جرت زيارة ولي عهد أبو ظبي خالد بن محمد بن زايد إلى الصين قبل أيام تحت ضغط رسائل صينية حازمة حملت تحذيرات واضحة لأبوظبي من تداعيات التصعيد الإقليمي على مصالح بكين واستثماراتها.
وأفادت مصادر مطلعة ل”إمارات ليكس”، بأن شركات صينية كبرى عاملة في الإمارات أبدت خلال الأسابيع الماضية قلقًا متزايدًا من تدهور البيئة الأمنية في الخليج، وطلبت عبر قنوات رسمية توضيحات بشأن خطط الطوارئ، خصوصًا ما يتعلق بحماية الموظفين وتأمين المنشآت الحيوية.
وحملت هذه التحركات، في طياتها تهديدًا مبطنًا بإعادة تقييم الوجود الاستثماري في الإمارات، في حال استمرار التصعيد، وهو سيناريو يُعد بالغ الخطورة على اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية.
بالتوازي مع ذلك، أرسلت مؤسسات مالية مرتبطة ببكين إشارات واضحة حول مراجعة تقييم المخاطر في المنطقة، مع تلميحات بإمكانية إعادة توزيع الاستثمارات نحو وجهات أكثر استقرارًا.
ويشير مراقبون إلى أن أي انسحاب صيني محتمل لن يكون حدثًا معزولًا، بل قد يفتح الباب أمام موجة انسحابات دولية متتالية، في ما يشبه “تأثير الدومينو”، ما يهدد موقع الإمارات كمركز اقتصادي إقليمي.
على الصعيد الدبلوماسي، نقلت وزارة الخارجية الصينية عبر قنواتها الرسمية رسالة واضحة مفادها أن أولوية بكين تتمثل في حماية مواطنيها واستثماراتها، وأن أي اضطراب في الخليج سيؤثر مباشرة على التعاون مع الإمارات.
كما عكست اللقاءات التي عقدها الوفد الإماراتي في بكين حجم القلق الصيني، حيث ركز رئيس الوزراء لي تشيانغ على الجوانب الأمنية، مطالبًا بإجراءات ملموسة لحماية المصالح الصينية.
أما الرئيس الصيني شي جين بينغ فقد نقل النقاش إلى مستوى أوسع، متحدثًا عن “شرعية السلوك الدولي” في زمن الحروب، في إشارة ضمنية إلى رفض بكين لسياسات التصعيد.
بدوره، شدد وزير الخارجية وانغ يي على حساسية مضيق هرمز، مؤكدًا أن أي تهديد للممر المائي سيُعد مساسًا مباشرًا بالمصالح الحيوية للصين.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تواجه فيه أبوظبي تداعيات خياراتها الإقليمية، خاصة في ظل الرهان على مسار تصعيدي مرتبط بالحرب في المنطقة، وهو مسار لم يحقق الحسم السريع الذي كانت تعوّل عليه.
ويرى محللون أن القيادة الإماراتية وجدت نفسها أمام واقع جديد، حيث باتت حساباتها الأمنية تتصادم مع مصالحها الاقتصادية، خصوصًا مع شريك رئيسي مثل الصين التي ترفض بشكل واضح أي تصعيد ضد إيران.
في هذا السياق، يُنظر إلى زيارة خالد بن محمد على أنها محاولة عاجلة لاحتواء القلق الصيني وكسب الوقت، عبر تقديم تطمينات سياسية وتوسيع التعاون الاقتصادي، كما ظهر في الاتفاقيات التي أُعلن عنها خلال الزيارة.
وحاول الوفد الإماراتي تقديم صيغة مزدوجة تقوم على الحفاظ على الشراكة الاقتصادية مع بكين، دون التراجع عن التموضع الأمني الذي اتخذته أبوظبي في الأشهر الأخيرة.
لكن الرسالة الصينية بدت واضحة: استثماراتها وسلاسل إمدادها يجب أن تبقى خارج أي مسار تصعيدي، وفي حال تعذر ذلك، فإن إعادة توزيع الاستثمارات والبحث عن بدائل في موانئ ومسارات أخرى سيبقى خيارًا قائمًا.
ويعكس هذا الموقف إدراك بكين لحجم المخاطر المرتبطة بتوترات الخليج، خاصة مع اعتمادها الكبير على تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
وتحاول أبوظبي اليوم الحفاظ على موقعها داخل تحالفات أمنية تميل إلى التصعيد، وفي الوقت نفسه منع شريكها الاقتصادي الأهم من الابتعاد عنها، في معادلة تبدو أكثر تعقيدًا وصعوبة مع تزايد الضغوط الإقليمية والدولية.
ويرى مراقبون أن هذا التوازن الهش قد لا يكون قابلًا للاستمرار، خاصة مع اتساع الفجوة بين الرؤية الصينية الداعية إلى الاستقرار، والسياسات الإماراتية التي يُنظر إليها على أنها جزء من مسار تصعيدي أوسع.
وتشير التطورات إلى أن الإمارات تواجه اختبارًا حقيقيًا في إدارة علاقاتها الدولية، بين الحفاظ على تحالفاتها السياسية والأمنية، وضمان استقرارها الاقتصادي.
وفي ظل استمرار التوتر في الخليج، تزداد كلفة هذا التوازن يومًا بعد يوم، ما يضع أبوظبي أمام خيارات صعبة قد تحدد مستقبل موقعها الإقليمي.
ويخلص مراقبون إلى أن الرسائل الصينية للنظام الإماراتي شكلت إنذار مبكر بأن أي استمرار في سياسات التصعيد قد يضع الاقتصاد الإماراتي أمام أكبر اختبار في تاريخه الحديث.
