أكد باحث دولي أن دولة الإمارات تتآمر لتوسيع نفوذها الإقليمي لكن خططها ترتد عليها سلبا بفعل أنها تحمّل نفسها أكثر من طاقتها.
جاء ذلك في مقال تحليلي لكريستيان كوتس أولريخسن الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد بايكر للسياسة العامة في جامعة رايس في تكساس.
وقال أولريخسن “تعود جذور صعود الإمارات كلاعبٍ أساسي في الشؤون الإقليمية وحتى الدولية إلى ماقبل اندلاع الربيع العربي”.
وأضاف “فقد بدأ هذا الدور يتبلور في مرحلة التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأحد أسباب ذلك هو التحوّل على مستوى الجيل الذي يتولى زمام القيادة”.
إذا أصبح محمد بن راشد آل مكتوم في دبي ومحمد بن زايد آل نهيان في أبو ظبي أكثر بروزاً في مجال صنع القرار بعد وفاة والدَيهما في عامَي 1990 و2004 على التوالي.
وقد اعتبِر محمد بن راشد ومحمد بن زايد شخصيتَين تحديثيتين وطموحتين، وعلى الرغم من الاختلاف إلى حد ما في مقاربة كلٍّ منهما للتنمية في دبي وأبو ظبي، يتشاركان القدرة والاستعداد لطرح أفكار طموحة.
لقد عمد محمد بن زايد، في إطار مقاربته للاضطرابات التي شهدتها المنطقة في العام 2011، إلى إعادة ترتيب العلاقات الإماراتية مع السعودية، بعدما كانت مصدراً مستمراً للتشنجات في العقد الأول من القرن الحالي.
وتولّى زمام المبادرة في محاولة احتواء وردع التهديد الذي اعتبر أن الإسلاميين والتيارات المناهضة للوضع القائم تطرحه على الاستقرار الإقليمي.
مجدداً، لم تكن هذه المواقف الأكثر حزماً بالأمر الجديد، فقد شاركت الإمارات إلى جانب القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في البلقان في التسعينيات وفي أفغانستان في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
ولكن عامل الاختلاف بعد العام 2011 هو نطاق السياسات الإماراتية وقوتها، واستعداد الإماراتيين للتصرف أحادياً من أجل ضمان مصالحهم الخاصة.
العلاقات بين أبو ظبي والإمارات الأخرى
تعد الإمارات كناية عن اتحاد من سبع إمارات، ولكن أبو ظبي هي الإمارة الأكبر مساحةً، وتستحوذ أيضاً على 95 في المئة من احتياطيات النفط في الاتحاد.
شهدت الإمارات المتحدة منذ نشأتها في العام 1971، توترات مستمرة بين مَن يطالبون بمنح سلطة أكبر للحكومة الاتحادية وبين مَن يريدون أن تحتفظ كل إمارة بالسلطة.
وهذا الأمر كان مصدر احتكاك بين أبو ظبي والإمارات الأخرى، ولاسيما دبي، لسنوات طويلة.
وتسبّب من حين لآخر بتشنجات حالت دون التوصل إلى موقف إماراتي موحّد في شؤون السياسات الإقليمية والخارجية.
مثلما حصل خلال الحرب الإيرانية-العراقية في الثمانينيات، عندما قدّمت بعض الإمارات الدعم للعراق فيما اصطفت إمارات أخرى إلى جانب إيران.
في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبسبب الاستياء من وزارة الخارجية في أبو ظبي، وهي مؤسسة اتحادية، نظرت دبي في إمكانية قيامها بفتح مكاتب للتجارة الدولية، الأمر الذي كان من شأنه أن يعزّز استقلاليتها الذاتية في صنع السياسات في ذلك الوقت.
ولكن كانت الأزمة المالية في 2008-2009 ثقيلة الوطأة على دبي التي احتاجت إلى خطة إنقاذية من أبو ظبي بقيمة 20 مليار دولار.
في تشرين الأول/أكتوبر 2010، توفّي آخر الآباء المؤسسين للإمارات العربية المتحدة، الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم إمارة رأس الخيمة.
وفي الوقت نفسه تقريباً، أصبح محمد بن زايد صاحب القرار بحكم الأمر الواقع في أبو ظبي، مع انسحاب شقيقه الشيخ خليفة، حاكم أبو ظبي ورئيس دولة الإمارات، تدريجياً من الحياة العامة بسبب اعتلال صحته.
ونظراً إلى أفول نجم دبي، تمكنت أبو ظبي تدريجياً، بقيادة محمد بن زايد (الذي لا يشغل أي منصب على المستوى الاتحادي والذي انتهج سياسات أكثر حزماً على نحوٍ متزايد)، من امتلاك مركزية صنع القرار على مستوى الإمارات.
وبعد وفاة الشيخ صقر الذي أبدى على الدوام تعاطفاً مع الإسلاميين الإماراتيين، فقدَ هؤلاء الحماية التي تمكّنت رأس الخيمة من تأمينها لهم.
وهكذا، لم تعد ثمة معوّقات تُذكَر عندما قرّر محمد بن زايد في العام 2011 اعتماد مقاربة قائمة على المعادلة الصفرية في تعاطيه مع الإسلاميين في الداخل والمنطقة على السواء.
العلاقات مع السعودية
تبدو الروابط بين الإمارات والرياض قوية حالياً على مستوى وليَّي العهد – أي بين محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، ومحمد بن سلمان، ولي عهد السعودية.
يتولّى كلاهما الرئاسة المشتركة لمجلس التنسيق السعودي-الإماراتي، وهو عبارة عن مبادرة ثنائية أُطلِقت بدايةً في العام 2016.
