في تصريح يعكس مستوى غير مسبوق من التناغم السياسي والأمني بين أبوظبي وتل أبيب، قال السيناتور الجمهوري الأمريكي ليندسي غراهام إن رئيس الإمارات محمد بن زايد ““نفّذت كل ما طُلب منه وأكثر” بشأن التطبيع والتخالف مع إسرائيل.
ووصف غراهام الإمارات بأنها “شريك ثابت وموثوق” لإسرائيل في “ظروف صعبة”.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده غراهام في إسرائيل، نقل فيه رسالة مباشرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تؤكد الدهشة من “مستوى التعاون وأهمية الشراكة” مع الإمارات.
وتسلط هذه التصريحات، التي تجاوزت لغة المجاملات الدبلوماسية المعتادة، الضوء على محاور واضحة للتحالف الإماراتي الإسرائيلي، وتكشف حجم الرهان الأمريكي عليه في إعادة هندسة توازنات المنطقة، سواء على صعيد الأمن أو الاقتصاد أو السياسة الإقليمية.
وفي صدارة هذا التحالف يأتي البعد الأمني والعسكري. فغراهام، المعروف بدفاعه الشرس عن توسيع اتفاقيات التطبيع، ربط الشراكة الإماراتية الإسرائيلية مباشرة بهدف أمريكي مركزي هو “مواجهة إيران”.
ومن هذا المنطلق، دعا إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأمريكية لحماية الإمارات والمنطقة، في إشارة تُفهم على أنها مكافأة سياسية وأمنية مقابل الدور الذي لعبته أبوظبي في دعم أجندة إقليمية منسجمة مع المصالح الإسرائيلية.
وقد بات التعاون الاستخباراتي، وتبادل الخبرات في مجالات الدفاع السيبراني، وتنسيق المواقف حيال ملفات إقليمية ساخنة، عناصر مُعلنة—أو شبه مُعلنة—في العلاقات بين الطرفين. والأهم أن هذا التعاون يجري تحت مظلة دعم أمريكي صريح، يُضفي عليه شرعية دولية ويُحصّنه من الانتقادات.
وإلى جانب الأمن، يشكل الاقتصاد والتكنولوجيا رافعة أساسية للتحالف. فمنذ توقيع اتفاقيات التطبيع، تسارعت وتيرة الاستثمارات المشتركة، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والأمن الغذائي.
فالإمارات، بما تمتلكه من فوائض مالية وبنية استثمارية عالمية، وفّرت لإسرائيل بوابة إلى أسواق جديدة، فيما استفادت أبوظبي من التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة لتعزيز خططها للتحول الاقتصادي.
وهذا التشابك الاقتصادي يُقدَّم عادةً بصفته “تعاونًا مدنيًا”، لكنه في الواقع يُشكّل قاعدة صلبة لتحالف سياسي طويل الأمد، يصعب فكّه دون كلفة عالية على الطرفين.
وسياسيًا، يتقاطع الطرفان في دعم مسار إقليمي يُهمّش القضية الفلسطينية لصالح أولويات أخرى، على رأسها مواجهة إيران وإعادة ترتيب التحالفات العربية.
وقد عكست تصريحات هذا الاصطفاف بوضوح، حين أشاد بـ“ثبات” الإمارات كشريك، في وقت تتعرض فيه إسرائيل لانتقادات دولية متزايدة بسبب سياساتها.
واللافت أن هذه الإشادة جاءت في لحظة حساسة، ما يوحي بأن أبوظبي تلعب دور “الضامن العربي” لتخفيف العزلة السياسية عن إسرائيل، وتقديم نموذج تطبيع يُسوّق في واشنطن باعتباره نجاحًا استراتيجيًا.
لا يمكن فصل هذا التحالف عن الدور الأمريكي. فغراهام لم يُخفِ رغبته في زيارة الإمارات “غدًا” للإشادة بقيادتها، واقتراح تعزيز الدفاعات الأمريكية هناك. هذه الرسالة تحمل بُعدين: الأول تطمين الإمارات بأن انخراطها العميق مع إسرائيل سيقابله دعم أمني أمريكي، والثاني توجيه إشارة لبقية دول المنطقة بأن بوابة واشنطن تمر عبر تل أبيب.
وتكشف تصريحات السيناتور الأمريكي عن تحالف إماراتي إسرائيلي يقوم على ثلاثة أعمدة: أمن مشترك برعاية أمريكية، تشابك اقتصادي وتقني عميق، واصطفاف سياسي يُعيد رسم أولويات المنطقة. تحالفٌ يُقدَّم في واشنطن كقصة نجاح، لكنه يفتح في المقابل أسئلة كبرى حول كلفته الإقليمية، ومن يدفع ثمنه فعليًا.
