موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

كيف فتحت الإمارات أبوابها لجيفري إبستين ليصنع جسور التطبيع السري مع إسرائيل؟

من غرف الابتزاز إلى غرف القرار

1٬535

لا يعد التقارب الإماراتي–الإسرائيلي وليد “اتفاقيات أبراهام” عام 2020، أو نتيجة لتحولات إقليمية مفاجئة كما حاولت أبوظبي تسويقه لاحقًا، بل جاء بعد مسار طويل نُسج في الظل، بعيدًا عن الأضواء، على أيدي شخصيات مثيرة للجدل، في مقدمتها الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين.

فبحسب وثائق ومراسلات مسربة حديثًا، لعب إبستين دور “عرّاب” غير رسمي وقناة اتصال سرية بين النخب الإماراتية والنخبة السياسية والأمنية في إسرائيل، قبل أكثر من عقد على الإعلان العلني للتطبيع.

وتكشف هذه التسريبات عن شبكة علاقات معقدة بناها إبستين، قائمة على المصالح الاقتصادية، والوساطات الأمنية، والروابط الشخصية الحميمة، مستفيدًا من موقعه كرجل مال نافذ يمتلك “أسرارًا” عن كثيرين.

وأخطر ما في هذه الوثائق أنها تُظهر كيف تحولت أبوظبي، طواعية، إلى ساحة اختبار لعلاقات محرّمة سياسيًا، جرى تمريرها عبر بوابة المال والتكنولوجيا والأمن.

تحالف الظل: إبستين وسلطان بن سليم

تُبرز المراسلات التي تعود إلى عام 2006 عمق العلاقة التي ربطت إبستين بـ سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية. العلاقة لم تكن استشارية عابرة، بل شراكة شخصية وثيقة.

ففي رسالة مؤرخة في مارس 2007، كتب إبستين لبن سليم بعد رحلة مشتركة: “أنا سعيد لأنك صديقي… أنت الشخص الوحيد الذي قابلته وهو مجنون مثلي”، في تعبير فاضح عن مستوى القرب والثقة.

وقد سمح هذا القرب لإبستين بالتغلغل في صلب صناعة القرار المالي في دبي، من مراجعة مسودات كتب رسمية، إلى تقديم نصائح حول الطرح الأولي لأسهم موانئ دبي في الأسواق العالمية، وصولًا إلى لعب دور مستشار غير معلن لصورة النخبة الإماراتية في واشنطن وتل أبيب.

الأخطر أن هذه العلاقة استمرت حتى في أحلك فترات إبستين القانونية، إذ ظل التواصل قائمًا قبيل سجنه عام 2008 وبعد خروجه عام 2009 بتهم تتعلق باستغلال القاصرات.

وتكشف السجلات أن إبستين تفاخر بعلاقته مع بن سليم، وادّعى أنه كان “المسؤول فعليًا” عن ميناء جيبوتي، أكبر أصول موانئ دبي في أفريقيا آنذاك، في وقت كانت فيه المنطقة توصف بأنها “جنة للتهريب” والتجاذبات الأمنية.

كما تظهر شبهات حول استثمارات عقارية غامضة، بينها تسجيل شراء جزيرة “غريت سانت جيمس” المجاورة لجزيرة إبستين باسم بن سليم عام 2016، في واقعة تطرح تساؤلات ثقيلة حول طبيعة العمليات المالية المشتركة.

بوابة إسرائيل: إيهود باراك والتكنولوجيا السيبرانية

الدور الأخطر لإبستين تمثل في ربط بن سليم مباشرة برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك. ففي رسالة عام 2013، حث إبستين باراك على لقاء بن سليم قائلًا: “أعتقد أنه يجب عليكما الالتقاء… إنه الذراع اليمنى لآل مكتوم”.

وبالفعل، عُقدت لقاءات عدة ناقشت استثمارات محتملة لموانئ دبي في البنية التحتية للموانئ الإسرائيلية، قبل سنوات من أي غطاء سياسي علني.

ولم يتوقف الأمر عند الموانئ. فقد كان إبستين ممولًا رئيسيًا لشركة Carbyne للأمن السيبراني، التي ترأسها باراك، والتي كشفت المراسلات أنها تأسست عقب لقاءات ثلاثية جمعت إبستين وباراك وبن سليم.

لاحقًا، دخلت أبوظبي على خط الاستثمار في هذا النوع من التكنولوجيا، وظهر اهتمام رسمي بتطبيقها في أنظمة الطوارئ وأمن الموانئ في دبي.

ويوضح هذا المسار السري كيف سبق التعاون الأمني والتقني الإعلان السياسي بسنوات، وكيف جرى تطبيع الاختراق الإسرائيلي للبنية التحتية الإماراتية تحت عناوين “الابتكار” و“الأمن”.

إرث إبستين… التطبيع كمنظومة ابتزاز

الأخطر في الوثائق أن إبستين كان يقدم نفسه كشخص يمتلك معلومات “ضارة” عن شركائه، ما يعزز فرضية أنه أدار شبكة ابتزاز دولية. صور تجمعه بقادة ونخب إماراتية، ورسائل تشير إلى امتلاكه أسرارًا حساسة، تضع أبوظبي في موقع المتواطئ لا الضحية.

اليوم، وبعد أن تحوّل التعاون السري إلى شراكة معلنة، ومع تدفق مئات الملايين من الدولارات الإماراتية إلى قطاع الدفاع والتكنولوجيا الإسرائيلي، يتضح أن إرث إبستين كان تأسيسيًا، حيث مهّد الطريق، وحدد القنوات، ورسّخ منطق أن المال والأمن يسبقان السياسة والأخلاق.

ورغم محاولات أبوظبي تقديم نفسها كفاعل “براغماتي”، تكشف هذه القصة أن التطبيع لم يكن خيارًا سياديًا شفافًا، بل نتاج علاقات مظلمة نسجها رجل متهم بالاتجار بالأطفال والابتزاز الدولي. وفي هذا المشهد، تبدو الإمارات ليست شريكًا متكافئًا، بل ملحقًا بمشروع صاغت خطوطه تل أبيب في الظل، وكان جيفري إبستين أحد أبرز مهندسيه.