كشفت مصادر مطلعة أن التحولات الأخيرة في الظهور الإعلامي لشخصيات قيادية في دولة الإمارات تأتي ضمن عملية إعادة تموضع سياسي وإعلامي مقصود ومُدارة بعناية بهدف امتصاص الضغوط الخارجية وتقليص كلفة السمعة، مع الإبقاء على بنية النظام دون مساس.
وأبرزت المصادر بحسب ما نقلت منصة “دارك بوكس” الغياب الملحوظ لمحمد بن زايد عن الساحة العامة، في مقابل البروز المتزايد لشقيقه منصور بن زايد، ما أثار تساؤلات جدية لدى مراقبين حول الدوافع الكامنة والحسابات الاستراتيجية التي تقف خلف هذا التحول.
وأشارت المصادر إلى أنه خلال الأشهر الماضية، ظهر منصور بن زايد بوتيرة غير معتادة على منصات رسمية وشبه رسمية، فيما تعزز حضوره عبر تدفق منظم للصور ومقاطع الفيديو المنتقاة بعناية.
وشمل ذلك مشاركة منصور في إدارة شؤون الدولة، والحضور في جلسات المجلس الوطني الاتحادي، فضلا عن تجمعات شهر رمضان كجزء من جهد متعمّد لبناء صورة قيادية بديلة تتسم بالاتزان والارتباط بالواقع المحلي.
في المقابل، لم يمر الغياب النسبي لمحمد بن زايد عن مناسبات عامة مماثلة دون ملاحظة وفي خروج واضح عن النمط المعتاد.
وتشير تحليلات “دارك بوكس” إلى أن هذا التباين مقصود، ويهدف إلى إعادة ضبط التصورات تدريجياً، داخلياً وخارجياً، في مرحلة تواجه فيها أبوظبي انتقادات إقليمية متصاعدة وانتكاسات استراتيجية.
وبحسب مصادر مطلعة، يعكس هذا التنسيق الإعلامي والسياسي خطة أوسع تسعى من خلالها الإمارات إلى احتواء الغضب السعودي المتنامي والاستياء الدولي الأوسع من سياسات محمد بن زايد.
فقد ازدادت حدة التوتر الإقليمي على خلفية الصراعات في اليمن والسودان والبحر الأحمر، إضافة إلى تباينات متزايدة في التحالفات الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبدو القيادة الإماراتية وكأنها تبحث عن وسائل لتخفيف الضغط دون إدخال تغييرات جوهرية على سياساتها الأساسية.
ويُشكّل تعزيز حضور منصور بن زايد ركناً أساسياً في هذا التوجه. فمن خلال تقديمه كشخصية أكثر تصالحاً وانخراطاً في الشأن الداخلي، قد تسعى أبوظبي إلى تسويق صورة أقل حدّة، قادرة على تهدئة التوتر مع فاعلين إقليميين رئيسيين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية.
ولا يشير هذا التحول بالضرورة إلى نقل رسمي للسلطة، بقدر ما يعكس إعادة توزيع وظيفية للأدوار والتمثيل الإعلامي بهدف إدارة الانطباعات الخارجية.
وأثارت المنصة مخاوف من أن هذه الاستراتيجية لا تنطوي على إصلاح سياسي فعلي، بل تركز على استبدال الصورة والسرد.
إذ أن المسعى الظاهر يتمثل في إبعاد الهوية العامة للدولة عن القرارات المثيرة للجدل المرتبطة بمحمد بن زايد، مع الحفاظ على استمرارية منظومة الحكم خلف الكواليس.
وفي هذا الإطار، يُقدَّم منصور بن زايد كشخصية عازلة، تمتص الضغوط الدبلوماسية وتُظهر الاستقرار، بينما يبقى هيكل السلطة قائماً دون تغيير.
ويكتسب توقيت هذا التحول دلالة خاصة، إذ يتزامن مع مرحلة تدقيق متزايد في الدور الإقليمي للإمارات، ومع تصاعد المنافسة والتوتر مع السعودية.
وقد شكّل الموقف السعودي الأكثر تشدداً في الأشهر الأخيرة تحدياً مباشراً لنفوذ أبوظبي على أكثر من جبهة، ما دفعها إلى إعادة تقييم أدواتها.
وبدلاً من الانخراط في مواجهة مباشرة، يبدو أن الرد الإماراتي يميل إلى إدارة الخطاب الإعلامي وإعادة إبراز القيادة بصورة محسوبة إلى جانب العمل مع لوبيات مقربة من أبوظبي في ولايات المتحدة وأوروبا للضغط على الرياض.
وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في هذه العملية، حيث يشير الانتشار الكثيف لصور منصور بن زايد على المنصات الرقمية إلى استراتيجية تواصل منسقة تهدف إلى إعادة تشكيل الرأي العام.
وتروج هذه الصور إلى انخراطه في الأوساط الاجتماعية التقليدية، ومشاركته في المؤسسات الوطنية، في تباين واضح مع الصورة الأمنية والاستراتيجية التي ارتبطت تاريخياً بمحمد بن زايد.
مع ذلك، لا يخلو هذا النهج من مخاطر. فإعادة تسويق القيادة دون معالجة جذور التوترات السياسية قد توفر متنفساً مؤقتاً فقط. ومن المرجح أن يقيّم الفاعلون الإقليميون السياسات الفعلية على الأرض، لا مجرد الوجوه المُقدمة.
وبحسب مراقبين فإنه إذا استمرت السياسات الإماراتية التي تغذي النزاعات دون تغيير، فقد لا يكون تعديل التمثيل العام كافياً لاستعادة الثقة أو تعديل موازين العلاقات.
وداخلياً، تحمل هذه التحولات أيضاً تبعات محتملة. فتصاعد بروز شخصية على حساب أخرى قد يثير تساؤلات حول مراكز القرار وتماسك السلطة.
ورغم الطابع المركزي للنظام الإماراتي وقدرته على ضبط التحولات، فإن الآثار بعيدة المدى ستظل مرهونة بوضوح الإشارات الصادرة عن القيادة وتناسقها.
