في وقت تواصل فيه دولة الإمارات تسويق نفسها في الغرب كـ«نموذج للتسامح والانفتاح»، تكشف وثائق وتسريبات صحفية عن مسار موازٍ أقل إعلانًا، يقوم على بناء علاقات وثيقة مع منصات وشخصيات اليمين المتطرف في أوروبا، في محاولة لإعادة هندسة صورتها السياسية والأمنية لدى الرأي العام الغربي، ولو على حساب التناقض الصارخ مع خطابها الرسمي.
فقد كشفت منصة إنتليجنس أونلاين أن موقع Visegrad24، وهو منصة إخبارية بولندية ذات صلات وثيقة باليمين المتطرف في أوروبا الشرقية، نجح في نسج علاقات متقدمة مع دوائر القرار في أبوظبي.
ويتمتع الموقع، الذي تأسس عام 2020 ضمن البيئة الإعلامية المحيطة بحزب «القانون والعدالة» اليميني في بولندا، بحضور واسع على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا منصة «إكس»، حيث يتجاوز عدد متابعيه 1.5 مليون حساب.
ووفق مذكرة داخلية صادرة عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية بتاريخ 28 أغسطس 2024، واطلعت عليها إنتليجنس أونلاين ونشرتها منصتها الشقيقة Africa Intelligence، اعتبرت إدارة الاتصال الاستراتيجي في الوزارة أن خطة التعاون المقترحة من «فيزيغراد 24» «جديرة بالتنفيذ» وقادرة على «تحسين سمعة الإمارات لدى الجمهور الغربي».
لكن المذكرة نفسها حذّرت من أن أي تعاون رسمي مباشر قد يجرّ «مشاكل دبلوماسية أو سياسية أو إعلامية»، بسبب الخطاب الاستقطابي للمنصة، وهجماتها المتكررة على قطر وإيران وروسيا، وتبنّيها العلني للرواية الإسرائيلية في الحرب على غزة.
ويعكس هذا التناقض جوهر الاستراتيجية الإماراتية: الاستفادة من المنصة كـ«أداة تأثير» غير رسمية، مع الحرص على إبقاء مسافة إنكار سياسي عند اللزوم. وهو نمط بات مألوفًا في تحركات أبوظبي الخارجية، حيث يجري الاستثمار في وسطاء إعلاميين وسياسيين بدل الظهور المباشر.
وتشير الوثائق إلى أن «فيزيغراد 24» قدمت نفسها لأبوظبي كمجمع أخبار وصانع محتوى قادر على توجيه النقاش العام في أوروبا الوسطى والشرقية، وهي مناطق تشهد صعودًا متسارعًا لليمين الشعبوي.
ورغم امتناع المنصة والخارجية الإماراتية عن التعليق، إلا أن مراقبين لاحظوا في الأسابيع الأخيرة انسجامًا متزايدًا في خطاب «فيزيغراد 24» مع الرواية الإماراتية، خصوصًا في ملفات «الإخوان المسلمين» وإيران واليمن.
ففي 14 ديسمبر، أعاد حساب المنصة نشر خطاب قديم لوزير الخارجية عبد الله بن زايد آل نهيان يعود إلى عام 2017، حذّر فيه أوروبا من جماعة الإخوان المسلمين، وعلّق عليه بأن كلماته «تبدو تنبؤية أكثر من أي وقت مضى»، في إعادة توظيف سياسي لخطاب يخدم أجندة اليمين المتطرف الأوروبي.
ولتفادي الانكشاف، أعدّت إدارة الاتصال الاستراتيجي الإماراتية قائمة تضم شخصيات ومؤثرين لا يشغلون مواقع رسمية، من بينهم مستشار الاتصالات سليمان الهتلان، والإعلامي ياسر حارب، والمحامي حبيب الملا، إلى جانب راشد الفلاحي، المسؤول في الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، ودبي أبو الهول، مؤسس مركز «فِكَر» للأبحاث.
وتتمثل مهمة هذا الفريق في إنتاج محتوى يخدم رواية أبوظبي عبر منصة «فيزيغراد 24»، من تدوينات مطوّلة إلى مقابلات ومواد تحليلية.
كما اقترحت المنصة إنتاج فيلمين وثائقيين بعنوان «نهج الإمارات في مواجهة الإسلام الراديكالي» و«الإمارات كصانع سلام إقليمي»، في محاولة واضحة لإعادة تغليف السياسات الأمنية للإمارات بلغة جذابة للجمهور الأوروبي المحافظ.
وفي سياق توسيع النفوذ، أطلقت المنصة في مايو 2025 حسابًا جديدًا باسم Middle East 24، يتبنى خطابًا متشددًا تجاه إيران، ويتماهى مع المواقف الإماراتية في اليمن وجزيرة سقطرى، ويدعو للاعتراف بـ«أرض الصومال»، في انسجام لافت مع أولويات أبوظبي الإقليمية.
وتتلاقى هذه التحركات مع تقارب متزايد بين الإمارات وشخصيات بارزة في اليمين المتطرف الأوروبي. فقد برز اسم نايجل فاراج، زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة»، كأحد أكثر المتحمسين للموقف الإماراتي من ملف الإخوان المسلمين، وزار أبوظبي في ديسمبر الماضي على نفقة الحكومة الإماراتية، على هامش سباق «فورمولا 1»، وسط تقارير عن سعيه للقاء رئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان.
كما انضم السياسي البريطاني ناظم الزهاوي إلى حزب فاراج، مستفيدًا من شبكة علاقاته الواسعة في أبوظبي. وفي فرنسا، أعاد جوردان بارديلا، زعيم حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، نشر محتوى «فيزيغراد 24»، وكان قد زار الإمارات في يونيو الماضي، حيث التقى ولي عهد أبوظبي خالد بن محمد بن زايد آل نهيان وطحنون بن زايد آل نهيان.
وتكشف هذه المعطيات أن الإمارات لا تكتفي بالتأثير عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل تستثمر بوعي في صعود اليمين المتطرف الأوروبي، مستغلة هواجسه من الإسلام والهجرة والأمن.
وقد تمنح هذه التحالفات أبوظبي نفوذًا ظرفيًا، لكنها تضعها في موقع التناقض الصارخ مع خطاب «التسامح» الذي تروّج له، وتفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول ثمن هذا الرهان السياسي طويل الأمد.
