كشفت معطيات إعلامية عن أبعاد سياسية أعمق لقرار إماراتي مثير للجدل يقضي بتقييد تمويل طلابها للدراسة في الجامعات البريطانية، في خطوة لا يمكن فصلها عن مسار ضغط أوسع يستهدف البيئة السياسية والإعلامية في المملكة المتحدة، ويُسهم في تغذية مناخ عدائي متصاعد تجاه استهداف المسلمين ومؤسساتهم الأكاديمية والمجتمعية.
وبحسب معطيات حصلت عليها منصة «دارك بوكس»، فإن القرار، الذي انعكس مباشرة في تراجع حاد بأعداد الطلبة الإماراتيين الملتحقين بالجامعات البريطانية، جرى تسويقه رسميًا بذريعة «مخاوف من التطرف داخل الحرم الجامعي».
غير أن القراءة المتأنية للمعطيات تشير إلى أن هذه الذريعة لا تعدو كونها غطاءً سياسيًا يعيد إنتاج سردية إشكالية ترى في الوجود المسلم، والنشاط المدني والفكري المرتبط به، تهديدًا بحد ذاته، لا جزءًا من نسيج المجتمع البريطاني التعددي.
وبحسب التقرير، فإن الدور الإماراتي في هذا الملف يتجاوز حدود الخلافات الدبلوماسية أو الاعتبارات الأكاديمية البحتة، ليصل إلى توظيف أدوات اقتصادية وتعليمية حساسة للتأثير في نقاشات داخلية بريطانية تتعلق بالحريات الأكاديمية وحقوق الأقليات الدينية.
فاستبعاد الجامعات البريطانية من برامج الابتعاث، مقابل إدراج جامعات في دول أخرى لا تقل عنها جودة أو تنوعًا فكريًا، يُقرأ على نطاق واسع كرسالة ضغط سياسية موجّهة إلى لندن، لا كمجرد إعادة ترتيب إداري أو تربوي.
وتشير المعلومات إلى أن الخطاب الإماراتي المصاحب للقرار تعمّد ربط الجامعات البريطانية ببيئات «خطرة» أو «غير آمنة فكريًا»، في تماهٍ واضح مع أطروحات تيارات سياسية وإعلامية بريطانية يمينية تتبنى مقاربات متشددة تجاه المسلمين.
وقد جاء هذا التلاقي ضمن مسار تنسيقي شمل شخصيات سياسية وإعلامية معروفة بمواقفها السلبية من قضايا الهجرة والتعددية الدينية، ما عزز الانطباع بأن القرار جزء من معركة سرديات لا من سياسة تعليمية.
والأدلة التي يسوقها التقرير لا تقتصر على الخطاب العام، بل تمتد إلى سجل سابق من محاولات تشويه ممنهجة استهدفت منظمات خيرية ومجتمعية إسلامية داخل بريطانيا، عبر تقارير وضغوط إعلامية لم تستند إلى أحكام قضائية أو تحقيقات محلية مثبتة.
وفي أكثر من مناسبة، وُضعت هذه المنظمات في دائرة الشبهة بناءً على اتهامات عابرة للحدود، ساهمت في خلق حالة من الارتياب الجماعي تجاه العمل الإسلامي المدني، رغم التزامه بالقانون البريطاني.
ويرى مراقبون أن توظيف ملف التعليم في هذا السياق بالغ الحساسية، إذ يمسّ أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالقيم الليبرالية البريطانية، وعلى رأسها استقلال الجامعات وحرية البحث والفكر.
فالجامعات البريطانية تاريخيًا شكّلت فضاءً للتعدد والنقاش المفتوح، واستقطبت طلابًا من مختلف الخلفيات الدينية والثقافية، بينهم عشرات الآلاف من المسلمين الذين ساهموا في الحياة الأكاديمية والعلمية دون أن يُنظر إليهم كتهديد أمني.
لكن تداعيات القرار الإماراتي، وفق التقرير، أسهمت في خلق بيئة أكثر توترًا يشعر فيها المسلمون بأنهم موضع اشتباه جماعي، لا سيما في الفضاء الجامعي.
وذكر التقرير أن هذا الشعور لا يقتصر على الطلبة، بل يمتد إلى الأكاديميين والباحثين، الذين باتوا يواجهون أسئلة وضغوطًا غير مباشرة تتعلق بهويتهم أو مجالات اهتمامهم البحثي، في مناخ يتغذى على الربط الممنهج بين الإسلام و«التطرف».
في المقابل، تجد الحكومة البريطانية نفسها أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب: هل تتمسك بقيمها المعلنة في حماية الحريات الأكاديمية وحقوق الأقليات، أم تنزلق تدريجيًا نحو سياسات أكثر تشددًا استجابة لضغوط خارجية مدفوعة بالمصالح الاقتصادية والتحالفات السياسية؟.
وألمح التقرير إلى أن الاستجابة البريطانية حتى الآن اتسمت بالحذر، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى المواجهة الواضحة مع هذا النوع من الضغوط.
ويخلص التقرير إلى أن قرار تقييد الابتعاث ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة في مسار أوسع تستخدم فيه أبوظبي أدوات ناعمة – التعليم، التمويل، الخطاب الإعلامي – لتحقيق أهداف سياسية تتقاطع مع أجندات معادية للتعددية الدينية في أوروبا.
وهو مسارٌ يضع الإمارات في موقع فاعل لا في خانة المراقب، ويثير أسئلة جدية حول مسؤولية لندن في حماية فضائها العام من محاولات التأثير الخارجي التي تُدار على حساب المسلمين وقيم الانفتاح التي قامت عليها الجامعات البريطانية.
