موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

حرب الصناديق السيادية في أبوظبي: كيف يعيد محمد بن زايد هندسة وراثة الحكم بالمال؟

802

في تطور لافت يعكس احتدام الصراع الصامت داخل أروقة الحكم في أبوظبي، كشفت وول ستريت جورنال عن إعادة هيكلة واسعة النطاق للثروة الملكية في الإمارة، أسفرت عن صعود متسارع لخالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، على حساب مراكز نفوذ تقليدية لطالما احتكرها جيل أقدم داخل العائلة الحاكمة.

وأبرز الصحيفة الأمريكية، أن الخطوة تمثل مؤشرًا على صراع أجنحة في أبو ظبي يتخفّى خلف لغة “التحول المنظم” و“التحديث المؤسسي”.

ووفق الصحيفة فإن خالد، البالغ من العمر 44 عامًا ونجل رئيس الدولة محمد بن زايد آل نهيان، بات يشرف على صندوق ADQ السيادي، الذي تُقدّر أصوله بأكثر من 260 مليار دولار، بعد أن كانت هذه المحفظة الثقيلة بيد عمه  طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني.

ورأت الصحيفة أن انتقال هذه الأصول لا يعبّر فقط عن تغيير إداري، بل عن إعادة توزيع دقيقة لمفاصل القوة الاقتصادية داخل إمارة أبو ظبي.

فالصندوق الذي يشرف عليه  خالد يضم أصولًا استراتيجية من العيار الثقيل، تشمل شركة الاتحاد للطيران، ومؤسسة أبوظبي للطاقة النووية، إلى جانب شركات وبنى تحتية حيوية تمس الأمن الاقتصادي للدولة.

وتمثل هذه القطاعات أدوات نفوذ سياسي واقتصادي، ما يجعل نقل الإشراف عليها رسالة واضحة بأن وراثة الحكم في أبوظبي لم تعد مسألة مستقبلية، بل عملية جارية تُدار بهدوء محسوب.

وتضيف الصحيفة أن حكومة أبوظبي وضعت صندوق ADQ تحت مظلة كيان استثماري جديد يحمل اسم “لمداد” (LIMAD)، وهو صندوق أُعلن عنه حديثًا ويترأسه  خالد نفسه.

اللافت أن هذا الكيان ظل بعيدًا عن الأضواء حتى ديسمبر الماضي، حين كشف ديفيد إليسون، رئيس شركة سكاي دانس، عن مشاركة صندوق شرق أوسطي في تمويل عرض للاستحواذ على شركة وارنر براذرز، قبل أن يتبيّن أن “لمداد” هو الطرف الخفي في الصفقة.

ويعكس هذا الغموض طبيعة إدارة الثروة في أبوظبي، حيث تُدار القرارات الكبرى خلف ستار من السرية، بعيدًا عن أي رقابة أو نقاش عام.

وبحسب توصيف مكتب الإعلام الحكومي في أبوظبي، يركّز “لمداد” على “بناء أبطال وطنيين في قطاعات ذات أهمية استراتيجية”، وهي صيغة دعائية تُخفي في جوهرها توجّهًا لتكريس السيطرة العائلية على مفاصل الاقتصاد، وربط الاستثمار بالولاء السياسي، لا بالكفاءة أو الشفافية.

وتشير وول ستريت جورنال إلى أن صناديق الثروة السيادية في أبوظبي تشكّل العمود الفقري لقوة الإمارة الاقتصادية، إذ تتجاوز القيمة الإجمالية لأصولها 1.8 تريليون دولار، رغم أن عدد سكان الإمارة لا يتجاوز 4.1 مليون نسمة ما يطرح أسئلة جوهرية حول من يقرّر، ولمصلحة من تُدار هذه الأموال.

في المقابل، ترى الصحيفة أن ترقية خالد تقلّص من المحفظة الاستثمارية التي كان يشرف عليها  طحنون بن زايد آل نهيان منذ عام 2021.

ورغم أن طحنون، البالغ من العمر 57 عامًا، لا يزال أحد أقوى المستثمرين في العالم، بسيطرته على أصول تتجاوز 1.3 تريليون دولار، فإن سحب ADQ من تحت يده يُعد تراجعًا نسبيًا في ميزان القوة، مهما جرى التخفيف من دلالاته رسميًا.

ولا يزال طحنون يلعب دورًا محوريًا في استراتيجية الإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي، عبر كيانات مثل MGX وG42، إضافة إلى رئاسته لمجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA)، الصندوق السيادي الأكبر بأصول تُقدّر بنحو 1.1 تريليون دولار.

كما ضخّ عشرات المليارات في مشاريع مراكز بيانات داخل الإمارات والولايات المتحدة، واستثمر في شركات عالمية مثل OpenAI وAnthropic، ما جعله الواجهة الدولية للذراع المالية التكنولوجية للإمارة.

غير أن المفارقة، كما تلمّح الصحيفة، أن طحنون أمضى معظم حياته في إدارة أعمال العائلة دون أن يُتوقع له هذا الدور الرسمي الواسع، قبل أن تتغير المعادلة خلال السنوات الأخيرة.

وشكل تعيين خالد وليًا للعهد عام 2023 صدمة لكثير من المراقبين الذين رجّحوا كفة طحنون، لكن قرار محمد بن زايد حسم الاتجاه نحو التوريث العمودي، لا التوازن الأفقي.

وتكشف هذه التحركات أن ما يجري في أبوظبي ليس “انتقالًا منظمًا” بقدر ما هو صراع ناعم على السلطة والثروة، يُدار بأدوات المال والصناديق السيادية بدل الانقلابات أو المواجهات العلنية. صراع يضع مستقبل الحكم في الإمارة رهينة قرارات فردية، ويكرّس نموذجًا سياسيًا يُحكم فيه الاقتصاد بمرسوم، وتُرسم فيه ملامح الدولة من داخل العائلة، لا من خلال مؤسسات تمثيلية أو مساءلة عامة.