كشفت تقارير غربية عن مؤشرات متزايدة على تعرض قطاع السياحة والضيافة في دبي لضغوط غير مسبوقة، مع تصاعد تداعيات ثمن الحرب والتوترات الإقليمية التي ضربت الصورة التي بنتها الإمارة طوال عقود باعتبارها واحة استقرار بعيدة عن اضطرابات الشرق الأوسط.
وسلط تقرير مطول نشرته صحيفة “ديلي ميل” البريطانية الضوء على التحولات التي يشهدها المشهد السياحي والاقتصادي في دبي، مشيراً إلى حالة تباطؤ بدأت تظهر في قطاعات كانت تمثل واجهة النمو الإماراتي، وعلى رأسها الفنادق الفاخرة والمطاعم الراقية والاستثمارات العقارية.
ولم تكن أهمية التقرير في الحديث عن تراجع حجوزات أو انخفاض مؤقت في أعداد الزوار، بل في طرح تساؤلات أعمق حول قدرة دبي على الحفاظ على نموذجها التقليدي القائم على تسويق نفسها باعتبارها مركزاً عالمياً آمناً للأموال والسياحة والأعمال، بعيداً عن أزمات المنطقة.
فالمدينة التي قدمت نفسها لسنوات بوصفها “سويسرا الشرق الأوسط”، مستندة إلى الأبراج العملاقة والمشاريع الفاخرة والبنية التحتية المتطورة، وجدت نفسها أمام اختبار مختلف، حيث بات المستثمرون والسياح ينظرون ليس فقط إلى مستوى الخدمات والرفاهية، بل أيضاً إلى المخاطر الأمنية والجيوسياسية المحيطة.
ويرى مراقبون أن الأزمة الأخيرة كشفت حدود الاعتقاد الذي ساد داخل دوائر القرار في أبوظبي بأن القوة المالية والإعلامية قادرة وحدها على حماية صورة الاستقرار، حتى في ظل انخراط الإمارات في ملفات إقليمية معقدة وتحالفات مثيرة للجدل.
فمع تصاعد التوترات، باتت حسابات المستثمرين أكثر ارتباطاً بعوامل مثل أمن المجال الجوي واستقرار طرق التجارة وحركة الطيران والموانئ، وهي عناصر لا يمكن تعويضها بالحملات الترويجية أو الإنفاق الضخم على الصورة الخارجية.
وتحدثت تقارير عن تغيرات واضحة في سوق الضيافة، شملت زيادة العروض الترويجية والخصومات في بعض القطاعات التي كانت تعتمد سابقاً على الطلب المرتفع والحجوزات طويلة المدى، وسط مخاوف من استمرار تأثير حالة عدم اليقين على قرارات السياح والمستثمرين.
ويقول مراقبون إن الأزمة تمثل اختباراً حقيقياً للمشروع الذي روج له رئيس الإمارات محمد بن زايد خلال السنوات الماضية، باعتباره نموذجاً للاستقرار الإقليمي وجذب رأس المال العالمي.
لكن التطورات الأخيرة، بحسب هؤلاء، أظهرت أن رأس المال لا يتحرك بناءً على الرسائل السياسية فقط، بل يعتمد بالدرجة الأولى على تقييم المخاطر والقدرة على ضمان بيئة مستقرة على المدى الطويل.
وتزايدت التساؤلات بشأن انعكاسات الخيارات السياسية الخارجية للإمارات على اقتصادها الداخلي، خصوصاً بعد تعزيز علاقاتها الأمنية والاستراتيجية مع إسرائيل وانخراطها في ترتيبات إقليمية اعتبرها خصومها سبباً في زيادة تعرضها للتوترات.
ويرى محللون أن جوهر الأزمة لا يتعلق بموسم سياحي ضعيف أو دورة اقتصادية عابرة، بل بمفهوم الثقة الذي شكّل أساس صعود دبي طوال السنوات الماضية.
فالإمارة لم تكن تبيع العقارات الفاخرة والفنادق فقط، بل كانت تسوق قبل كل شيء فكرة الاستقرار والقدرة على عزل الاقتصاد عن صراعات المنطقة.
ومع تراجع هذا التصور، تصبح عملية استعادة الثقة أكثر تعقيداً من إطلاق عروض سياحية أو ضخ استثمارات جديدة، لأن المستثمرين الدوليين يعيدون حساباتهم عندما تدخل المخاطر الأمنية ضمن معادلة القرار.
وفي مؤشر على حجم الضغوط، برزت دعوات داخلية لتشجيع رجال الأعمال والمستثمرين الإماراتيين على زيادة حضورهم في دبي ودعم قطاعاتها الحيوية، وهي خطوة اعتبرها منتقدون دليلاً على وجود قلق من استمرار تراجع الزخم الاقتصادي.
ويرى معارضون لسياسات أبوظبي أن الأزمة الحالية تكشف ما وصفوه بـ”الثمن غير المعلن” للتحولات السياسية والعسكرية في المنطقة، معتبرين أن محاولة الجمع بين صورة الحياد الاقتصادي والانخراط في تحالفات صلبة أصبحت أكثر صعوبة.
وبينما تؤكد الإمارات قدرتها على تجاوز الأزمات والحفاظ على موقعها مركزاً عالمياً للأعمال، يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حاسماً لقدرة نموذج دبي على الصمود أمام واقع إقليمي جديد لم تعد فيه الثروة وحدها كافية لضمان الثقة.
