شكل نشر السعودية لمسار هروب قائد المجلس الانتقالي الانفصالي في اليمن عيدروس الزُبيدي عملية توثيق سياسية–عسكرية محسوبة، استُخدمت فيها الساعة والدقيقة والإحداثيات كأدوات اتهام لاصطياد غرفة التحكم الإماراتية في اليمن متلبسة وإسقاط شبكة إدارة كاملة تتبع لأبوظبي.
ورأى مراقبون أن عدم استهداف التحالف السعودي للزُبيدي عند خروجه من عدن يظهر أن المملكة لم تكن معنية باعتقاله أو تصفيته كشخص، بل كانت معنية باصطياد غرفة التحكم الإماراتية وهي تدير جريمة مكتملة الأركان: تهريب، إخفاء، تعطيل أنظمة تعريف، وتنسيق عسكري عابر للحدود.
فما نشره المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية اللواء الركن تركي المالكي شكل ملف اتهام متكامل. فالمسار البحري من عدن إلى بربرة، ثم المسار الجوي من بربرة إلى مقديشو فإلى أبوظبي، كُشف بكامل تفاصيله: اسم الواسطة البحرية، رقم التسجيل، توقيت الإقلاع والوصول، إغلاق أنظمة التعريف، نوع الطائرة، أرقام الرحلات، وحتى لحظة إعادة تشغيل نظام التعريف قبل الهبوط بعشر دقائق في قاعدة الريف العسكرية.
بهذا التتبع، تحوّل “مسار الهروب” إلى “مسار إدانة” والنتيجة التي أرادت السعودية إظهارها ظهرت بوضوح: ضابط تهريب إماراتي، سفينة إماراتية، طائرة تُستخدم في مسارح الصراع، فريق إشراف إماراتي لإثبات ارتباط القيادة العسكرية الإماراتية العليا وبين إخراج شخصية يمنية متورطة في تفجير المشهد جنوباً.
واللافت أن البيان لم يكتفِ بوصف الحركة، بل سمّى الرأس العملياتي حيث أن الكنية “أبو سعيد” لم تُترك غامضة.
فقد جرى الكشف عن الاسم الكامل: اللواء الركن عوض سعيد بن مصلح الأحبابي، قائد العمليات المشتركة بوزارة الدفاع الإماراتية كأعلى مستوى عملياتي يُدير ويُشرف ويُنسّق.
كما أن الاتصال الذي أجراه الزُبيدي فور وصوله إلى بربرة لم يكن طلب نجدة، بل إبلاغ بتنفيذ مرحلة من خطة مُسبقة. الطائرة من طراز “إليوشن IL-76” لم تكن خياراً عشوائياً، بل أداة معروفة في النقل العسكري السري، وسبق استخدامها في مسارات ليبيا وأثيوبيا والصومال. تعطيل أنظمة التعريف الجوية والبحرية لم يكن إجراءً أمنياً احترازياً، بل محاولة لإخفاء نشاط غير قانوني في مياه ومجالات دول ذات سيادة.
الأخطر في البيان أنه ربط بين وسيلة التهريب البحرية التي أقلّت الزُبيدي، وبين سفن أخرى سبق أن كُشف استخدامها لنقل أسلحة ومعدات عسكرية من الفجيرة إلى المكلا. وحدة “علم الدولة” (سانت كيتس ونيفيس) ليست تفصيلاً فنياً، بل نمط تشغيل متكرر يشي بشبكة لوجستية واحدة تُستخدم للتهريب العسكري.
بهذا الربط، تقول السعودية إن ما جرى جزء من منظومة عمل إماراتية داخل اليمن، تُدار خارج إطار التحالف، وتُستخدم لفرض وقائع بالقوة، ثم إخراج الأدوات عند انكشافها.
وإدراج اسمي أحمد حامد لملس ومحسن الوالي في نهاية البيان، مع الإشارة إلى انقطاع الاتصال بهما، يفتح باباً آخر للرسالة السعودية: الملف لم يُغلق، والمتورطون لم يُحسم مصيرهم بعد. ما كُشف هو الحد الأدنى مما تقرر إعلانه، أما ما لم يُعلن، فهو – وفق لغة البيانات العسكرية – أثقل وأخطر.
في المحصلة، لم تستهدف السعودية الزُبيدي، بل استخدمته كطُعم. تركته يغادر، راقبته، وثّقت كل خطوة، ثم عرضت المشهد كاملاً للرأي العام وللشركاء الدوليين. الرسالة النهائية واضحة: غرفة التحكم الإماراتية في اليمن لم تعد تعمل في الظل، وقد جرى ضبطها متلبسة بالجريمة، بالصوت والصورة والتوقيت في لحظة كاشفة في الصراع داخل معسكر “التحالف” نفسه، حيث انتقلت الخلافات من الغرف المغلقة إلى بيانات عسكرية موثقة، تُدار بلغة الإدانة لا المجاملة.
