موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

رقابة بلا حدود: الإمارات تعيد تشكيل الفضاء الرقمي بأدوات أمنية مشددة

0 162

يكشف تصاعد الإجراءات الأمنية في الفضاء الرقمي داخل الإمارات عن تحوّل متسارع نحو إحكام السيطرة على تدفق المعلومات، بالتزامن مع حالة توتر إقليمي متفاقمة، ما يعكس توجهاً واضحاً لإعادة تشكيل المجال العام وفق اعتبارات أمنية صارمة.

فقد وسعت السلطات الإماراتية نطاق تدخلها في إدارة المحتوى الرقمي، عبر حزمة من الإجراءات التي استهدفت ليس فقط الخطاب السياسي المباشر، بل امتدت لتشمل التحليلات الإقليمية والمواد الإخبارية التي لا تنسجم مع الرواية الرسمية. وقد طالت هذه السياسة حسابات خارجية، في خطوة تعكس رغبة في ضبط تدفق المعلومات إلى الداخل، وليس فقط التحكم بما يُنتج محلياً.

وترافقت هذه الإجراءات مع توجيهات مباشرة لشركات الاتصالات والمنصات الوسيطة، لتسريع عمليات الحجب والإزالة، وتقليص وصول المحتوى المصنف “غير مرغوب فيه” إلى المستخدمين داخل الدولة. ويعني ذلك عملياً أن بيئة الإنترنت في الإمارات باتت تخضع لرقابة متعددة المستويات، تبدأ من مزودي الخدمة ولا تنتهي عند خوارزميات المنصات.

ويمتد هذا التشديد إلى الداخل، حيث جرى توسيع تعريف “المحتوى الحساس” بشكل لافت، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في مستوى الرقابة الذاتية لدى المستخدمين، سواء من المواطنين أو المقيمين.

وتفيد تقارير وشهادات بأن عشرات حالات الاعتقال سُجلت على خلفية أنشطة رقمية بسيطة، بما في ذلك مكالمات فيديو خاصة أو تبادل مواد عبر تطبيقات مغلقة، في مؤشر على اتساع دائرة التجريم لتشمل السلوك اليومي العادي.

يأتي ذلك بالتوازي مع تعزيز الحضور الأمني في إدارة المجال الرقمي، عبر رفع سقف المتابعة للحسابات ذات التفاعل المرتفع، ومراقبة أنماط النشر والتفاعل بشكل أكثر دقة. ويشير مراقبون إلى أن هذا التحول يعكس انتقالاً من الرقابة التقليدية إلى نموذج أكثر تعقيداً، يعتمد على التحليل المستمر للبيانات والسلوك الرقمي.

بموازاة ذلك أصبحت بيئة المعلومات في الإمارات أكثر انغلاقاً، ما ينعكس على تدفق المعرفة المهنية والبحثية، ويحد من قدرة الشركات على الوصول إلى مصادر متنوعة. وفي هذا السياق، بدأت بعض المؤسسات بنقل أجزاء من عملياتها الرقمية الحساسة إلى خارج الدولة، لضمان استمرارية الوصول إلى المعلومات والخدمات دون قيود.

ويتزامن هذا المسار مع تصاعد الانتقادات الدولية، حيث سلطت مجلة التايمز البريطانية الضوء مؤخراً على حملة اعتقالات متزايدة في الإمارات، طالت عشرات الأفراد بسبب نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

ووفقاً للصحيفة، فقد وُجهت اتهامات إلى ما لا يقل عن 21 شخصاً على خلفية نشر أو إعادة تداول محتوى مرتبط بالأحداث الأمنية الأخيرة، بما في ذلك الهجمات الصاروخية الإيرانية.

ةتشير هذه التطورات إلى توسع استخدام قوانين الجرائم الإلكترونية كأداة لملاحقة الأفراد على سلوكهم الرقمي، حيث تُستخدم عبارات فضفاضة مثل “نشر أخبار كاذبة” أو “دعاية تحريضية” لتجريم محتوى لا يتماشى مع الخطاب الرسمي. وتُعد هذه القوانين من بين الأكثر صرامة عالمياً، إذ تفرض عقوبات تشمل السجن والغرامات المالية، إضافة إلى الترحيل بالنسبة للأجانب.

في هذا السياق، أوضحت منظمة محتجزون في دبي أن العديد من المتهمين يواجهون اتهامات مبنية على تفسيرات واسعة للقانون، ما يفتح الباب أمام تطبيقات انتقائية ويعزز مناخ الخوف والرقابة الذاتية. كما أشارت إلى أن بعض حالات الإفراج تمت نتيجة ضغوط دبلوماسية مكثفة، خصوصاً في قضايا تتعلق بمواطنين أجانب.

وتكشف الحالات الفردية التي وثقتها التقارير عن مستوى غير مسبوق من التشدد. فقد جرى اعتقال مواطنين بريطانيين بعد نشر صور تتعلق بالأحداث الأمنية، قبل الإفراج عنهما لاحقاً.

كما تم توقيف مضيفة طيران شابة بعد إرسال صورة لحطام طائرة مسيّرة إلى زملائها، في محاولة للاستفسار عن الوضع، إلا أن السلطات اعتبرت ذلك مخالفة تستوجب الاعتقال.

وفي حادثة أخرى، أُلقي القبض على سائح بريطاني يبلغ من العمر 60 عاماً بعد تصويره غارة، رغم امتثاله لطلب حذف الفيديو فوراً. وتُظهر هذه الوقائع أن النية أو السياق لم تعد عوامل حاسمة في التقييم القانوني، بل يكفي وقوع الفعل ذاته لاعتباره جريمة.

وتعزز هذه السياسات مناخاً من القلق وعدم اليقين، حيث يمكن لأي نشاط رقمي أن يتحول إلى تهمة جنائية. وتشير التقارير إلى أن السلطات تبادر بإرسال رسائل نصية جماعية تحذر السكان من تصوير أو مشاركة أي محتوى يتعلق بالأحداث الأمنية، مع التلويح بعواقب قانونية صارمة.

كما تشمل الإجراءات تفتيش الهواتف في مواقع الحوادث، حيث قد تؤدي مجرد حيازة صورة أو تلقيها عبر تطبيقات مثل “واتساب” إلى الاعتقال.

وتؤكد هذه التطورات، وفق مراقبين، أن الإمارات تتجه نحو نموذج رقابي أكثر صرامة، يهدف إلى ضبط الرواية الداخلية في لحظة إقليمية حساسة. إلا أن هذا التوجه يطرح تساؤلات جدية حول الكلفة طويلة المدى، سواء على مستوى صورة الدولة أو بيئة الأعمال والاستثمار.

فبينما تسعى الإمارات إلى تقديم نفسها كوجهة عالمية مفتوحة للأعمال والخدمات، تكشف هذه الإجراءات عن واقع مغاير، حيث تخضع حرية التعبير لقيود مشددة، ويُعاد تشكيل الفضاء الرقمي وفق اعتبارات أمنية ضيقة.

ويشير حقوقيون إلى أن هذه الفجوة بين الصورة المعلنة والواقع الفعلي في الإمارات تؤثر سلباً على ثقة المستخدمين والشركات، خاصة في ما يتعلق بحرية الوصول إلى المعلومات وهو ما يحمل في طياته تداعيات أعمق على بنية المجتمع الرقمي، وعلى موقع الدولة في الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة والحريات.