كشفت الاجتماعات رفيعة المستوى التي عقدتها الصين مؤخراً في بكين مع قادة دوليين عن تحول حاد وواضح في لهجتها تجاه دولة الإمارات، مما يعكس استياءً متزايداً في بكين إزاء انحياز أبوظبي للمصالح الأمريكية الاستراتيجية في الخليج.
وبعيداً عن لغة الدبلوماسية الرسمية، كانت الرسالة الموجهة إلى الوفد الإماراتي مباشرة وحازمة ومواجهة بشكل غير معتاد: لن تتسامح الصين مع أي دور يقوض شراكتها الاستراتيجية مع إيران أو يهدد الاستقرار في مضيق هرمز لصالح المصالح الأمريكية.
ويكمن جوهر هذا التوتر في تناقض أساسي. فالصين تنظر إلى التصعيد الحالي في الخليج على أنه مشروع خطير وغير مسؤول تقوده واشنطن، يُهدد بزعزعة استقرار تدفقات الطاقة العالمية وتقويض الأمن الاقتصادي الدولي.
في المقابل، عززت الإمارات دورها كوسيط في هذا السياق، متصرفةً بطرق تفسرها بكين على أنها دفاع عن الأولويات الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة، بدلاً من المساهمة في الاستقرار الإقليمي.
وخلال زيارة ولي عهد أبوظبي خالد بن محمد بن زايد إلى بكين، استخدمت القيادة الصينية قنوات رسمية وغير رسمية لتوضيح الحدود بين البلدين.
وأكدت البيانات الرسمية على القانون الدولي، ورفض التصعيد العسكري الأحادي، وضرورة خفض التصعيد في مضيق هرمز. إلا أن إشارات دبلوماسية موثوقة، تتجاوز هذه المواقف الرسمية، تشير إلى أن بكين ذهبت أبعد من ذلك، رافضةً صراحةً أي محاولة إماراتية للتدخل في علاقاتها مع طهران.
وتتضح أدوار الأطراف الفاعلة في هذا الصراع بشكل جليّ. تتصرف الصين كقوة عالمية تسعى لتأمين مسارات طاقة مستقرة ومنع أي اضطراب في عصب اقتصادها.
وتمثل إيران شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا في هذا الإطار. في المقابل، تنظر بكين إلى الولايات المتحدة على أنها تتبنى أجندة عسكرية تهدف إلى السيطرة على الممرات البحرية وممارسة الضغط بالقوة.
وفي هذا السياق، برزت الإمارات كفاعل إقليمي يتماشى مع هذا النهج الأمريكي، ما يجعلها فعليًا امتدادًا محليًا للأهداف الاستراتيجية الأمريكية الأوسع.
ويعكس رد فعل بكين تزايد الاعتقاد بأن الإمارات لم تعد تتبنى سياسة خارجية متوازنة، بل اتجهت نحو المشاركة الفعالة في استراتيجية تعطي الأولوية للمكاسب الجيوسياسية الأمريكية على حساب الاستقرار الإقليمي.
ويتعزز هذا الاعتقاد بتوقيت الزيارة، التي تزامنت مع تصاعد التوترات في مضيق تايوان وتزايد المخاوف في الصين بشأن سلامة وارداتها من الطاقة ومصالحها التجارية.
وتتجلى الأدلة الداعمة لهذا التفسير في لغة الاجتماعات وهيكلها. لم يقتصر المسؤولون الصينيون في تصريحاتهم على دعوات عامة للسلام، بل تناولوا بالتحديد مخاطر عسكرة المضيق، واصفين أي تعطيل للملاحة البحرية بأنه أمر غير مقبول.
كما شددوا على حماية المواطنين الصينيين والمشاريع والاستثمارات، في إشارة واضحة إلى أن بكين ترى أن الوضع الراهن قد يكون مهدداً بفعل تصرفات جهات إقليمية متحالفة مع السياسة الأمريكية.
الأهم من ذلك، أن التوبيخ الدبلوماسي الذي وُجّه إلى أبوظبي يُمثّل خروجاً نادراً عن نهج الصين الحذر وغير التصادمي التقليدي. فمن خلال التأكيد على أن للصداقة حدوداً، وأنها لا تشمل التدخل في علاقة الصين بإيران، أعادت بكين تعريف حدود شراكتها مع الإمارات.
ويمثل ذلك تحذيرا استراتيجيا بأن استمرار التوافق مع سياسات التصعيد الأمريكية سيترتب عليه عواقب وخيمة على العلاقات الثنائية.
ويبرز مراقبون أن تداعيات هذا الموقف عميقة. فبالنسبة للصين، يُعدّ الحفاظ على استقرار موارد الطاقة مسألة أمن قومي.
ولذلك، يُنظر إلى أي جهة يُنظر إليها على أنها تُساهم في زعزعة الاستقرار في مضيق هرمز ليس فقط كشريك ذي وجهات نظر مختلفة، بل كعامل خطر محتمل ضمن نظام عالمي بالغ الأهمية. وهذا ما يُفسر حزم موقف بكين واستعدادها لمواجهة الإمارات بشكل مباشر.
وبالنسبة لدولة الإمارات تكشف رسالة بكين عن حدود استراتيجيتها الحالية. فقد سعت أبوظبي إلى ترسيخ مكانتها كمركز محوري قادر على تحقيق التوازن في علاقاتها مع قوى عالمية متعددة.
إلا أن الأزمة الراهنة تُظهر أن هذا التوازن يصبح غير قابل للاستمرار على نحو متزايد عندما تُفسَّر الإجراءات على أنها تُفضِّل أهدافاً استراتيجية لطرف على حساب المصالح الجوهرية لطرف آخر.
ويُفاقم السياق الجيوسياسي الأوسع نطاقاً هذا التوتر. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تبني موقف أكثر حزماً في الخليج، فإنها تعتمد على شركائها الإقليميين لتنفيذ استراتيجيتها. ويضع دور الإمارات ضمن هذا الإطار في تناقض مباشر مع أولويات الصين، محولاً ما كان في السابق شراكة مرنة إلى نقطة خلاف.
وعليه فإن الصين انتقلت من القلق الضمني إلى التحذير الصريح، واضعةً خطاً أحمر واضحاً ضد أي دور إماراتي يدعم التصعيد الذي تقوده الولايات المتحدة في مضيق هرمز. الرسالة واضحة لا لبس فيها: لن تسمح بكين بالمساس بمصالحها الاستراتيجية، ولا سيما شراكتها مع إيران وأمنها الطاقي.
ويشير هذا التطور إلى تحول أوسع في التحالفات العالمية، حيث باتت الشراكات الاقتصادية مشروطة بشكل متزايد بالسلوك الاستراتيجي. بالنسبة لدولة الإمارات فإن استمرارها في الدفاع عن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة لا يُنذر بتصعيد إقليمي فحسب، بل يُهدد أيضاً بتآكل مكانتها لدى إحدى أهم القوى الاقتصادية في العالم.
