موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

القمع الأمني في الإمارات: احتكار الرواية وإقصاء أي صوت مخالف

0 54

فضح التصعيد الرقابي في الإمارات على مدار الأسابيع الأخيرة انتقالاً نوعياً من إدارة الفضاء الرقمي إلى إخضاعه الكامل، بحيث لم تعد سلطات أبوظبي تكتفي بضبط المحتوى أو ملاحقة ما تصفه بـ“الشائعات”، بل ذهبت نحو هندسة المجال العام بما يضمن احتكار الرواية وإقصاء أي صوت مخالف.

وويظهر هذا التحول بوضوح في الطريقة التي استُخدمت بها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كذريعة لتوسيع القبضة الأمنية، وتحويل المنصات الرقمية من فضاء للنقاش إلى ساحة مراقبة وملاحقة.

وتكشف الوقائع أن ما جرى شكل عملية تضييق تدريجية بدأت برسائل حجب صامتة على منصة “إكس”، حيث فوجئ المستخدمون داخل الدولة باختفاء حسابات إعلامية وصحفية معروفة، دون تفسير علني.

ويعكس هذا الأسلوب نهجاً محسوباً يهدف إلى تقليل الضجيج الخارجي، مقابل إحكام السيطرة الداخلية، عبر ما يمكن وصفه بـ“الرقابة الخفية” التي تُمارس دون إعلان، لكنها تُفرض بفعالية صارمة.

ويبرز أن الحجب لم يستهدف حسابات هامشية، بل طال أسماء ذات حضور إعلامي واسع، ما يكشف أن الهدف لم يكن حماية الجمهور من التضليل، بل تجفيف مصادر المعلومات البديلة.

وتتحول المنصات العالمية، وفق هذا النهج، إلى أدوات تنفيذ للقرار الأمني المحلي، حيث تُخضع خوارزميات الشركات العابرة للحدود لإرادة الأجهزة الرسمية، في مشهد يعكس اختلالاً واضحاً في ميزان العلاقة بين السلطة والمجال الرقمي .

ويتجاوز هذا المسار مسألة الحجب إلى ما هو أخطر، إذ أقدمت السلطات على تجريم التوثيق البصري نفسه، عبر تحذيرات رسمية تمنع تصوير أو نشر أي مواد تتعلق بآثار الحرب. وتُقدَّم هذه الإجراءات تحت عناوين فضفاضة مثل “حماية السلم العام”، لكنها في جوهرها تعني مصادرة حق الناس في رؤية الواقع، وحصر الصورة ضمن ما تسمح به الرواية الرسمية.

وتكشف هذه الخطوة عن ذهنية أمنية تعتبر الحقيقة تهديداً إذا خرجت من خارج القنوات الرسمية، حيث تصبح الصورة الواقعية موضع شبهة، ويُعامل ناقلها كمتهم محتمل. وهنا تتجلى المفارقة الصادمة: الدولة التي تدّعي محاربة التضليل، تجرّم في الوقت ذاته التوثيق الحقيقي، ما يعني أن المشكلة ليست في الكذب، بل في من يملك حق قول الحقيقة.

وتترجم هذه السياسة عملياً عبر إحالة عشرات الأشخاص إلى محاكمات سريعة بتهم نشر محتوى رقمي، شمل في بعض الحالات مواد غير مفبركة. ويعكس هذا التوسع في التجريم أن الخط الأحمر لم يعد “المعلومة الكاذبة”، بل أي معلومة لا تنسجم مع الرواية الرسمية. وبذلك، يتحول القانون من أداة لحماية المجتمع إلى وسيلة لإخضاعه.

ويرتبط هذا التصعيد بسياق إقليمي متوتر، حيث استُخدمت الحرب كغطاء لتشديد القبضة الداخلية، في نمط يعكس استثمار الأزمات لتعزيز السيطرة. غير أن اللافت في الحالة الإماراتية هو السرعة التي انتقلت بها الإجراءات من مستوى التحذير إلى مستوى العقاب، ما يشير إلى وجود بنية جاهزة للرقابة تنتظر اللحظة المناسبة للتفعيل.

وتؤكد تقارير حقوقية أن هذه السياسات لا تقتصر على تقييد النشر، بل تؤدي إلى إضعاف التغطية المستقلة، ورفع مكانة الرواية الرسمية إلى مستوى الحقيقة الوحيدة المقبولة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الإعلام مجرد امتداد للسلطة، لا رقيباً عليها، وتتحول المعلومة إلى أداة توجيه بدلاً من كونها وسيلة معرفة.

وينعكس هذا النهج على المجتمع بشكل مباشر، حيث تتسع دائرة “الرقابة الذاتية”، ويصبح الخوف من الملاحقة عاملاً حاكماً في سلوك الأفراد. ويؤدي هذا المناخ إلى خنق النقاش العام، وإقصاء الأصوات النقدية، ما يفرغ المجال العام من مضمونه، ويحوّله إلى مساحة صامتة خاضعة للضبط.

ولا تقف التداعيات عند حدود الداخل، بل تمتد إلى صورة الدولة خارجياً، حيث يتعارض هذا النموذج مع الخطاب الرسمي الذي يروج للإمارات كبيئة منفتحة ومتقدمة. ويكشف التناقض بين الصورة المعلنة والممارسة الفعلية عن فجوة متزايدة يصعب تجاهلها، خاصة مع تصاعد التقارير الحقوقية التي توثق هذه الانتهاكات.

ويفقد الجمهور، في ظل هذه السياسات، حقه الأساسي في المعرفة، ويُدفع إلى الاعتماد على مصادر أحادية، ما يضعف قدرته على الفهم والمساءلة. كما تتآكل الثقة في المؤسسات، حين تصبح المعلومات خاضعة للفلترة الأمنية، لا للمعايير المهنية.

ويؤكد هذا المسار أن ما يجري في الإمارات ليس مجرد إجراءات ظرفية فرضتها الحرب، بل إعادة صياغة شاملة للعلاقة بين الدولة والمجتمع، تقوم على ضبط المعلومة والتحكم في تدفقها. ومع غياب أي مؤشرات على وجود رقابة مستقلة أو مساءلة حقيقية، تبدو هذه السياسات مرشحة للاستمرار، ما يكرس نموذجاً قائماً على احتكار الحقيقة، وتقييد الوعي، وإخضاع المجال العام بالكامل لسلطة الأمن.