كشفت وثائق ومعلومات متطابقة عن اتخاذ دولة الإمارات من التراث السوداني غنيمة حرب وتورطها في عمليات نهب واسعة للمتاحف والآثار في ظل تمويلها ميليشيات مسلحة وانهيار سلطة الدولة واتساع رقعة السيطرة المسلحة على المدن الرئيسية.
وأظهرت الوثائق بحسب ما أوردت منصة (Dark Box)، أن المتحف الوطني في الخرطوم الذي يُعد منذ عقود أحد أهم مستودعات تاريخ وادي النيل يقف في صدارة عمليات النهب الإمارات.
فخلال فترات القتال العنيف في الخرطوم، أفادت المصادر باقتحام مرافق التخزين داخل المتحف، وخلع أبوابها، ونقل أو سرقة محتوياتها.
وتُقدّر الخسائر بآلاف القطع التي تمثل حضارات متعاقبة، من التراث الكوشي والنوبي إلى الإسلامي والمسيحي، في ضربة موجعة أثارت قلق علماء الآثار وخبراء صون التراث، الذين يحذّرون من أن قسماً كبيراً من هذه الخسائر قد يكون غير قابل للاسترداد.
وبحسب المصادر فإن ما يجرى مع التراث السوداني يمثل نشاطا منظما يتضمن دخول منسق إلى مناطق التخزين، إزالة انتقائية للقطع الأعلى قيمة، واستخدام وسائل نقل قادرة على شحن كميات كبيرة من الآثار كجزء من “اقتصاد حرب” ونهب الأصول الثقافية بوصفها سلعاً قابلة للتسييل السريع.
وتذهب بعض التقارير أبعد من ذلك، متحدثةً عن احتمال وجود مسارات تهريب عابرة للحدود، تُنقل عبرها القطع المنهوبة إلى خارج السودان.
وتُوصف هذه المسارات بأنها معقدة، تعتمد على نقاط عبور متعددة وشبكات لطالما ارتبط اسمها تاريخياً بالاتجار غير المشروع بالآثار.
وفي هذا السياق، تتكرر الإشارات إلى الإمارات كوجهة رئيسية في استيعاب القطع الأثرية أو إعادة تدويرها، بما تملكه أبوظبي من بنية تجارة فنون ومناطق حرة وشبكات وساطة دولية تجعلها، بحسب المراقبين، نقطة جذب مغرية للقطع القادمة من مناطق النزاع.
وتذكر التقارير أن الجهات الفاعلة لا تقتصر على مجموعات مسلحة سيطرت على مواقع استراتيجية، بل تشمل أيضاً شبكات تهريب عابرة للحدود قادرة على تسهيل الحركة والتمويه.
ويشير مراقبون إلى أن هذه الشبكات تزدهر عادة في بيئات النزاع حيث تضعف هياكل الحكم وتنهار آليات الرقابة، وهو ما ينطبق على الحالة السودانية اليوم. هنا، يتقاطع العنف المسلح مع الحوافز الاقتصادية، لتتحول الآثار إلى مصدر تمويل إضافي للصراع.
ويؤكد خبراء اطلعوا على تجارب مماثلة في العراق وسوريا أن النهب الثقافي يتبع غالباً نمطاً معروفاً بحيث تُستهدف أولاً القطع الكبرى والأعلى قيمة، ثم القطع الأصغر التي يسهل إخفاؤها. وبعد ذلك، تدخل هذه الآثار إلى السوق الدولية عبر وسطاء، مرفقة أحياناً بوثائق مزورة تُطمس مصدرها الحقيقي.
وكلما طال الزمن قبل اكتشافها، تضاءلت فرص استعادة تلك القطع، خاصة حين تستقر في مجموعات خاصة أو تُعاد بيعها عبر مزادات خارج نطاق التتبع.
ويشدد المراقبون على أن خسارة التراث تمثل تآكلا عميقا للهوية التاريخية للسودان كون أن الآثار تشكل ذاكرة جماعية وجسراً بين الأجيال، وعندما تُنهب أو تُدمّر، يُمحى جزء من سردية شعب بأكمله.
ويحذّر هؤلاء من أن استهداف الممتلكات الثقافية كثيراً ما يكون أداة لإضعاف التماسك الاجتماعي أو لتمويل الصراعات، وهو ما يطرح أسئلة ثقيلة حول طبيعة الدور الإقليمي لبعض اللاعبين.
يذكر أن السودان يعد من أغنى بلدان العالم بالتراث الأثري، إذ يحتضن إرثًا حضاريًا متواصلًا يمتد لآلاف السنين، ويعكس تعاقب حضارات أفريقية ونيلية لعبت دورًا محوريًا في تاريخ المنطقة.
وتضم أراضي السودان مواقع أثرية تعود إلى حضارات كرمة ونبتة ومروي، التي شكّلت قلب الممالك الكوشية، إضافة إلى آثار مسيحية مبكرة وإسلامية لاحقة، ما يجعل البلاد متحفًا مفتوحًا للتاريخ الإنساني.
وتنتشر في السودان أهرامات تفوق عدد نظيراتها في مصر، إلى جانب معابد ومقابر ونقوش ملكية ومخطوطات نادرة، أبرزها في مواقع مثل كرمة ومروي وجبل البركل.
