تدفع الإمارات باتجاه تفكيك أي موقف خليجي موحد بشأن مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة، عبر حملة سياسية وإعلامية ممنهجة تستهدف تقويض شرعية مؤسسات العمل العربي والإسلامي، وعلى رأسها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، تمهيدًا لإعادة تشكيل النظام الإقليمي وفق ترتيبات ثنائية تخدم أجنداتها الخاصة.
وتُصعّد أبوظبي خطابًا يركز على إبراز عجز المؤسسات الإقليمية، وتقديم هذا العجز كحقيقة نهائية غير قابلة للإصلاح، رغم أن هذا الضعف لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة، لعبت الإمارات نفسها دورًا مركزيًا في ترسيخها، عبر تعطيل أي مسار جاد لتحويل هذه المؤسسات إلى أدوات فاعلة، خاصة في القضايا الحساسة المرتبطة بإسرائيل.
وتُظهر الوقائع أن القمم العربية والإسلامية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مناسبات شكلية، تصدر عنها بيانات دون أي أثر عملي، في ظل غياب الإرادة السياسية، وهو واقع ساهمت فيه أبوظبي بشكل مباشر، عبر تبني سياسات أحادية، وتجاوز الأطر الجماعية في ملفات مصيرية، أبرزها التطبيع مع إسرائيل، والتدخل في أزمات إقليمية معقدة.
وتنتقل الحملة الإماراتية حاليًا إلى مستوى أكثر خطورة، حيث لم يعد الهدف مجرد انتقاد الأداء الضعيف للمؤسسات، بل العمل على نزع الشرعية عن فكرة العمل العربي والإسلامي المشترك نفسها، وتكريس قناعة عامة بأن هذه الأطر لم تعد ذات جدوى، وأن تجاوزها بات خيارًا طبيعيًا بل ضروريًا.
وتركّز أبوظبي بشكل خاص على مجلس التعاون الخليجي، باعتباره الإطار الأكثر قابلية لإنتاج موقف موحد، وتسعى إلى تفكيكه سياسيًا، عبر كسر أي توافق محتمل بشأن القضايا الاستراتيجية، وعلى رأسها العلاقة مع الولايات المتحدة، في ظل التحولات المتسارعة في البيئة الدولية.
وتدرك الإمارات أن الوجود الأمريكي في المنطقة لم يعد يُنظر إليه كضامن مطلق للأمن، وأن المرحلة المقبلة ستشهد إعادة تعريف للعلاقات والتحالفات، لذلك تتحرك بشكل استباقي لإفشال أي محاولة لصياغة موقف خليجي جماعي تجاه واشنطن، بما يسمح لها بإعادة ترتيب علاقاتها وفق مقاربات ثنائية أو تحالفات ضيقة، بعيدًا عن أي قيود جماعية.
ويُسهل إضعاف المؤسسات الإقليمية هذا المسار، إذ يؤدي غياب موقف عربي أو خليجي موحد إلى فتح المجال أمام تحركات منفردة في ملفات حساسة، دون وجود أي إطار جامع يمكن أن يفرض توازنًا أو يحد من الانفراد بالقرار، وهو ما يتقاطع مع الرؤية الإماراتية لإدارة النفوذ في المنطقة.
وعلى المستوى الإعلامي، يتم تكثيف خطاب يُعيد تشكيل وعي الرأي العام، عبر الترويج لفكرة أن الحلول لم تعد تمر عبر المؤسسات التقليدية، وأن هذه الكيانات أصبحت عبئًا أكثر منها أداة، في محاولة لإعادة تعريف مفهوم العمل المشترك، وتحويله إلى صيغة مرنة تخضع لحسابات كل دولة على حدة.
في هذا السياق، أثار المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، موجة واسعة من الجدل، بعد أن وجّه انتقادات مباشرة لما وصفه بغياب التضامن العربي مع دول الخليج في مواجهة إيران، متسائلًا عن دور المؤسسات العربية والإسلامية في هذه المرحلة.
ويأتي ذلك في وقت ساهمت فيه السياسات الإماراتية في إضعاف هذه المؤسسات، سواء عبر تجاوزها أو تعطيل قراراتها، ما يطرح تساؤلات حول جدية الدعوة إلى تفعيلها، أو ما إذا كانت مجرد محاولة لإعادة توظيف خطاب “التضامن” لخدمة أهداف سياسية محددة.
وتُظهر ردود الفعل على تصريحات قرقاش حجم الفجوة بين الخطاب الإماراتي والواقع، حيث استحضر ناشطون ومراقبون سجل أبوظبي في المنطقة، مشيرين إلى أن الحديث عن العمل المشترك يفقد مصداقيته في ظل سياسات منفردة شملت التطبيع مع إسرائيل دون توافق عربي، والتدخل في أزمات داخلية لدول عربية، والمشاركة في حصارات إقليمية عمّقت الانقسام بدل معالجته.
وتكشف هذه الردود عن إدراك متزايد بأن الحملة الإماراتية لا تستهدف إصلاح المؤسسات، بل استخدام ضعفها كمدخل لإعادة هندسة النظام الإقليمي، بما يتماشى مع مصالحها، ويمنحها هامش حركة أوسع بعيدًا عن أي التزامات جماعية.
ويرى مراقبون أن ما يجري عملية تفكيك ممنهجة لفكرة العمل المشترك نفسها، تمهيدًا لمرحلة جديدة تُدار فيها المنطقة عبر شبكات تحالفات مرنة ومصلحية، تتقدم فيها الحسابات الثنائية على أي اعتبار جماعي.
وبحسب المراقبين ينذر هذا المسار بمزيد من التفكك في المواقف الخليجية والعربية، ويضعف القدرة على مواجهة التحديات المشتركة، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات عميقة تتطلب قدرًا أعلى من التنسيق لا العكس، ما يجعل المشروع الإماراتي عامل تفكيك إضافي في بيئة إقليمية تعاني أصلًا من هشاشة غير مسبوقة.
