تتخذ دولة الإمارات من حرب السودان ساحة لتصعيد تدخلاتها الإقليمية في إطار استراتيجية ممتدة لإعادة تشكيل موازين النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي على نحو يعيد إلى الأذهان أدوارها السابقة في اليمن وذلك دون اعتبار للضحايا من المدنيين السودانيين ومأساتهم.
وكشفت تقارير عن استضافة إثيوبيا مرافق تدريب مرتبطة بميلشيات الدعم السريع المدعومة إماراتيا ما يطرح أسئلة ثقيلة حول طبيعة الدور الإماراتي وحدوده، وما إذا كان يتجاوز “الاحتواء” إلى إسقاط نفوذ عبر وكلاء مسلحين.
ومنذ سنوات، تتعامل أبوظبي مع أزمات المنطقة عبر مقاربة أمنية براغماتية، تعتمد على بناء شبكات نفوذ غير رسمية، وإقامة علاقات وثيقة مع فاعلين مسلحين من غير الدول، بما يتيح لها أوراق ضغط بعيدة عن كلفة التدخل المباشر.
وفي السودان، يبدو أن هذا النمط يتكرر: بلد هش، ساحل استراتيجي طويل، وموقع حيوي على طرق التجارة والطاقة العالمية.
وتشير تحليلات سياسية نقلها «ذا ميديا لاين» إلى أن السودان يتحول تدريجيًا إلى ساحة تنافس خليجي، لكن مع فارق واضح في المقاربات.
فبينما تركز الرياض – وفق توصيف محللين سعوديين – على احتواء الانهيار وخفض التصعيد وحماية أمن البحر الأحمر، تبدو أبوظبي، أكثر ميلًا لاستخدام أدوات النفوذ الصلبة، حتى وإن أدى ذلك إلى تعقيد الصراع وإطالة أمده.
ويعيد هذا التباين إلى الواجهة تجربة اليمن، حيث انسحبت الإمارات عسكريًا لكنها أبقت نفوذًا فاعلًا عبر قوى محلية مسلحة، في مقابل تركيز سعودي على الترتيبات الأمنية الرسمية.
واليوم، يرى مراقبون أن السيناريو ذاته قد يُعاد إنتاجه في السودان: انسجام ظاهري في الخطاب الخليجي، يقابله اختلاف جوهري في الممارسة على الأرض.
وتنطلق القراءة الناقدة للدور الإماراتي من أن دعم أو تمويل أو تدريب قوات غير نظامية – حتى لو ظل في إطار “الادعاءات” – يساهم في تفكيك الدول بدل إعادة بنائها.
فالسودان، الذي يعاني أصلًا من انهيار مؤسساتي واقتصادي، لا يحتمل تحوله إلى مسرح لتجارب النفوذ الإقليمي. وأي تورط خارجي في تعزيز أطراف مسلحة يفاقم منطق الحرب، ويضعف فرص التسوية السياسية، ويهدد بتدويل الصراع.
كما أن تمدد الحرب نحو دول الجوار، عبر معسكرات تدريب أو خطوط إمداد عابرة للحدود، يخلق بيئة أمنية هشة تمتد من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر.
ولا تهدد هذه البيئة السودان وحده، بل تضرب استقرار الممرات البحرية، وتفتح الباب أمام تصاعد الهجرة غير النظامية وتدفقات السلاح، وهي ملفات لطالما استخدمتها أبوظبي ضمن خطابها الأمني لتبرير تدخلاتها.
ورغم نفي الإمارات المتكرر لأي دعم لقوات الدعم السريع، فإن سجلها الإقليمي يجعل هذه النفيّات موضع تشكيك لدى قطاعات واسعة من المراقبين. فالنمط معروف: إنكار رسمي، يقابله تراكم مؤشرات ميدانية، ثم اعتراف جزئي أو إعادة توصيف للدور لاحقًا.
وفي حالة السودان، قد يكون ثمن هذا النمط أفدح، لأن الدولة نفسها مهددة بالتفكك.
بالتالي لا يمكن فصل ما يجري في السودان عن الاستراتيجية الإماراتية الأوسع في الإقليم، التي تربط بين اليمن، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي ضمن رؤية نفوذ متكاملة. السؤال لم يعد ما إذا كانت أبوظبي حاضرة في المشهد السوداني، بل إلى أي مدى ستستمر في التعامل مع هذا البلد كساحة نفوذ، لا كدولة بحاجة إلى دعم مسار سياسي جامع.
وبحسب مراقبين فإن السودان اليوم يقف على مفترق طرق: إما أن يتحول إلى نموذج جديد لحروب الوكالة التي غذتها تدخلات خارجية، أو أن يُمنح فرصة حقيقية لاستعادة دولته. وفي هذا الاختبار، يبدو أن الدور الإماراتي، بما يحمله من غموض ونفي وتناقض، سيكون عاملًا حاسمًا في ترجيح كفة الفوضى أو الاستقرار.
