كشفت مصادر مطلعة عن صدور توجيهات من حكومة أبوظبي لإجبار الشيخ هيثم بن صقر القاسمي، أحد شيوخ إمارة الشارقة والمسؤول الحكومي في مدينة كلباء، على حذف منشور مثير للجدل من حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، بما يعكس مستوى غير مسبوق من الرقابة حتى داخل الدوائر الحاكمة.
ويشغل الشيخ هيثم بن صقر القاسمي منصب نائب رئيس مكتب حاكم الشارقة في مدينة كلباء، وهو منصب إداري حكومي مهم داخل هيكل الإمارة.
كما أنه ينتمي إلى أسرة القواسم، إحدى أعرق العائلات الحاكمة في دولة الإمارات، والتي تتقاسم الحكم في إمارتي الشارقة ورأس الخيمة. ولهذا فإن أي تحرك ضده — حتى لو كان في إطار “توجيه إداري” — يُنظر إليه على أنه مؤشر خطير على طبيعة العلاقة بين أبوظبي وبقية الإمارات.
وبحسب المصادر فإن المنشور الذي أثار الأزمة تضمن مضمونًا انتقاديًا مبطنًا حول المسؤولية والفساد وإساءة استخدام السلطة، وهو خطاب نادر جدًا في المجال العام الإماراتي، خاصة عندما يصدر من شخصية تنتمي إلى النخبة الحاكمة نفسها.
ويرى محللون أن حساسية المنشور لم تكن فقط في مضمونه، بل في هوية كاتبه، ما جعل السلطات تتعامل معه باعتباره “سطرًا أحمر” يجب محوه سريعًا.
وتعيد هذه الحادثة تسليط الضوء على ما تصفه منظمات حقوقية دولية منذ سنوات بـ“نموذج السيطرة الشاملة” داخل الإمارات، حيث لا يقتصر ضبط المجال العام على النشطاء والمعارضين، بل يمتد — وفق هذه التقارير — إلى النخب الاقتصادية والسياسية وحتى أفراد من العائلات الحاكمة أنفسهم، في حال خرج خطابهم عن الخط السياسي العام الذي ترسمه أبوظبي.
ويرى مراقبون أن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا تدريجيًا في بنية الحكم داخل الإمارات من صيغة اتحادية ذات هامش استقلال نسبي للإمارات الأخرى، إلى مركزية سياسية وأمنية متزايدة تديرها أبوظبي، خاصة في الملفات الأمنية والإعلامية والسياسية الحساسة.
في هذا السياق، يشير منتقدون إلى سلسلة من الإجراءات التي اتُّخذت خلال العقد الماضي، شملت تشديد قوانين الجرائم الإلكترونية، وتوسيع تعريف “الإضرار بسمعة الدولة”، وإصدار أحكام سجن طويلة بحق ناشطين وأكاديميين ومدونين، إضافة إلى تقارير عن مراقبة رقمية مكثفة للنشاط الإلكتروني داخل الدولة وخارجها.
وتقول تقارير حقوقية إن الإمارات تكرس نموذج رقابة يعتمد على مزيج من القوانين الصارمة والرقابة الرقمية والضغط الاجتماعي والاقتصادي، ما خلق بيئة عامة منخفضة للغاية من حيث التعبير السياسي المستقل.
ويضيف مراقبون أن ما يجعل حادثة حذف منشور شيخ من الأسرة الحاكمة حساسة بشكل خاص، هو أنها تعطي انطباعًا بأن هامش النقاش داخل النخبة نفسها يتقلص أيضًا.
وبحسب المحللين فإن هذه التطورات قد تعكس صراعًا صامتًا حول شكل الدولة ومستقبلها، خاصة في ظل التباينات التاريخية بين الإمارات المختلفة من حيث النهج السياسي والاجتماعي.
فبينما تميل بعض الإمارات تاريخيًا إلى نهج أكثر محافظة اجتماعيًا أو استقلالية إدارية، تسعى أبوظبي إلى فرض نموذج سياسي موحد قائم على السيطرة الأمنية والاستقرار الصارم.
كما أن الحادثة قد تفتح باب التساؤلات حول التوازنات داخل الاتحاد الإماراتي نفسه، خصوصًا إذا تكررت حالات تدخل أبوظبي المباشر في شؤون شخصيات رسمية أو شبه رسمية داخل إمارات أخرى.

