عمد النظام الإماراتي إلى تصدير أصوات التطبيع والدعوة لتعزيز التحالف العلني مع إسرائيل والهجوم على الدول العربية في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً عسكرياً متسارعاً على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وأبرز مراقبون تركيز النظام الإماراتي على إعادة صياغة تحالفاته الإقليمية والدولية في سياق تصعيد عسكري متسارع تشهده المنطقة، عبر الدفع باتجاه توسيع مسار التطبيع مع إسرائيل وتعزيز الشراكة معها، بالتوازي مع تصاعد خطاب ينتقد مواقف دول عربية ويشكك في جدوى التضامن التقليدي.
وتبرز تصريحات رسمية وشبه رسمية في الإمارات خلال الفترة الأخيرة اتجاهاً واضحاً نحو تثبيت التحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة باعتباره خياراً استراتيجياً، في ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بالهجمات الإيرانية وتبادل الضربات في أكثر من ساحة.
وصرح المسئول الإماراتي المثير للجدل ضاحي خلفان، بأن على دول الخليج ” توثيق التعاون مع إسرائيل”، معتبراً أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بالتحالف مع تل أبيب.
وفي تغريدة أخرى، دعا خلفان إلى إعادة صياغة طبيعة العلاقات مع الدول العربية، مشيراً إلى أن التعامل معها يجب أن يكون محدوداً وبروتوكولياً، وهو طرح أثار انتقادات واسعة، اعتبرته أصوات عديدة تعبيراً عن توجه سياسي يتجاوز مجرد الرأي الشخصي.
وفي السياق أثار أنور قرقا المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، نقاشاً حاداً بعد توجيهه انتقادات لما وصفه بغياب التضامن العربي مع دول الخليج في مواجهة التهديدات الإيرانية.
ويعكس هذا التوجه تحوّلاً مستمراً منذ توقيع اتفاقيات التطبيع، حيث انتقلت العلاقات من الإطار السياسي إلى مستويات أعمق تشمل الأمن والتكنولوجيا والتنسيق الاستخباراتي.
ويثير هذا المسار جدلاً واسعاً بعد دعوات علنية أطلقها مسؤولون إماراتيون لتعزيز التعاون مع إسرائيل، معتبرين أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة ترتيب أولويات التحالفات.
ويعبر ذلك عن رؤية تقوم على أن الشراكات مع القوى الغربية وإسرائيل توفر مكاسب استراتيجية تتعلق بالأمن والتفوق التكنولوجي، مقابل تراجع الاعتماد على المنظومة العربية التقليدية.
ويدفع هذا الخطاب باتجاه تقليص الرهان على العمل العربي المشترك، حيث طُرحت تساؤلات حول فاعلية مؤسساته في ظل التحديات الراهنة. وترافق ذلك مع انتقادات مباشرة لمواقف بعض الدول العربية، ما فتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة العلاقات داخل الإقليم وحدود التضامن في ظل التحولات الجيوسياسية.
ويعيد هذا الجدل تسليط الضوء على سجل الإمارات في التطبيع مع إسرائيل، والذي شهد تسارعاً ملحوظاً منذ توقيع الاتفاقيات، حيث توسعت مجالات التعاون لتشمل الدفاع والأمن السيبراني والطاقة والاستثمار.
وقد رُوّج لهذا المسار باعتباره رافعة لتعزيز قدرات الدولة الدفاعية، خصوصاً في مواجهة التهديدات الإقليمية.
غير أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت طرح تساؤلات حول جدوى هذا الرهان، في ظل استمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت المنطقة.
ويثير ذلك نقاشاً حول مدى قدرة التحالفات الجديدة على توفير حماية فعالة، أو ما إذا كانت قد ساهمت في زيادة انخراط الإمارات في صراعات إقليمية معقدة.
ويرى مراقبون أن الانخراط في شراكات أمنية مع إسرائيل نقل أبوظبي من موقع أقل عرضة للاستهداف إلى موقع أكثر ارتباطاً بمحاور الصراع، خاصة مع تصاعد الحديث عن ارتباط بعض التهديدات بالوجود الأمني والتنسيقي مع تل أبيب. ويعتبر هؤلاء أن هذا التحول يفرض كلفة استراتيجية تتجاوز المكاسب المعلنة.
في المقابل، يستمر الترويج الرسمي لفوائد التطبيع، مع التركيز على نقل التكنولوجيا العسكرية وتطوير أنظمة الدفاع الجوي وتعزيز القدرات الاستخباراتية.
ويُطرح هذا التعاون باعتباره جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، ضمن تحالفات عابرة للإقليم.
ويتزامن ذلك مع تصاعد أصوات تحذر من تداعيات هذا المسار على استقرار المنطقة، معتبرة أن التحالفات الجديدة قد تعمّق الانقسامات بدل معالجتها.
ويشير هذا الطرح إلى أن الابتعاد عن التوافق العربي يضعف الموقف الجماعي ويمنح القوى الخارجية مساحة أكبر لإعادة تشكيل التوازنات.
وتتسع دائرة النقاش لتشمل البعد الفكري والاستراتيجي، حيث يجري التحذير من تجاهل مشاريع بعيدة المدى يُعتقد أنها تعيد رسم خريطة المنطقة.
ويؤكد هذا الاتجاه أن التحولات الحالية لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يشمل صراع النفوذ وإعادة توزيع القوة على المستوى الإقليمي.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات متزايدة حول كلفة الخيارات التي تتبناها أبوظبي، ومدى انعكاسها على أمنها الداخلي ومحيطها الخليجي.
ويبرز سؤال مركزي حول ما إذا كان مسار التطبيع والتحالف مع إسرائيل يمثل ضمانة للاستقرار، أم أنه يفتح الباب أمام مخاطر جديدة في بيئة إقليمية شديدة التقلب.
وتتجه المؤشرات إلى أن الإمارات ماضية في تعميق هذا الخيار، رغم الجدل الواسع الذي يرافقه، ما يعكس قناعة لدى صناع القرار بضرورة إعادة تشكيل شبكة التحالفات بما يتناسب مع التحولات الدولية والإقليمية.
غير أن هذا المسار يبقى محاطاً بتحديات متزايدة، في ظل تصاعد التوترات وعدم وضوح مآلات الصراع في المنطقة.
وتضع هذه التطورات المنطقة أمام مرحلة جديدة تتسم بإعادة رسم الاصطفافات، بحيث يتراجع مفهوم التضامن العربي التقليدي لصالح تحالفات متعددة المستويات، تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية، ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً ويطرح أسئلة مفتوحة حول مستقبل الاستقرار الإقليمي.

