كشفت وسائل إعلام عبرية عن تنسيق إسرائيلي إماراتي لتولى أبوظبي الرقابة على إعداد مناهج تعليمية لقطاع غزة في إطار مشروع السيطرة الإسرائيلية ووضع غزة تحت الوصاية الإبراهيمية عقب حرب الإبادة الجماعية التي استمرت لأكثر من عامين.
ويأتي كشف الدور الإماراتي الجديد بالتوازي مع طرح تصورات لإقامة منطقة في رفح تخضع لرقابة أمنية مشددة، وترتيبات “رعاية” لميليشيات محلية تعمل كقوى ضبط ميداني عملت أبو ظبي على تمويلها منذ أشهر.
ورغم محاولات تقديم هذه الخطوات في إطار “إعادة الإعمار” أو “ما بعد الحرب”، فإن القراءة المتأنية تكشف أنها جزء من هندسة إسرائيلية خالصة تهدف إلى إعادة تشكيل غزة سياسيًا وأمنيًا، وتوظيفها ضمن مشروع توسّعي أوسع يهدد دول المنطقة برمّتها.
ولا يمكن فصل هذه الطروحات عن الدور الوظيفي المتنامي للإمارات في الاستراتيجية الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقات التطبيع عام 2020، حيث انتقلت أبوظبي من موقع الداعم السياسي غير المعلن، إلى شريك تنفيذي في ملفات حساسة تمس الأمن القومي العربي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
ووفق ما رشح من الإعلام العبري، فإن الدور الإماراتي المقترح في غزة لا يقتصر على الجانب التعليمي، بل يمتد إلى المشاركة في إعادة هندسة المجتمع الغزي عبر مناهج تُفرغ القضية من بعدها التحرري، وتُعيد إنتاج وعي “إبراهيمي” منزوع السياسة، يتعايش مع الاحتلال بوصفه أمرًا واقعًا لا يُقاوَم.
ويترافق هذا المسار مع تصورات أمنية خطيرة، أبرزها إنشاء مناطق عازلة خاضعة لإشراف أمني مباشر أو غير مباشر، وتفعيل قوى محلية تعمل كبدائل عن أي سلطة وطنية منتخبة أو فصائل مقاومة، بما يحقق لإسرائيل هدفها المركزي: غزة بلا مقاومة وبلا قرار سيادي.
تعطيل الإغاثة وعرقلة وقف النار
في الميدان السياسي، تؤكد مصادر مطلعة أن الدور الإماراتي في ملف غزة لا يذهب باتجاه تسريع وقف إطلاق النار، بل على العكس، يقوم على دعم اشتراطات تُبقي هذا المسار معلقًا، من خلال تكرار ذرائع “الأمن” و”ضمانات ما بعد الحرب”، بما يمنح إسرائيل الوقت اللازم لاستكمال أهدافها العسكرية.
كما تشير هذه المعطيات إلى أن أبوظبي لعبت دورًا في تعطيل أو تمييع بعض مسارات الإغاثة، عبر الدفع نحو آليات توزيع خاضعة لشروط أمنية معقّدة، أو عبر دعم مبادرات بديلة تفتقر إلى القدرة الفعلية على الاستجابة لحجم الكارثة الإنسانية، لكنها تحقق هدفًا سياسيًا: سحب الملف من الأطراف الأكثر تأثيرًا ميدانيًا.
وبالتوازي مع ذلك، تُدار حملة إعلامية وسياسية مكثفة لشيطنة أدوار أي دول إقليمية ومحاولة إقصائها من أي وساطة فاعلة في ملف غزة وذلك بهدف تحييد أي وسطاء يمتلكون أوراق ضغط حقيقية، أو يتمتعون بثقة قوى المقاومة والشعب الفلسطيني.
ويرى مراقبون أن ما يجري اليوم لا يتعلق بغزة كقطاع جغرافي معزول، بل بكونها بوابة لمشروع نفوذ إسرائيلي أوسع، يُراد له أن يمتد إلى أمن دول الجوار.
فالحديث عن “غزة ما بعد الحرب” يخفي في جوهره محاولة لتحويل القطاع إلى وكيل أمني إبراهيمي، يؤدي دور المخلب المتقدم في خاصرة مصر، ويشكّل عنصر تهديد غير مباشر للأردن وسيناء، وورقة ضغط دائمة على المنطقة.
ويتقاطع هذا النموذج بوضوح مع تحركات موازية في اليمن والصومال والقرن الإفريقي والسودان، حيث تظهر بصمات إسرائيلية–إماراتية مشتركة، تقوم على منطق التطويق، وبناء شبكات نفوذ محلية، والسيطرة على الممرات البحرية وخطوط التجارة، بما يعيد إنتاج المنطقة كساحة نفوذ مفتوحة.
ويبرز المراقبون أن عمق التحالف الإماراتي–الإسرائيلي بات تحالفًا أمنيًا ووظيفيًا، تُستخدم فيه أدوات “النعومة” الإماراتية لتسويق مشاريع إسرائيلية صلبة، لا تخدم إلا الاحتلال وتوسّعه.
ويحذرون من أن ما يُحضَّر لغزة اليوم، قد يُعاد إنتاجه غدًا في ساحات عربية أخرى، ما لم يُواجَه هذا المسار بوعي إقليمي يضع حدًا لتحويل القضايا العربية إلى أدوات في مشاريع لا ترى في المنطقة سوى مجال نفوذ قابل للتقسيم والتطويع.
