تشهد أروقة الحكم في الإمارات حالة غضب متزايد إزاء المسار الذي وصلت إليه الدولة، بعد سنوات من السياسات الخارجية التي دفعت بها إلى قلب صراعات إقليمية معقدة دون امتلاك أدوات الحماية الكافية لتسقط رهانات أبو ظبي من وهم القوة إلى واقع الانكشاف.
ويتصاعد الغضب داخل الإمارات في ظل قناعة متنامية داخل دوائر القرار بأن الرهانات التي قادها محمد بن زايد لم تحقق أهدافها، بل وضعت البلاد أمام كلفة استراتيجية وأمنية غير مسبوقة.
وتعكس التطورات الأخيرة حجم التناقض بين الصورة التي سعت الإمارات إلى ترسيخها لنفسها كقوة إقليمية صاعدة، وبين واقعها عند أول اختبار مباشر لأمنها الداخلي.
فقد اعتمدت أبوظبي خلال السنوات الماضية سياسة هجومية توسعية، تدخلت من خلالها في ملفات عدة، من ليبيا إلى اليمن، ومن السودان إلى الصومال، وصولاً إلى دعم كيانات انفصالية مثل “صوماليلاند”. هدفت هذه السياسة إلى توسيع النفوذ وبناء شبكة تأثير عابرة للحدود، لكنها تجاهلت في المقابل هشاشة الجبهة الداخلية أمام ردود الفعل.
وتُظهر الأرقام المرتبطة بالهجمات التي تعرضت لها الإمارات خلال المواجهة الأخيرة حجم الفجوة بين الطموح والقدرة. تسجيل ما يقارب 2819 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو رقم يفوق بخمسة أضعاف ما تعرضت له إسرائيل، يكشف أن الدولة تحولت إلى هدف رئيسي رغم أنها ليست الطرف المركزي في الصراع.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات حادة داخل النخبة الحاكمة حول جدوى الانخراط في صراعات لا تمس الأمن القومي بشكل مباشر.
وأدت هذه الهجمات إلى شلل جزئي في مفاصل الحياة الاقتصادية والخدمية، وتسببت في خسائر تُقدّر بعشرات المليارات، في وقت كانت فيه الإمارات تسوّق نفسها كنموذج للاستقرار والأمان في المنطقة.
ويعكس هذا التحول من “واحة استقرار” إلى ساحة مستهدفة فشل رهان محمد بن زايد على القوة الصلبة دون تحصين الجبهة الداخلية أو بناء توازنات إقليمية مستقرة.
وتتركز الانتقادات بشكل خاص على خيار التحالف المفتوح مع إسرائيل، والذي تم تقديمه كضمانة أمنية واستراتيجية. لكن مجريات الأحداث أظهرت أن هذا التحالف لم يوفر الحماية المطلوبة، بل ربما ساهم في رفع مستوى الاستهداف.
وداخل الإمارات، تتزايد الأصوات التي ترى أن الدولة دفعت ثمن هذا الخيار مضاعفاً، دون أن تحصل على مقابل حقيقي في ميزان القوة أو الردع.
وتتجه هذه الأصوات إلى اعتبار أن التموضع السياسي الذي اختاره محمد بن زايد لم يكن نابعاً من ضرورات جغرافية أو تهديدات مباشرة، بل من رغبة في لعب دور يتجاوز حجم الدولة وإمكاناتها. هذا “التضخم في الدور” وضع الإمارات في مواجهة قوى إقليمية أكبر، دون امتلاك عمق استراتيجي كافٍ لتحمل تبعات هذا الصدام.
وتكشف الهدنة التي أُعلنت لاحقاً عن حقيقة أساسية: الحرب توقفت دون حسم، وكل طرف ادعى النصر، بينما بقيت الإمارات في موقع الخاسر الأكبر من حيث الكلفة دون مكاسب ملموسة. لم تحصل أبوظبي على نفوذ إضافي، ولم تعزز موقعها في الترتيبات الإقليمية، بل خرجت أكثر انكشافاً وأعلى عرضة للمخاطر.
في المقابل، اختارت دول خليجية أخرى مساراً أكثر حذراً، قائمًا على احتواء التوتر وتجنب الانخراط المباشر في المواجهة. هذا التباين في السياسات يعمّق من حدة الانتقادات داخل الإمارات، حيث يُنظر إلى التجربة الأخيرة كدليل على خطأ الرهان على التصعيد بدل التهدئة.
وتتجاوز تداعيات هذه السياسات الجانب الأمني لتطال البنية الاقتصادية والسياسية للدولة. تعتمد الإمارات بشكل أساسي على بيئة مستقرة لجذب الاستثمارات والسياحة، وأي اهتزاز في هذه البيئة ينعكس فوراً على ثقة الأسواق. ومع تكرار الهجمات، يصبح من الصعب الحفاظ على صورة “الملاذ الآمن”، ما يهدد أحد أهم ركائز النمو الاقتصادي.
وتتزايد الدعوات داخل الدولة إلى مراجعة شاملة للسياسات الخارجية، والعودة إلى نهج أكثر توازناً يراعي المصالح الوطنية بعيداً عن المغامرات الإقليمية. يرى منتقدون أن الاستمرار في نفس النهج سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف، ويضع الإمارات في مواجهات لا يمكن التحكم بمآلاتها.
وتشير هذه الدعوات إلى ضرورة إعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل، ليس من زاوية أيديولوجية، بل من منظور براغماتي بحت يقيس الكلفة مقابل العائد. كما تطالب بوقف دعم الحركات الانفصالية والانقلابية التي ساهمت في تأجيج الصراعات، وجعلت من الإمارات طرفاً غير مرحب به في عدة ساحات.
وتؤكد التجربة الأخيرة أن القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على التدخل، بل أيضاً بالقدرة على تجنب المخاطر غير الضرورية. وتكشف أن الرهان على التحالفات الخارجية دون بناء منظومة دفاعية داخلية متماسكة قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
وتختصر الأزمة الحالية معضلة أعمق في التفكير الاستراتيجي الإماراتي: السعي إلى دور أكبر من الإمكانات، والاعتماد على أدوات لا تتناسب مع طبيعة التحديات. وفي ظل غياب مراجعة حقيقية، يبقى خطر تكرار الأخطاء قائماً.
وتنتهي المعادلة إلى حقيقة واضحة داخل دوائر الحكم: الدروس كثيرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على الاعتراف بها والذكاء السياسي يقتضي التراجع عند الخطأ، لا المكابرة والاستمرار في مسار ثبتت كلفته العالية.
