تتجنب دولة الإمارات الظهور في واجهة المساءلة الدولية بشأن الحرب في السودان، رغم ثبوت دورها غير المباشر في دعم إدارة الصراع، في وقت ركّزت فيه العقوبات الأخيرة على شبكات تجنيد ثانوية دون الاقتراب من البنية الأوسع التي تغذي الحرب.
وتُظهر العقوبات التي استهدفت شبكة تجنيد كولومبية انخراط وسطاء في نقل مقاتلين سابقين إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، لكنها في المقابل سلّطت الضوء على حلقة تنفيذية محدودة، دون معالجة منظومة التمويل والتنسيق التي تقف خلف هذه العمليات.
وتعكس هذه الخطوة نمطاً من المساءلة الانتقائية، حيث يجري استهداف الفاعلين الأقل نفوذاً، بينما تبقى الجهات الأكثر تأثيراً خارج نطاق الإجراءات، ما يثير تساؤلات حول جدية المقاربة الدولية في تفكيك اقتصاد الحرب.
ولا تعمل شبكات التجنيد بمعزل عن دعم مالي ولوجستي معقّد، يتجاوز قدرات الوسطاء، ويتطلب بيئة تشغيلية مستقرة وقنوات تمويل مستمرة، وهو ما يعيد توجيه الانتباه إلى الأدوار غير المباشرة لبعض الدول.
وتضع هذه المعطيات الإمارات في موقع مركزي ضمن هذا السياق، من خلال شبكة علاقات مالية ولوجستية ودبلوماسية تتيح استمرار تدفق الموارد، دون انخراط مباشر ظاهر في العمليات العسكرية.
ويعتمد هذا النموذج على استخدام وسطاء متعددين، ما يخلق طبقات من الفصل بين مركز القرار وساحة التنفيذ، ويوفر هامشاً واسعاً لما يُعرف بالإنكار المعقول، في ظل غياب أدلة مباشرة تربط الجهات الداعمة بالعمليات الميدانية.
وتُظهر المؤشرات أن هذا الأسلوب بات جزءاً من نمط أوسع في إدارة النزاعات الحديثة، حيث تستبدل التدخلات المباشرة بأدوات غير تقليدية، تعتمد على شبكات عابرة للحدود لتأمين التمويل والتجنيد والإمداد.
وتؤكد قراءة العقود والمدفوعات المرتبطة بشبكات التجنيد أن حجم العمليات واستمراريتها لا يمكن تفسيره بجهود فردية، بل يتطلب بنية تنظيمية أعلى، قادرة على إدارة تدفقات مالية معقدة وتأمين مسارات لوجستية مستقرة.
وتعكس هذه البنية وجود اقتصاد حرب متكامل، يقوم على تداخل المصالح بين جهات محلية وخارجية، ويعتمد على استدامة الموارد لضمان استمرار العمليات العسكرية.
في هذا السياق، تبدو العقوبات الأخيرة كإجراء محدود التأثير، يركز على الأعراض بدلاً من معالجة الأسباب، ما يسمح باستمرار النظام القائم دون تغيير جوهري.
وتشير الوقائع إلى أن الحرب في السودان لا تزال تُنتج موجات نزوح واسعة وانهياراً إنسانياً متفاقماً، في ظل استمرار تدفق الدعم غير المباشر، الذي يعزز قدرة الأطراف على مواصلة القتال.
ويعكس هذا الواقع فجوة واضحة بين الخطاب الدولي الذي يعلن السعي لاحتواء الصراع، والممارسات الفعلية التي تكتفي بإجراءات جزئية لا تمس البنية الأساسية للحرب.
وتؤدي هذه الفجوة إلى تآكل مصداقية المؤسسات الدولية، حيث يُنظر إلى العقوبات الانتقائية كأدوات سياسية أكثر منها آليات عدالة، خاصة عندما تتجنب مواجهة الجهات الأكثر نفوذاً.
وتشير التحليلات إلى أن هذا النهج لا يضعف فقط فعالية الجهود الدولية، بل يخلق أيضاً بيئة تسمح باستمرار النزاعات عبر إعادة تشكيل شبكات الدعم بدلاً من تفكيكها.
في المقابل، يوفر الموقع الاقتصادي والدبلوماسي للإمارات حماية إضافية، تؤثر على كيفية صياغة الاستجابات الدولية، وتحدّ من إمكانية توجيه إجراءات مباشرة ضدها.
وتُظهر هذه الديناميكية أن النفوذ الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى عامل حاسم في تحديد حدود المساءلة، حيث تتردد الجهات الدولية في استهداف أطراف تمتلك تأثيراً واسعاً في الأسواق والعلاقات الدولية.
ويعزز ذلك نموذجاً يقوم على إدارة الصراع عن بعد، حيث تُمارس التأثيرات عبر التمويل والتنسيق، دون تحمل التبعات القانونية والسياسية للتدخل المباشر.
وفي السودان، يتجلى هذا النموذج بوضوح، حيث تعمل شبكات التجنيد والقنوات المالية والمسارات اللوجستية كمنظومة متكاملة، تتيح استمرار العمليات رغم الضغوط الدولية فيما تعطيل شبكة واحدة لا يؤدي إلى إنهاء الظاهرة، بل يدفع إلى ظهور شبكات بديلة، طالما بقيت الموارد والبنية الداعمة متاحة.
ويعكس ذلك محدودية النهج الحالي، الذي يركز على تفكيك مكونات فردية، دون معالجة النظام الذي ينتجها ويعيد إنتاجها ما يؤكد أن أي محاولة حقيقية لإنهاء الصراع تتطلب استهداف البنية الكاملة لاقتصاد الحرب، بما في ذلك مصادر التمويل والدعم اللوجستي.
بدون ذلك، ستبقى العقوبات مجرد أدوات مؤقتة، تعالج مظاهر الأزمة دون الاقتراب من جذورها، ما يضمن استمرارها بأشكال مختلفة.
وتوضح الحالة السودانية أن النزاعات الحديثة لم تعد محصورة داخل حدود الدول، بل أصبحت مرتبطة بشبكات عابرة للحدود، تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية.
في هذا الإطار، يبرز دور الإمارات كعنصر مؤثر في هذه الشبكات، من خلال قدرتها على تسهيل تدفقات الموارد وتأمين الغطاء السياسي، مع البقاء خارج دائرة المساءلة المباشرة.
وتشير هذه المعادلة إلى خلل بنيوي في النظام الدولي، حيث تتباين القدرة على التأثير مع مستوى المحاسبة، ما يخلق بيئة غير متوازنة في إدارة النزاعات.
في ظل هذا الواقع، تبقى الحرب في السودان مفتوحة على الاستمرار، طالما لم يتم التعامل مع العوامل الخارجية التي تساهم في تغذيتها وأن إنهاء الصراع يتطلب أيضاً معالجة الأدوار غير المباشرة التي تتيح استمراره.
وتؤكد القراءة العامة أن التركيز على الوسطاء دون الممولين لا يؤدي إلى تغيير حقيقي، بل يطيل أمد الأزمة تحت غطاء إجراءات تبدو حاسمة في ظاهرها وعليه فإن المسار الحالي يعيد إنتاج الصراع بدلاً من إنهائه، ويحول العدالة إلى إطار شكلي لا يمس مراكز القوة الفعلية.
