موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

تداعيات فضائح سلطان بن سليم مع جيفري إبستين تضرب شراكات موانئ دبي العالمية

2٬001

بدأت تداعيات فضائح الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية سلطان أحمد بن سليم مع الممول الأميركي المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين بضرب شراكات وتحالفات الشركة التي باتت أمام اختبار غير مسبوق يتعلق بسمعتها وحوكمتها وعلاقاتها العابرة للحدود.

إذ أعلن ثاني أكبر صندوق تقاعد في كندا، صندوق إيداع واستثمار كيبيك (لا كايس)، أنه سيوقف الصفقات المستقبلية مع شركة موانئ دبي في خطوة تعكس اتساع تداعيات الفضيحة المرتبطة ببن سليم وذلك في أول تحرك علني من شريك استثماري دولي كبير ضد عملاق الموانئ الإماراتي.

وأكد الصندوق، الذي يدير أصولًا تُقدّر بنحو 366 مليار دولار أميركي، أ أنه “يوقف مؤقتًا نشر أي رأس مال إضافي جنبًا إلى جنب مع موانئ دبي العالمية”، مضيفًا أنه أبلغ الشركة بضرورة “توضيح الوضع واتخاذ الإجراءات اللازمة”.

وشدد الصندوق على “أهمية التمييز بين الشركة كمؤسسة والفرد المعني”، في إشارة مباشرة إلى بن سليم، دون أن يُعلن إنهاء الشراكات القائمة أو سحب الاستثمارات الحالية.

وجاء القرار بعد نشر تقارير في صحيفة فايننشال تايمز كشفت عن مراسلات متبادلة بين بن سليم وإبستين، أُدرجت ضمن وثائق وزارة العدل الأميركية المتعلقة بالقضية.

وأظهرت الرسائل تواصلًا استمر لسنوات، تخلله تبادل صور وتعليقات ذات طابع حميمي، إضافة إلى نقاشات حول ترتيبات سفر وخدمات مرافقة وتدليك في مدن مختلفة، فضلاً عن مساعٍ لبناء شبكة علاقات أعمال مشتركة.

وبحسب الوثائق، حافظ بن سليم على علاقة مع إبستين لفترة طويلة بعد إدانة الأخير عام 2008 بتهمة استدراج قاصر، واستمر التواصل حتى قبيل اعتقاله مجددًا عام 2019 ووفاته في السجن بانتظار محاكمته بتهم الاتجار بالجنس.

وتضمنت بعض الرسائل عبارات صريحة حول علاقات شخصية، وأخرى تناولت ترتيبات لزيارات إلى جزيرة “ليتل سانت جيمس” في جزر العذراء الأميركية، التي قالت السلطات الأميركية إنها استُخدمت كموقع لارتكاب جرائم الاتجار الجنسي.

ولم تصدر موانئ دبي العالمية تعليقًا رسميًا منذ نشر التسريبات، كما لم يُعلن عن اتخاذ أي إجراء بحق بن سليم، الذي يقود الشركة منذ عقود وأسهم في تحويلها إلى واحدة من أكبر مشغلي محطات الحاويات والبنية التحتية اللوجستية في العالم. وتخضع الشركة لإشراف العائلة الحاكمة في دبي، ونادرًا ما ترد على الانتقادات الخارجية.

ويمتد حضور الشركة إلى أكثر من 70 دولة، وتدير ستة موانئ في كندا، إضافة إلى استثمارات بارزة في المملكة المتحدة وأوروبا وآسيا وأفريقيا. وكانت “لا كايس” من أبرز شركائها الاستثماريين، إذ وقّعت معها في سبتمبر الماضي مشروعًا مشتركًا لتوسعة ميناء مونتريال في كونتريكور، ضمن أجندة البنية التحتية للحكومة الكندية.

كما سبق أن أعلنت عام 2022 عن صفقة بقيمة 5 مليارات دولار للاستثمار في أصول رئيسية للشركة في الإمارات، بينها ميناء جبل علي، أكبر موانئ الشرق الأوسط. وفي 2016، دشّن الطرفان شراكة باستثمارات التزامية بلغت 3.7 مليارات دولار في مشاريع حول العالم.

