يثير قانون الجرائم الإلكترونية في الإمارات موجة متصاعدة من القلق لدى المدافعين عن حقوق الإنسان، وسط تحذيرات من تحوّله إلى أداة مركزية لقمع الأصوات المعارضة وتكميم الصحفيين والناشطين، ومعاقبة أي نقد يُوجَّه إلى السياسات الحكومية.
وتؤكد منظمات حقوقية وخبراء قانونيون أن القانون، بصيغته الحالية وتطبيقاته العملية، يمنح السلطات صلاحيات واسعة لملاحقة التعبير الرقمي، بما يتجاوز بكثير أهداف حماية الأمن السيبراني أو مكافحة الجرائم الإلكترونية.
وبحسب هذه المنظمات، تكمن المشكلة الجوهرية في الصياغات الفضفاضة والأحكام العامة التي يتضمنها القانون، والتي تسمح بتجريم طيف واسع من أشكال التعبير السلمي.
فمصطلحات مثل “المساس بأمن الدولة” أو “الإضرار بالنظام العام” أو “تهديد الوحدة الوطنية” تُستخدم دون تعريفات دقيقة، ما يفتح الباب أمام تفسيرات موسّعة تُجرّم التعليقات والآراء والمناقشات، حتى عندما تكون سلمية أو ذات طابع نقدي مشروع.
ويرى نشطاء حقوق الإنسان أن هذه البيئة القانونية خلقت مناخًا من الخوف والرقابة الذاتية بين المستخدمين، حيث بات كثيرون يتجنبون الخوض في الشأن العام أو مناقشة القضايا السياسية والحقوقية عبر الإنترنت.
ولا يقتصر هذا الأثر على الصحفيين أو النشطاء المعروفين، بل يمتد إلى المستخدمين العاديين الذين قد يعزفون عن إبداء آرائهم خوفًا من الملاحقة أو العقوبات.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن نطاق الملاحقة لا يقتصر على المنشورات العلنية، بل قد يشمل المراسلات الخاصة والمحادثات الرقمية، إذا رأت السلطات أن محتواها يندرج ضمن ما تصنّفه مخالفًا للقانون.
ويؤكد منتقدو القانون أن هذا التوسع في المراقبة والتجريم يقوّض أي مساحة آمنة للتواصل، ويحوّل الفضاء الرقمي إلى امتداد مباشر للأجهزة الأمنية.
تضييق على الإعلام المستقل
تحذّر منظمات معنية بحرية الصحافة من أن قانون الجرائم الإلكترونية، مقرونًا بإجراءات رقابية أخرى، يوجّه ضربة قاسية للعمل الصحفي المستقل.
فحجب المواقع والمنصات الرقمية التي تتناول قضايا سياسية أو حقوقية أصبح ممارسة متكررة، ما يحدّ من وصول الجمهور إلى مصادر معلومات بديلة، ويُضعف آليات المساءلة العامة.
وتشمل القيود محتوى يتناول الاعتقال السياسي، أو أوضاع السجون، أو انتهاكات حقوق الإنسان، أو نشاط المعارضين في الخارج. ويرى محللون أن هذه السياسة تهدف إلى احتكار السردية الرسمية، ومنع أي نقاش قد يُحرج السلطات أو يكشف جوانب معتمة من المشهد الحقوقي والسياسي في البلاد.
ويؤكد خبراء قانونيون أن التشريعات الحديثة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وفق المعايير الدولية، ينبغي أن تكون محددة وواضحة، وأن تُطبَّق بضمانات قضائية صارمة تحمي الحقوق الأساسية. أما في الحالة الإماراتية، فيُنظر إلى القانون بوصفه أداة سياسية بقدر ما هو أداة قانونية، تُستخدم لإدارة المجال العام وضبطه بدل تنظيمه.
وتواصل منظمات حقوق الإنسان دعواتها إلى مراجعة شاملة لقانون الجرائم الإلكترونية، تشمل تضييق نطاق تعريفاته، وإلغاء المواد التي تجرّم التعبير السلمي، وضمان حماية الصحفيين والناشطين من الملاحقات التعسفية. كما تطالب بتعزيز الشفافية في قرارات حجب المحتوى، وإتاحة آليات طعن قضائي فعالة ومستقلة.
وترى هذه المنظمات أن أي تشريع ينظّم الفضاء الرقمي يجب أن يوازن بين متطلبات الأمن وحقوق الإنسان، لا أن يُضحّي بالحقوق تحت شعار الأمن. فالتعددية وحرية التعبير ليستا تهديدًا للاستقرار، بل عنصرين أساسيين لأي مجتمع يسعى إلى التنمية المستدامة والشرعية السياسية.
