موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

كيف تحوّل الإمارات أسر معتقلي الرأي إلى رهائن للعقاب الجماعي؟

1٬002

تمتد معاناة معتقلي الرأي في الإمارات لتطال عائلاتهم وأسرهم في سياسة ممنهجة تحوّل العقوبة من إجراء قضائي مزعوم إلى العقاب الجماعي الشامل الذي يستهدف الإنسان وبيئته الاجتماعية معًا.

فخلف الصورة الرسمية التي تروّجها أبوظبي عن “الاستقرار” و“التسامح”، يعيش أهالي المعتقلين واقعًا قاسيًا من القهر والعزلة والحرمان.

وبحسب مركز مناصرة معتقلي الإمارات فإن أسر معتقلي الرأي تواجه سلسلة متواصلة من الانتهاكات، في ظل استمرار احتجاز ذويهم وحرمانهم من أبسط حقوق التواصل.

واعتبر المركز أن هذه المعاناة لم تعد حالات فردية معزولة، بل باتت نهجًا ثابتًا يهدف إلى كسر الإرادة وبث الخوف داخل المجتمع، عبر معاقبة العائلة بجريرة الرأي.

ووفقًا للمركز تُحرم عائلات المعتقلين من الزيارات لفترات طويلة، ويُقطع التواصل الهاتفي بشكل متعمد، فيما تُفرض عزلة قسرية تمتد لسنوات، غالبًا دون أحكام نهائية أو محاكمات تستوفي الحد الأدنى من معايير العدالة.

ولا تقف الانتهاكات عند حدود السجن، بل تمتد إلى ضغوط أمنية وتهديدات غير معلنة، ورسائل ترهيب تهدف إلى إسكات أي مطالبة بالحقوق أو محاولة لكشف حقيقة ما يجري.

ويؤكد المركز أن مرور الوقت لم يجلب أي مؤشرات على الإنصاف، بل زاد منسوب الظلم، في ظل حرمان المعتقلين من الرعاية الصحية الكافية، ومن حقهم في الدفاع والاطلاع على ملفات قضاياهم، ومن التواصل الإنساني الطبيعي مع أسرهم.

وهي ممارسات تمثل، بحسب المركز، انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتشير منظمات حقوقية إلى أن السلطات الإماراتية تستخدم ملف المعتقلين السياسيين كأداة ردع شاملة، لا تستهدف إسكات الأصوات المعارضة فحسب، بل تسعى إلى خلق بيئة خوف عامة، مفادها أن كلفة التعبير عن الرأي لا يتحملها الفرد وحده، بل يدفعها أهله وأطفاله ومستقبل عائلته بأكملها.

ولا تزال أبوظبي تحتجز عشرات المعتقلين السياسيين في سجونها، وسط تقارير موثقة عن حرمانهم من العلاج والدواء، ومنع الزيارات لفترات طويلة دون مبررات قانونية.

وفي حالات متعددة، أقدمت السلطات على سحب الجنسيات من معتقلين وأقاربهم من الدرجة الأولى، في خطوة تُعد من أخطر أشكال العقاب الجماعي، لما تحمله من آثار قانونية وإنسانية مدمرة.

وخلال ديسمبر 2023، وفي الوقت الذي كانت فيه أبوظبي تستقبل قادة العالم في مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (كوب 28)، نفذت واحدة من أوسع حملات القمع، عبر توجيه اتهامات إلى ما لا يقل عن 84 شخصًا، على خلفية نشاطهم في تأسيس جماعة مناصرة مستقلة عام 2010.

وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن عددًا من هؤلاء كان يقضي بالفعل أحكامًا سابقة على التهم ذاتها أو تهم مشابهة، في انتهاك واضح لمبدأ عدم جواز المحاكمة مرتين على الجرم نفسه.

وفي يناير 2024، أعلنت السلطات اتهام المتهمين بتأسيس وإدارة منظمة إرهابية سرية تُعرف باسم “لجنة العدالة والكرامة”، استنادًا إلى قانون مكافحة الإرهاب الإماراتي لعام 2014، وهو قانون تعرض لانتقادات واسعة بسبب صياغته الفضفاضة، واستخدامه لتجريم العمل السلمي والمعارضة السياسية، وفرض عقوبات قاسية تصل إلى المؤبد والإعدام.

وفي 10 يوليو 2024، أصدرت محكمة الاستئناف الاتحادية في أبوظبي أحكامًا بحق 53 متهمًا، تراوحت بين عشر سنوات والمؤبد، عقب محاكمة جماعية وُصفت بأنها من أكبر المحاكمات السياسية في تاريخ الدولة.

وقد شابت هذه المحاكمة انتهاكات جسيمة للإجراءات القانونية، شملت تقييد وصول الدفاع إلى ملف القضية، وتقليص المساعدة القانونية، وتلقين الشهود، وعقد جلسات سرية، فضلًا عن ادعاءات موثوقة بشأن سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية والنفسية.

ويشدد مركز مناصرة معتقلي الإمارات على أن استمرار هذا النهج القمعي يتطلب تحركًا دوليًا عاجلًا، لوقف معاناة تمتد من داخل الزنازين إلى خارجها.

ما يؤكد أن الحرية ليست مطلبًا سياسيًا قابلًا للمساومة، بل حق إنساني أصيل، وأن الصمت الدولي إزاء ما يجري لا يعني سوى شرعنة العقاب الجماعي وترسيخ واقع خطير يهدد كرامة الإنسان وحقه في العدالة والتعبير.

وبينما تواصل أبوظبي تسويق صورتها الخارجية، تبقى معاناة أهالي معتقلي الرأي حقيقة دامغة، تكشف عمق الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع، وتؤكد أن السجون في الإمارات لا تنتهي عند أبوابها، بل تمتد آثارها إلى كل بيت حُرم من أبنائه بسبب كلمة أو موقف.