلك تمامًا.
إذ لم يصدر عن وزارة الخارجية الإماراتية أي بيان رسمي، ولا تم استدعاء السفير أو طلب تغييره. وبدلاً من ذلك، اكتفى ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد بإرسال رسالة “ناعمة” إلى نتنياهو مفادها: “لو كان شخصًا آخر… لما سمحنا له بالبقاء دقيقة واحدة”، في إشارة إلى خصوصية العلاقة مع شيلي وحساسية الموقف.
هذا الصمت فُسر في الأوساط الإماراتية بأنه خضوع مطلق للخط الإسرائيلي، وعجز عن التصعيد حتى في حالة تمسّ بالشكل الدبلوماسي الإماراتي، فضلًا عن الإهانة المعنوية.
ازدواجية صارخة
أبرز مراقبون التناقض الصارخ في تعامل أبوظبي مع الحريات والكرامة الوطنية.
ففي حين يُلاحق المواطنون الإماراتيون بتهم تتعلق بمجرّد “انتقاد التطبيع” أو نشر تغريدات داعمة لفلسطين، يُسمح لسفير أجنبي – وبالذات إسرائيلي – بأن يتصرّف كسائح مخمور دون حسيب أو رقيب.
وفي هذا السياق، يقول معارض إماراتي يعيش في المنفى “إذا كانت كرامة القصر تُداس في حانة… فكيف ننتظر احترامًا لحقوق الناس؟”.
القصر يتحول إلى صالة استقبال للفضائح
تأتي هذه الحادثة في وقت حساس، إذ تواجه الإمارات انتقادات متزايدة من أطراف إقليمية ودولية على خلفية توطيدها للعلاقات مع حكومة إسرائيل اليمينية المتطرفة، وتجاهلها المستمر للانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
وإن كان البعض يبرر هذا التوجّه بالواقعية السياسية ومصالح الدولة، فإن السكوت عن فضيحة دبلوماسية بهذا الحجم يعكس مستوى الانحدار في هيبة الدولة، خاصة حين يكون السفير المعني صديقًا شخصيًا لزعيم يحتقر الأنظمة العربية ويستخدمها واجهات لخدمة مشروعه السياسي.
سفير “يعربد” ومضيف يبتلع الإهانة
معلقون إسرائيليون تساءلوا بسخرية: “كيف يُبقي بن زايد على سفير كهذا؟ هل تحوّل القصر إلى ملهى خلفي؟” في إشارة إلى العبث الواضح الذي تمارسه النخب الدبلوماسية الإسرائيلية داخل الإمارات، وسط عجز كامل من النظام الحاكم هناك عن ضبط الإيقاع.
الواقع أن ما حدث لم يكن مجرد “حالة فردية لسفير متعجرف”، بل هو انعكاس لطبيعة العلاقة القائمة حاليًا بين الإمارات وإسرائيل، حيث تتسع الفجوة بين الادعاءات بالسيادة والاستقلالية، وبين الواقع الذي ترسمه تل أبيب وتفرضه بصمت تام من أبوظبي.
ويؤكد مراقبون أن فضيحة يوسي شيلي ليست فقط مشهدًا مخجلاً لسلوك دبلوماسي في غير مكانه، بل هي مرآة كاملة لما آلت إليه العلاقة بين الإمارات وإسرائيل. فمن يعيّن شخصًا بلا خبرة، ثم يغض الطرف عن عبثه، لا يملك حق الادعاء بالسيادة ولا الكرامة الوطنية.
وفي ظل مشاهد القصف على غزة، ودماء الصحفيين والنساء والأطفال، يتجول سفير الاحتلال في حانات الخليج… ويضحك على نظام ابتلع الإهانة ودفن رأسه في الرمال.