وأُعيد إحياء المجلس التنسيقي في العام 2018، من دون أي دور على ما يبدو لمحمد بن راشد حاكم دبي، على الرغم من أنه يشغل على المستوى الاتحادي منصب رئيس الوزراء ونائب رئيس الإمارات.
ومجلس التنسيق السعودي-الإماراتي هو شاهدٌ على اعتبار العلاقات الثنائية بين أبو ظبي والرياض محوراً جديداً للسياسة الخليجية.
مع مايثيره ذلك من تساؤلات بشأن موقع الإمارات الست الأخرى، وكذلك الدول الأربع الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.
على الرغم من ذلك، ثمة تشنجات بين الدولتَين حول اليمن على خلفية الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي لاتزال قيادته تتخذ من أبو ظبي مقراً لها، ولاسيما منذ أعلن المجلس الحكم الذاتي في نيسان/أبريل.
وقد وقعت توترات شديدة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية برئاسة عبد ربه منصور هادي التي تتخذ من السعودية مقراً لها على خلفية عدم تطبيق اتفاق الرياض الذي أُبرِم في تشرين الثاني/نوفمبر 2019.
وكان الهدف من اتفاق الرياض وضع حد للقتال الدائر بين المجموعات المدعومة من السعودية وتلك المدعومة من الإمارات في اليمن.
لقد اختلفت أهداف الإمارات والسعودية (وفي نظرة الطرفَين إلى التهديدات) في اليمن منذ بداية تدخل التحالف في العام 2015 تقريباً.
لكنهما تمكّنا من إدارة هذه الخلافات عبر تقسيم اليمن إلى مناطق نفوذ.
فتراجعت العملية السياسية على حساب الحرب التي شهدتها البلاد.
ومع انسحاب الإمارات من التدخل المباشر في اليمن في العام 2019 – في خطوةٍ لم تُنسَّق بالضرورة على نحوٍ كامل مع الرياض – وفيما تبدو العملية السياسية احتمالاً أكثر ترجيحاً، بات من الأصعب تجاهل هاتين المقاربتين المتنافستين.
أما في ما يتعلق بسورية، فهي تطرح تحدياً على العلاقات السياسية الإماراتية مع الولايات المتحدة أكبر منه على العلاقات مع السعودية.
انتكاسات الإمارات
واجهت الإمارات عدة انتكاسات إقليمية مؤخرا أبرزها في ليبيا.
وسدّد فشل خليفة حفتر في السيطرة على طرابلس ضربة قوية للإمارات.
ونظراً إلى التصعيد الشديد في التدخل العسكري التركي، تواجه الإمارات خطر الانجرار إلى نزاع مستفحل في حال قررت التصدّي لتركيا بالاشتراك مع مصر وروسيا.
فضلاً عن ذلك، شكّلت هزيمة حفتر على الأرجح ضربة قاضية للجهود الإماراتية والمصرية الهادفة إلى الضغط على المجتمع الدولي، من أجل الإقرار بمسار الأحداث “على الأرض” والاعتراف بصعود حفتر.
ربما يتعيّن على الإمارات ممارسة الحيطة في حال لجأت مصر إلى التدخل العسكري.
فهذا التصعيد قد يزيد من حدّة الضغوط على الإمارات للاختيار بين جهد مدعوم دولياً لتسوية النزاع الليبي وبين متمرّد مدعوم خارجياً يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية من خلال اللجوء إلى القوة.
من شأن ذلك أن يوتّر العلاقات الإماراتية-المصرية الجيدة المستمرّة منذ عزل الرئيس محمد مرسي المنتمي إلى الإخوان المسلمين في مصر في العام 2013.
وبالمثل، إذا اضطلع المرتزقة المنتمون إلى مجموعة واغنر الروسية بدور أكبر وأكثر بروزاً في ليبيا دعماً لحفتر، سيؤدّي ذلك على الأرجح إلى رد فعل سياسي واسع من جانب الولايات المتحدة.
عوامل الخطر على الإمارات
تخطر في البال على الفور عوامل خطر عدة، أحدها أن الإمارات خلقت لنفسها أعداء في مختلف أنحاء المنطقة، وهؤلاء قد يكونون لها في المرصاد يوماً ما.
خصوصاً إذا مُنيت مناورات أبوظبي على النفوذ بالفشل – كما حصل في ليبيا ويُرجَّح أن يحدث أيضاً في اليمن.
قد يؤدّي التدخل التركي واسع النطاق في ليبيا إلى تورّط الإمارات على نحوٍ أكبر في نزاع يتعذّر على الأرجح الانتصار فيه، ومن الممكن أن يتحوّل إلى مصدر استنزاف كبير لمواردها.
العامل الثاني هو أنه بعدما ركّزت الإمارات كثيراً على إظهار قطر بأنها تتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى وتُهدّد الاستقرار الإقليمي، تجد نفسها الآن معرّضة بقوة للتهمة نفسها، والأدلة وافية على ذلك.
ففي ليبيا واليمن على السواء، يهتزّ مشهد الدعم الإماراتي للأفرقاء الانفصاليين أو غير الدولتين في مواجهة الحكومات المعترف بها دولياً.
قد يتسبب ذلك بحدوث تشنجات إضافية في حال بات يُنظَر إلى أبو ظبي بأنها هي التي تعيق التوصل إلى تسوية لنزاعٍ هو بحسب واشنطن لا غالب فيه ولا مغلوب، بل عبارة عن شركاء يخوضون مواجهة في ما بينهم.