غير أن التطورات الأخيرة فتحت الباب أمام تساؤلات حادة داخل الأوساط المالية حول معايير الحوكمة وإدارة المخاطر في الشراكات العابرة للحدود.

ويُنظر إلى خطوة الصندوق الكندي باعتبارها رسالة تحذيرية قد تدفع شركاء آخرين إلى مراجعة علاقاتهم، خصوصًا في ظل الحساسية المتزايدة عالميًا تجاه قضايا الامتثال والسمعة المؤسسية.

وتظهر الوثائق المسرّبة، التي نشرتها وزارة العدل الأميركية وأكدت وكالة بلومبيرغ حصولها على نسخ منها وإخضاعها لاختبارات تحقق، أن العلاقة بين الرجلين تجاوزت الإطار الشخصي إلى محاولات لتوسيع شبكة اتصالات في دوائر المال والسياسة.

فقد تبادلا وفق الرسائل، جهات اتصال لمسؤولين ورجال أعمال، وسعيا إلى ترتيب لقاءات محتملة. وتشير مراسلات إلى أن المستثمر العقاري في نيويورك أندرو فاركاس لعب دورًا في التعريف بين الطرفين، وأنه أبلغ إبستين عام 2007 بنيّة بن سليم حضور افتتاح مرسى في جزر فيرجن الأميركية قرب منتجع إبستين.

كما تكشف الرسائل عن اهتمام متكرر من بن سليم بزيارة جزيرة “ليتل سانت جيمس”، وتخطيط لزيارات بين عامي 2014 و2016. وتضمنت الأرشيفات صورًا تجمع الرجلين هناك.

وفي سياق متصل، أظهرت الوثائق أن اسم بن سليم سُجّل مالكًا مستفيدًا لشركة اشترت جزيرة “غريت سانت جيمس” المجاورة عام 2016، قبل أن يتضح لاحقًا ارتباط إبستين بالملكية.

وكانت صحيفة “ميامي هيرالد” قد ذكرت سابقًا أن أحد مساعدي بن سليم قال إن إبستين طلب استخدام اسمه في صفقة تجارية، وهو ما قوبل بالرفض.

وتشير المراسلات كذلك إلى محاولات لإيجاد وظائف لأشخاص مقرّبين من إبستين داخل شركات أو فنادق مرتبطة ببن سليم، إضافة إلى طلبات تتعلق بإرسال أدوات فحص حمض نووي إلى دبي، وهي طلبات أثارت شكوك الشركة المصنّعة وانتهت بإلغاء صلاحية الأدوات.

وتُظهر آخر الرسائل أن التواصل استمر حتى الأيام الأخيرة قبل اعتقال إبستين في نيويورك في يوليو 2019.

وتضع هذه التطورات موانئ دبي العالمية أمام تحدٍ مركب: الحفاظ على ثقة الشركاء والحكومات، وفي الوقت نفسه احتواء تداعيات أزمة سمعة تتسع دوليًا. ويترقب المستثمرون ما إذا كانت الشركة ستبادر إلى مراجعة داخلية أو إعادة هيكلة إدارية لاحتواء الموقف، أو ستواصل التزام الصمت في مواجهة ضغوط متزايدة من الأسواق وصناديق التقاعد والمؤسسات الرقابية.

حتى الآن، لم تعلن أي جهة رقابية في كندا أو المملكة المتحدة فتح تحقيق رسمي يتعلق بالشراكات مع الشركة، غير أن قرار “لا كايس” يُعد سابقة قد تعيد رسم حدود العلاقة بين رأس المال العام ومعايير السلوك الشخصي لكبار التنفيذيين.

وفي ظل تشابك المصالح والاستثمارات العابرة للقارات، تبدو الفضيحة مرشحة لإعادة طرح سؤال الحوكمة والشفافية في الشركات المملوكة للدول، ومدى قدرتها على عزل الأداء المؤسسي عن أخطاء الأفراد، عندما تتحول المراسلات الخاصة إلى أزمة ثقة عامة.