تستخدم دولة الإمارات العمل الإنساني والإغاثي للسيطرة على غزة في وقت تندفع فيه لحجز موقع متقدم في ترتيبات “اليوم التالي” للقطاع عبر أدوات المال والنفوذ السياسي، وبالتنسيق الوثيق مع إسرائيل.
وبحسب مصادر مطلعة، سارعت الإمارات إلى دفع أكثر من مليار دولار للمساهمة في ما يُعرف بـ“مجلس ترامب للسلام” المتعلق بقطاع غزة، في خطوة فُسّرت على أنها ثمن سياسي لضمان عضوية دائمة ومؤثرة في هذا الإطار، ووفق الشروط التي تفرضها الإدارة الأمريكية السابقة وحلفاؤها.
ويرى مراقبون أن هذا التمويل الضخم يأتي ضمن سباق محموم للسيطرة على مسار إعادة تشكيل غزة سياسيًا وإداريًا في ظل مؤامرات الإمارات لبسط نفوذها في قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة، بحيث تكون صاحبة الحصة الأكبر في ترتيبات ما بعد الحرب.
ولا ينفصل هذا التوجه، وفق محللين، عن رؤية أوسع لأبوظبي تسعى من خلالها إلى توسيع أدوارها الإقليمية عبر بوابة “إدارة الأزمات” وإعادة الإعمار، مع ما يحمله ذلك من نفوذ سياسي وأمني طويل الأمد.
وفي هذا السياق، تلعب إسرائيل دور الشريك الأساسي للإمارات. فتل أبيب، بحسب تقارير إسرائيلية متعددة، ترى في أبوظبي “حليفًا نموذجيًا” يمكن الاعتماد عليه لتطبيق تجارب تعتبرها ناجحة في مجالات التعليم والتربية والقانون، إضافة إلى نشر مفاهيم “الإسلام الإبراهيمي” الذي يجري الترويج له كنموذج ديني وثقافي، كما هو مطبق في أبوظبي كجزء من إعادة هندسة المشهد الاجتماعي والسياسي في غزة.
وتكشف التقارير أن الإمارات لم تبدأ هذا المسار اليوم، بل تعمل منذ سنوات داخل قطاع غزة عبر ما يُعرف بـ“الأدوات الناعمة”، تحت غطاء إنساني وإغاثي، وبما حظي بتسهيلات إسرائيلية كبيرة ومتنوعة.
ويرى منتقدون أن هذا الغطاء الإنساني استُخدم لبناء شبكات نفوذ وتأثير، بعيدًا عن أعين الرأي العام، وبما يخدم أجندات سياسية تتقاطع بشكل مباشر مع المصالح الإسرائيلية.
وفي تطور بالغ الدلالة، أفادت تقارير بأن للإمارات تأثيرًا مباشرًا في اختيار لجنة إدارة غزة الجديدة، حيث انبثقت فكرة تشكيل هذه اللجنة أساسًا من محادثات جرت بين جاريد كوشنير ومسؤولين إماراتيين.
ووفق هذه المعطيات، جرى لاحقًا الدفع باتجاه تعيين نيكولاي ملادينوف، مدير مؤسسة أنور قرقاش الدبلوماسية الإماراتية، مفوضًا ساميًا لإدارة غزة، بدلًا من توني بلير، في خطوة عكست حجم النفوذ الإماراتي في هذا الملف.
ولا تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، إذ تتهم مصادر فلسطينية الإمارات بدعم عصابات مسلحة داخل غزة، جرى تأسيسها بدعم إسرائيلي، بهدف مواجهة المقاومة الفلسطينية وضرب الجبهة الداخلية، في محاولة لإضعاف أي بنية مقاومة أو معارضة للترتيبات المفروضة.
كما تشير اتهامات أخرى إلى أن أبوظبي قدمت مساعدات غذائية وإنسانية بما يخدم، بشكل غير مباشر، خطط إسرائيل المتعلقة بالتهجير القسري للمدنيين الفلسطينيين، عبر ربط الإغاثة بمسارات نزوح أو مناطق محددة.
ويرى مراقبون أن مجمل هذه التحركات تندرج ضمن مشروع متكامل، يستخدم المال والعمل الإنساني كأدوات سياسية، ويعيد إنتاج الوصاية على غزة بأشكال جديدة، لا تقل خطورة عن الاحتلال المباشر.
وفي ظل هذا المشهد، تتصاعد المخاوف من أن يتحول قطاع غزة إلى ساحة تجارب لمشاريع إقليمية، تُفرض على سكانه باسم “السلام” و“إعادة الإعمار”، بينما يجري تهميش إرادتهم وحقوقهم الوطنية.
