تحولت دولة الإمارات إلى الذراع التنفيذية الناعمة لتمرير أخطر مخططات إسرائيل في غزة تحت غطاء “إعادة الإعمار” وذلك منذ بدء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على القطاع للقضاء على المقاومة الفلسطينية.
أحدث الدلائل على ذلك ما كشفته صحيفة “فاينانشل تايمز” البريطانية عن عقد مجلس السلام بشأن غزة التابع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب محادثات مع شركة موانئ دبي العالمية، عملاق الخدمات اللوجستية ومقرها دبي بهدف بحث بناء ميناء بحري متطور ومراكز لوجستية في غزة تحت إشراف إسرائيلي.
وكشف التقرير المذكور عن مستوى غير مسبوق من التماهي الإماراتي مع المشروع الإسرائيلي في قطاع غزة، كشراكة فعلية في إعادة صياغة مستقبل القطاع بما يخدم أهداف الاحتلال.
وبحسب التقرير فإن الاجتماعات التي رعتها دوائر ترامب مع شركة موانئ دبي العالمية هي سياسية بامتياز، حيث الميناء المقترح في غزة لا يُصمم لخدمة الفلسطينيين، بل لإعادة ضبط القطاع أمنيًا واقتصاديًا وفق الشروط الإسرائيلية، مع منح الإمارات دور المشغّل الذي يضمن تنفيذ هذه الشروط دون ضجيج سياسي.
وتعتمد الخطة على إعادة إنتاج نموذج اتفاقيات إبراهيم، ولكن بصيغة أكثر فجاجة وخطورة. ففي حين رُوّج لهذه الاتفاقيات كمسار “سلام اقتصادي”، يجري اليوم فرضها بالقوة على غزة بعد حرب مدمرة، بحيث يتحول الإعمار إلى أداة ابتزاز: ازدهار مشروط بنزع سلاح المقاومة، واستقرار مرهون بالخضوع الكامل للمنظومة التي تقودها إسرائيل وتديرها الإمارات.
وتُظهر بنية المشروع أن الهدف الحقيقي ليس إنعاش الاقتصاد الفلسطيني، بل السيطرة عليه. فالميناء، والمناطق الحرة، وشبكات الطاقة والمياه، كلها ستدار من قبل شركات دولية وعلى رأسها موانئ دبي العالمية، ما يعني عمليًا نقل مفاتيح الحياة اليومية في غزة إلى جهات خارجية.
بهذا المعنى، لا يُعاد إعمار غزة، بل يُعاد تشكيلها ككيان تابع، منزوع الإرادة، ومربوط بسلاسل المصالح التي تتحكم بها أبوظبي وتل أبيب.
ويتجاوز الدور الإماراتي حدود الاستثمار إلى الانخراط المباشر في تحقيق الأهداف الإسرائيلية. فتل أبيب تسعى منذ سنوات إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية أو تفريغها من مضمونها، بينما تعمل أبوظبي على تسويق نموذج إقليمي قائم على تصفية أي مشروع مقاوم واستبداله بثقافة التطبيع والخضوع.
ويلتقي الطرفان الإسرائيلي والإماراتي اليوم عند نقطة واحدة: تحويل غزة من رمز للصمود إلى منصة اقتصادية مُدارة أمنيًا تخدم الاستقرار الإسرائيلي أولًا.
وتكشف هذه التحركات أيضًا عن استخدام الإمارات كقناة لتمرير مشاريع كانت ستُقابل برفض عربي واسع لو طُرحت بشكل مباشر من إسرائيل. فبدل أن تظهر تل أبيب كقوة احتلال تفرض شروطها، يجري تقديم المشاريع عبر واجهة “استثمار عربي”، تمنحها غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا زائفًا.
وهنا تلعب أبوظبي دور الوسيط الذي يُجمّل المشروع الإسرائيلي ويُعيد تسويقه تحت شعارات التنمية والازدهار.
الأخطر في هذه الخطة أنها تأتي في سياق محاولات متواصلة لفرض واقع جديد في غزة بعد الحرب، بما في ذلك طرح سيناريوهات التهجير أو إعادة توزيع السكان.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يتحول الميناء إلى أداة ضغط استراتيجية، تُستخدم للتحكم في حركة الناس والبضائع، وربط أي تدفق اقتصادي بشروط سياسية صارمة، في مقدمتها تفكيك بنية المقاومة.
في المقابل، يغيب أي حضور عربي أو إسلامي يوازن هذا المسار أو يعارضه بفعالية، ما يترك الإمارات في موقع الطرف العربي الوحيد الذي يتحرك بانسجام كامل مع الرؤية الإسرائيلية.
ويفتح هذا الغياب المجال أمام أبوظبي لتكريس نفسها كالشريك الإقليمي الأول لإسرائيل في إدارة الملفات الحساسة، وعلى رأسها غزة.
وتفضح تصريحات مسؤولي موانئ دبي العالمية حول “منع تسرب الموارد إلى الجماعات الإرهابية” جوهر المقاربة المطروحة، حيث يُعاد تعريف المقاومة الفلسطينية كعبء يجب التخلص منه، لا كحركة تحرر تواجه احتلالًا. ويُستخدم هذا الخطاب لتبرير فرض رقابة اقتصادية وأمنية مشددة، تُحول أي مشروع إعمار إلى أداة ضبط وسيطرة.
وعليه فإن الإمارات لا تتحرك كدولة عربية تدعم الفلسطينيين، بل كفاعل مندمج في المشروع الإسرائيلي، يساهم في هندسة مرحلة ما بعد الحرب بما يضمن تحقيق أهداف الاحتلال بأدوات أقل كلفة وأكثر قبولًا دوليًا.
فما يُطرح اليوم ليس إعادة إعمار، بل إعادة إخضاع، تُستخدم فيها الأموال الإماراتية لإنتاج واقع سياسي جديد يُقصي المقاومة ويُكرّس الهيمنة الإسرائيلية تحت إدارة أبوظبي وبغطاء كامل منها.
