موقع إخباري يهتم بفضائح و انتهاكات دولة الامارات

النظام الإماراتي يستغل التوتر الإقليمي لترويج تعزيز الشراكة مع إسرائيل

600

تكشف متابعة دقيقة لطبيعة الخطاب الإعلامي والسياسي الصادر عن دوائر القرار في الإمارات عن تحوّل ممنهج في طريقة تقديم البيئة الإقليمية للمواطن الإماراتي، في إطار مشروع أوسع لإعادة تشكيل الوعي العام بما يخدم أولويات جديدة في السياسة الخارجية، وعلى رأسها تعزيز الشراكة مع إسرائيل.

وتظهر المتابعة أن التحول في الخطاب الإماراتي يتم عبر منظومة متكاملة من الرسائل المتكررة التي تضخها حسابات إلكترونية ووسائل إعلام مرتبطة بالنظام، تركز على تصوير المحيط العربي والخليجي كبيئة غير مستقرة، بل وعدائية تجاه ما تصفه بـ”النجاح الإماراتي”، في محاولة لإضعاف الثقة الطبيعية بهذا الامتداد الجغرافي والسياسي.

وتعمد هذه الرسائل إلى بناء سردية قائمة على التخويف، عبر الإيحاء بأن ما حققته الإمارات من استقرار اقتصادي وتنموي يمكن أن يكون مهددًا في أي لحظة، إذا استمرت في الاعتماد على هذا المحيط. وتُقدَّم المنطقة على أنها فضاء مليء بالمخاطر السياسية والأمنية، بما يخلق حالة قلق مستمر تُستخدم لاحقًا لتبرير خيارات سياسية بديلة.

بالتوازي، يجري تمرير خطاب استعلائي تجاه دول الجوار، يقوم على المقارنة الشكلية بين منجزات عمرانية داخل الإمارات وأوضاع اقتصادية أو سياسية في دول أخرى، في صيغة تُبسط الواقع وتختزله في مفاهيم سطحية، لكنها تخدم هدفًا واضحًا يتمثل في تكريس شعور بالتمايز والانفصال عن المحيط الطبيعي.

في المقابل، تتشكل داخل نفس الدوائر رواية مغايرة تمامًا تجاه إسرائيل، حيث يجري تقديمها كشريك متقدم يمتلك قدرات أمنية وتكنولوجية عالية، وقادر على توفير مظلة استقرار في منطقة مضطربة.

وتُسوَّق هذه الصورة عبر إبراز التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيا العسكرية، بوصفها عناصر قوة يمكن الاستفادة منها لضمان استمرار النمو والاستقرار.

وتتكامل هاتان الروايتان ضمن مشروع واحد يقوم على فك الارتباط النفسي والسياسي مع المحيط العربي، مقابل إعادة توجيه البوصلة نحو شراكة استراتيجية مع إسرائيل. فكلما جرى تضخيم المخاطر القادمة من الإقليم، بدا خيار التحالف مع تل أبيب أكثر منطقية في الخطاب الداخلي.

وتشير المؤشرات إلى أن هذا المسار يتجاوز حدود السياسة الخارجية التقليدية، ليدخل في نطاق إعادة تعريف مفاهيم الأمن والانتماء. فبدلًا من النظر إلى العمق العربي كحاضنة طبيعية، يجري تقديمه كعبء محتمل، بينما تُطرح إسرائيل كبديل يوفر الحماية والتفوق التكنولوجي.

ويعتمد هذا التحول على أدوات متعددة، أبرزها الحملات الرقمية المنظمة التي تستهدف تشكيل الرأي العام، حيث يتم تكرار رسائل محددة بصيغ مختلفة لخلق انطباع عام بوجود تهديد دائم من الخارج، مقابل وجود فرصة استراتيجية في التعاون مع إسرائيل.

ويظهر هذا بوضوح في طبيعة النقاشات المتداولة على المنصات الاجتماعية، التي تعكس درجة عالية من التنسيق في الخطاب والمفردات.

وتُظهر القراءة المتأنية أن الهدف النهائي لهذا المسار هو تهيئة البيئة الداخلية لمرحلة جديدة لم تُعلن بشكل صريح بعد، تصبح فيها العلاقة مع إسرائيل جزءًا طبيعيًا من معادلة الأمن الوطني، وليس مجرد خيار سياسي قابل للنقاش.

وفي المقابل، تتحول العلاقة مع المحيط العربي إلى مسألة ثانوية، أو حتى مصدر تهديد يجب التحوّط منه.

وتعكس هذه الديناميكية انتقالًا من سياسة قائمة على التوازنات الإقليمية إلى نهج يقوم على إعادة التموضع الكامل، بما ينسجم مع رؤية القيادة الإماراتية لمستقبل دورها في المنطقة.

غير أن هذا التحول يطرح تساؤلات جدية حول كلفته السياسية والاجتماعية، خاصة في ظل التناقض بين الخطاب الرسمي الداعم للاستقرار الإقليمي، والممارسات التي تسهم في تعميق الانقسامات.

وتؤكد الصورة الكاملة أن ما يجري ليس مجرد تطوير للعلاقات الدولية، بل عملية إعادة صياغة شاملة للأولويات، تبدأ من داخل دوائر الحكم وتمتد إلى تشكيل وعي المجتمع، في محاولة لإعادة تعريف من هو الحليف ومن هو الخصم، وفق معايير جديدة يتم بناؤها تدريجيًا عبر خطاب إعلامي وسياسي محسوب.