مع تصاعد الضغوط السياسية والعسكرية على الدور الإماراتي في اليمن، لم تتأخر أبوظبي في إعادة توجيه بوصلة نفوذها نحو القارة الأفريقية، في تحوّل يعكس سعيًا واضحًا لتعويض إخفاقات نموذج “الوكلاء المسلحين” بنموذج أكثر نعومة، يقوم على المال والاستثمار بغطاء التنمية.
غير أن هذا التحول، الذي يُسوَّق بوصفه شراكة تنموية وإنسانية، يثير مخاوف متزايدة من كونه إعادة إنتاج للنفوذ السياسي ونهب مقدرات الدول الفقيرة بأدوات أكثر أناقة وأقل ضجيجًا.
ففي يناير/كانون الثاني 2026، وقّعت وكالة الإمارات الدولية للمساعدات اتفاقًا مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتقديم منحة بقيمة 15 مليون دولار لدعم الاستجابة الإنسانية في السودان.
ورغم الطابع الإنساني المعلن، جاءت الخطوة في سياق اتهامات متكررة لأبوظبي بالتورط غير المباشر في تأجيج الصراع السوداني، ما يطرح تساؤلات حول ازدواجية الدور: المساهمة في الأزمة من جهة، وتسويق النفس كمنقذ إنساني من جهة أخرى.
والمشهد ذاته تكرر في بوتسوانا عام 2025، عندما أعلنت الإمارات إرسال إمدادات طبية عاجلة عقب إعلان حالة طوارئ صحية وطنية. غير أن التحركات الإماراتية لم تقتصر على الدعم الطارئ، بل ارتبطت باستراتيجية أعمق لإعادة التموضع الاقتصادي والسياسي في أفريقيا.
وخلال قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت أبوظبي عن مبادرة بقيمة مليار دولار تحت عنوان «الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية»، تستهدف قطاعات التعليم والصحة والزراعة والبنية الرقمية في أفريقيا.
كما أبرمت شراكة منفصلة بقيمة 40 مليون دولار مع مؤسسة بيل وميليندا غيتس لنشر تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة التعليم بأفريقيا جنوب الصحراء. وبالتوازي، تعهدت بنحو 500 مليون دولار لتحسين صحة الأمهات وحديثي الولادة عبر تحالف مؤسسات خيرية مرتبطة بمحمد بن زايد.
وبحسب مراقبين فإن هذه الأرقام الكبيرة تُستخدم لتكريس صورة الإمارات كشريك تنموي رائد، لكنها في الوقت ذاته تخفي شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية، حيث تتدفق الاستثمارات عبر أدوات سيادية مثل ADQ وصندوق خليفة، مستهدفة الزراعة والطاقة الخضراء والخدمات اللوجستية.
ويخشى المراقبون أن تتحول هذه الاستثمارات إلى وسائل لربط الاقتصادات المحلية بعقود طويلة الأمد تقيّد سيادة الدول، وتمنح أبوظبي نفوذًا يتجاوز بكثير حجم مساهمتها المالية.
موانئ النفوذ: السيطرة بلا جنود
تتمثل الركيزة الأخطر في التوسع الإماراتي في السيطرة على الموانئ والممرات البحرية. فمن أنغولا إلى تنزانيا، ومن القرن الأفريقي إلى غرب القارة، راكمت أبوظبي امتيازات طويلة الأمد تجعلها لاعبًا حاسمًا في شرايين التجارة.
ففي أنغولا، تدير مجموعة موانئ أبوظبي ميناءً استراتيجيًا بامتياز 20 عامًا، وفي الكونغو-برازافيل تطور ميناء بوانت نوار بعقد يمتد 30 عامًا.
أما ميناء دار السلام في تنزانيا، فيخضع لتحديث تقوده موانئ دبي العالمية باستثمارات تصل إلى مليار دولار.
وفي القرن الأفريقي، عززت الإمارات وجودها في بربرة وبوصاصو، وربطت هذه الموانئ بمسارات برية نحو إثيوبيا، ما يمنحها تأثيرًا مباشرًا على طرق الوصول إلى البحر الأحمر.
وفي غرب أفريقيا، يبرز مشروع ميناء نديان في السنغال بقيمة 1.1 مليار دولار، فضلًا عن النفوذ المتزايد في ميناء كوناكري بغينيا.
وتشكل هذه الامتيازات أدوات ضغط سياسي واقتصادي، تسمح لأبوظبي بالتأثير في قرارات الدول المضيفة والتحكم في صادراتها ووارداتها. وهو ما يجعل «الموانئ» نسخة حديثة من القواعد العسكرية، لكن بغطاء مدني وتنموي.
الصومال نموذج الانفجار
بلغت المخاطر السياسية لهذا النهج ذروتها في الصومال، حين أعلنت الحكومة الفيدرالية في 12 يناير/كانون الثاني 2026 إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات، متهمة إياها بتقويض السيادة الوطنية.
ورغم تراجع القرار فعليًا في بعض الأقاليم مثل بونتلاند وأرض الصومال، فإن الأزمة كشفت كيف يساهم النفوذ الإماراتي في تعميق الانقسامات الداخلية، وتحويل الاستثمار إلى عامل تفكيك بدل أن يكون أداة استقرار.
وبينما اصطدم النفوذ الإماراتي في اليمن بحدود حروب الوكالة، فانتهى بانسحاب مُكلف سياسيًا، فإنه في أفريقيا، تستبدل أبوظبي السلاح بالمال، والميليشيات بالعقود، والاحتلال المباشر بالاعتماد الاقتصادي. غير أن الهدف يبقى واحدًا: توسيع النفوذ وضمان السيطرة على الموارد والممرات الحيوية.
ويرى المراقبون أن هذا التحول قد يكون أقل صخبًا، لكنه لا يقل خطورة. فحين تُربط سيادة الدول الفقيرة بعقود استثمارية طويلة الأمد، وتُختزل التنمية في خدمة مصالح الخارج، يصبح «الاستثمار» شكلًا جديدًا من أشكال الهيمنة.
وتحذّر أصوات متزايدة من أن أفريقيا قد تتحول إلى ساحة مفتوحة لنهب مقدراتها، ما لم تُخضع هذه الشراكات لرقابة وطنية صارمة، وتُفكك العلاقة غير المتكافئة بين رأس المال الإماراتي وحكومات هشّة تبحث عن حلول سريعة لأزماتها.
