أقرّ مجلس الوزراء الصومالي إلغاء شامل للاتفاقيات الموقعة مع دولة الإمارات بما فيها اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري والدفاعي، في قرار سيادي أنهى مرحلة طويلة من النفوذ الإماراتي داخل مفاصل الدولة الصومالية، وفتح ملفًا ظل مغلقًا لسنوات رغم ما رافقه من اختراقات وتجاوزات.
وقالت وزارة الخارجية الصومالية في بيان لها بهذا الصدد “أنهى مجلس الوزراء جميع الاتفاقيات مع حكومة دولة الإمارات والتي تشمل تشغيل الموانئ، والمؤسسات الحكومية، والتعاون في مجالي الأمن والدفاع (وقعت عام 2023)”.
وأضافت أن “مجلس الوزراء أكد أن القرار ضروري لحماية سيادة الصومال ووحدة أراضيه وتماسكه الوطني”، وأنه “يشمل الترتيبات القائمة في موانئ بربرة وبوصاصو وكيسمايو، إضافةً إلى التعاون مع المؤسسات الفيدرالية والولايات الأعضاء”.
وقد جاء القرار بعد مراجعة شاملة لطبيعة العلاقة مع أبوظبي، التي اتخذت دائما مسارًا أحادي الاتجاه، قوامه تمدد أمني إماراتي متزايد، واتفاقات أُبرمت خارج الرقابة المؤسسية، وحضور سياسي وأمني توسّع على حساب الدولة الصومالية ومبدأ السيادة.
وعلى مدى سنوات، قُدّم التدخل الإماراتي في الصومال تحت عنوان “الدعم الأمني” و”مكافحة التهديدات”، غير أن الوقائع على الأرض أظهرت مسارًا مختلفًا.
وتحول التعاون الأمني تدريجيًا إلى نفوذ مباشر، ثم إلى أدوات تحكم داخل القرار السياسي والأمني، عبر شبكات تمويل، وتدريب قوى خارج التسلسل الرسمي، وبناء مراكز تأثير موازية لمؤسسات الدولة.
وأكدت مصادر حكومية صومالية أن الإلغاء جاء نتيجة تراكم طويل من الخلافات والملفات، شمل تجاوز الحكومة المركزية، والتعامل مع أطراف محلية دون تفويض رسمي، ومحاولات فرض ترتيبات أمنية لا تخضع لسلطة الدولة ما قاد إلى قناعة داخل مؤسسات الحكم بأن استمرار الاتفاقيات بات يشكل تهديدًا مباشرًا للسيادة.
والتجربة الصومالية مع الإمارات لم تكن استثناءً، بل تندرج ضمن نمط متكرر في أكثر من ساحة. يبدأ التدخل بعقود تعاون أمني، يتوسع إلى نفوذ ميداني، ثم ينتهي بمحاولات توجيه القرار السياسي من الخارج. هذا النموذج، وفق مسؤولين صوماليين، أفرغ مفهوم “الشراكة” من مضمونه، وحوّل الأمن إلى مدخل للهيمنة.
ويعكس القرار الصومالي إدراكًا متأخرًا لكنه حاسم لطبيعة هذا الدور. فالتغلغل الإماراتي ترك آثارًا عميقة داخل المشهد الأمني والسياسي، وأنتج اختلالات تحتاج إلى وقت وجهد لمعالجتها بما يمثل بداية مسار تفكيك نفوذ تراكم عبر سنوات من العمل المنظم.
ورغم التأخر، يمثّل القرار نقطة تحول في مقاربة الصومال لعلاقاته الخارجية. الحكومة الصومالية بعثت برسالة واضحة مفادها أن أي تعاون مستقبلي يجب أن يخضع لسلطة الدولة، وأن الأمن لن يُستخدم مجددًا كقناة لاختراق القرار الوطني أو لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية.
وتتجاوز الأبعاد السياسية للقرار الساحة الصومالية، حيث المعطيات تشير إلى أن الإلغاء يأتي في سياق إقليمي أوسع، تشهد فيه سياسات أبوظبي مراجعة قسرية نتيجة تصاعد الرفض لها في عدد من الدول.
وأكد مطلعون على الملف أن الصفعة الأساسية لأبوظبي لا تكمن في إلغاء الاتفاقيات بحد ذاته، بل في الرسالة التي يحملها القرار: النفوذ القائم على الاختراق لم يعد مقبولًا، وأن هناك اتجاهًا متناميًا لتشكيل توازنات جديدة تتعامل مع هذا النمط بوصفه خطرًا يجب احتواؤه.
وبالنسبة للصومال، المرحلة المقبلة ستتركز على إعادة ضبط القطاع الأمني، وإخضاع جميع الترتيبات لسلطة الدولة، ومراجعة كل أشكال التعاون السابقة.
أما بالنسبة للإمارات، فإن خسارة موطئ قدم أمني وسياسي في بلد بحساسية الصومال تعكس كلفة سياسة توسعية اعتمدت على فرض النفوذ بدل بناء الشراكات.
والقرار الصومالي لا يغلق الملف، بل يفتحه على مصراعيه. ما بعد الإلغاء سيكون اختبارًا لقدرة الدولة على استعادة السيطرة، ولقدرة أبوظبي على التعامل مع واقع إقليمي يتغير، حيث تتراجع فعالية سياسات التدخل، وتتقدم حسابات السيادة والمساءلة.
