كشف تحقيق نشرته مجلة ناشونال إنترست الأميركية أن دولة الإمارات حولت السودان إلى ساحة اختبار ميدانية لصناعاتها من الطائرات المسيرة بدون طيار فيما دفع المدنيون السودانيين الثمن باهظا نتيجة إجرام أبو ظبي.
وبحسب التحقيق، نجحت الإمارات خلال العقد الأخير في إعادة صياغة مكانتها العسكرية والتكنولوجية، لتتحول من دولة صغيرة جغرافياً إلى قوة مؤثرة في تكنولوجيا الحروب الحديثة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة التي باتت تشكل العمود الفقري لصراعات القرن الحادي والعشرين.
ويشير التحقيق إلى أن أبوظبي استثمرت بشكل مكثف في بناء قاعدة صناعية محلية للمسيّرات، عبر شراكات مع شركات دفاعية أميركية، ركزت على تطوير الهياكل المتقدمة، وأنظمة الاستشعار، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى دمج الذخائر الذكية داخل هذه الأنظمة.
ويشبه محللون هذا النموذج بما فعلته تركيا سابقاً مع صناعة مسيّرات “بايكار”، لكن بنسخة إماراتية تعتمد أكثر على الشراكات الغربية والتكنولوجيا الأميركية المتقدمة.
والنقطة الأخطر في التحقيق تتعلق باستخدام السودان كساحة اختبار عملي لهذه التكنولوجيا. فقد وثقت تقارير إعلامية أن الصراع السوداني تحوّل منذ عام 2023 إلى واحدة من أكثر ساحات القتال اعتماداً على الطائرات بدون طيار في العالم.
ويشير التحقيق إلى أن طائرات مسيّرة إماراتية الصنع ظهرت بكثافة داخل مسرح العمليات السوداني، خصوصاً ضمن تسليح قوات الدعم السريع. ويقول التقرير إن الدعم العسكري الإماراتي ساهم في منح هذه القوات تفوقاً ميدانياً في مراحل مختلفة من الصراع.
ووفق تقديرات ميدانية، نُفذ أكثر من ألف هجوم بطائرات مسيّرة داخل السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية الأخيرة، مع اعتماد الطرفين – الجيش السوداني وقوات الدعم السريع – بشكل واسع على هذه التكنولوجيا.
لكن الثمن كان إنسانياً باهظاً؛ إذ استهدفت ضربات المسيّرات بنية تحتية مدنية، بما في ذلك محطات كهرباء ومستشفيات ومنشآت مياه، ما فاقم الأزمة الإنسانية في بلد يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي وإنساني واسع.
ويبرز التحقيق أن السودان تحوّل إلى ساحة صراع غير مباشر بين عدة قوى إقليمية ودولية. فبينما دعمت الإمارات قوات الدعم السريع، دعمت مصر والسعودية الحكومة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان.
وتكشف تقارير غربية عن قيام مصر بإنشاء قاعدة مسيّرات سرية قرب الحدود السودانية في منطقة شرق العوينات، استخدمت لتنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل السودان، في مواجهة نفوذ قوات الدعم السريع المدعومة خارجياً.
كما دخلت أطراف أخرى على خط الصراع، بما في ذلك شركات لوجستية مرتبطة بروسيا، وشركات صينية، إضافة إلى الحضور التركي عبر تزويد أطراف مختلفة بمسيّرات قتالية.
ويرى التحقيق أن الإمارات تسعى لقيادة ما يمكن تسميته “اقتصاد الحروب الجديد” في المنطقة، عبر دمج التصنيع العسكري المحلي مع الذكاء الاصطناعي، واختبار التقنيات في صراعات الوكالة، ثم تسويقها عالمياً.
ورغم الضغوط الدولية التي دفعت الإمارات لتقليص ظهورها المباشر في الملف السوداني، إلا أن التجربة – وفق التقرير – منحت الصناعات العسكرية الإماراتية دعاية عملية قوية، وأثبتت فعالية أنظمتها في الحروب الحقيقية، وهو ما رفع الطلب الدولي عليها.
يخلص التحقيق إلى أن ما حدث في السودان لم يكن مجرد فصل من صراع داخلي دموي، بل كان أيضاً ساحة اختبار لتوازنات جديدة في صناعة السلاح العالمية. وفي قلب هذه المعادلة، تحاول الإمارات تثبيت نفسها كقوة تكنولوجية عسكرية صاعدة، حتى لو كان الثمن اختبار هذه الأسلحة في ساحات صراع إنسانية شديدة التعقيد.
